لا شك أن جماعة الإخوان المسلمين هي الحركة الأكثر تنظيما والأكثر شعبية حزبية والأكثر تغلغلا في المفاصل الاقتصادية في العديد من الدول الإقليمية والدولية، والأكثر استغلالا للمساجد، حركة عالمية مركز ثقلها الأساس في مصر حيث ميلادها ونشأتها ووجود المرشد العام وهو بمثابة رأس الهرم والموجه العام والمقرر الأول لكل حركات الإخوان في كل البلدان، على رغم إعطاء خصوصية محدودة لكل تنظيم بما لا يتعارض مع التوجه العام للحركة الأم.جماعة الإخوان المسلمين دأبت منذ نشأتها علي التصادم مع السلطات أحيانا والتعايش معها أحيانا أخري وفق مصالح الحركة والحفاظ علي تنظيمها، اتسمت بالبرغماتية في حالات ضعفها وبالعنف في حال قوتها، لجأت الى العمل السري والعلني، بنت مؤسساتها بعيدا عن أعين السلطات تحت حجج مختلفة، مرات باسم الدعوة، وأخري باسم الإنسانية، وأحيانا باسم التجارة والأعمال الحرة، واستغلت الثغرات في القوانين، ودخلت باسم محاربة الشيوعية والقوي اليسارية والقومية، واصطفت إلي جانب بعض أنظمة الحكم بحجة وقوفها الى جانبها في محاربة الفتن، وامتثالا إلي احترام الشريعة التي توجب احترام الرئيس أو الملك أو الأمير، بحجة انه لا يجوز الخروج علي الحاكم، ولا تحرم أي علاقة مع أي جهة كانت بحجة حماية الإسلام وخدمة المسلمين، فتحالفت مع أميركا لمحاربة الشيوعية، وناصبت الرئيس جمال عبد الناصر العداء بحجة محاربة العلمانية.بهذه الفلسفة انتشرت الحركة، وبهذه الروحية ذهبت للخليج، فكانت الحجة والمبرر الهروب من قمع القوميين والشيوعيين، درست الواقع الخليجي فوجدت أسهل وأسرع الطرق التغلغل في سلك التعليم لنشر أفكارها، والاهتمام بالمساجد ودور العبادة لنشر تعاليم التنظيم، خاضت غمار العمل التجاري والاقتصادي لامتلاك القوة، وتعايشت الحركة مع أنظمة الخليج، وترعرعت تحت ظلال أجنحة حمايتها، فكان الإخوان في السعودية والكويت والإمارات والبحرين وقطر. اليوم وبعد المتغيرات في بعض البلدان العربية، واستغلال الإخوان للهبات الشعبية ضد الظلم والاضطهاد الذي مارسته الأنظمة تجاه شعوبها، ولأنهم تقريبا القوة الوحيدة المنظمة والمؤسساتية، استطاعوا تجيير الدماء البريئة التي سالت في شوارع دول الربيع العربي بهدف الاستيلاء علي السلطة، ولم تكن تتجرأ الحركة في تونس ومصر والمحاولة في ليبيا وفي سورية بعد إسقاط نظام بشار الأسد من الذهاب نحو استلام السلطة من دون مباركة وتنسيق مسبق مع الإدارة الأميركية بعد الاتفاق علي إنشاء تحالفات جديدة في المنطقة تحافظ علي المصالح المشتركة، وطلاق لعلاقات قديمة لم تعد ذات قيمة لتحقيق مصالح الجماعة، فنشأ وفقا لتقاطع المصالح حلف ما يسمي دول المثلث "مصر وتركيا وقطر" مثلث القوة البشرية والعسكرية والاقتصادية.هذا التحالف أثار المخاوف لدى دول الخليج التي وجدت نفسها محاصرة بدول تحت سيطرة الأخوان وأخري علي الطريق كسورية والأردن، وكذلك من الجارة تركيا، وقطر احدي إمارات الخليج نفسه. ونتيجة هذه المخاوف بدت الخلافات بين الإخوان ودول الخليج تظهر علي السطح سواء من خلال الإعلام، وتبادل الاتهامات، والتحريض المتبادل، إلي حملة اعتقالات طالت أعضاء خلايا نائمة في الإمارات العربية بتهمة التخطيط لقلب نظام الحكم، وكذلك في السعودية.وإحساسا بالخطر القادم من جماعة الإخوان المسلمين، بدأت تعيد نظرها في الكثير من مواقفها، وأولي بوادر هذا التغيير التخلي عن سياسة " الصمت" التي اتبعتها المملكة السعودية في الكثير من أحداث المنطقة، والحذر في تدخلها لدعم طرف علي أخر إلا بعد معرفة النتائج لهذا التدخل.فالسعودية التي كانت رأس الحربة في محاولة إسقاط نظام بشار الأسد وهي محقة في هذا الموقف، لكنها بدت تغير من شكل موقفها فبدت تميز بين دعم الجيش الحر الذي يرتبط بعلاقات قوية مع السعودية ودول خليجية أخري وبين الأصوليين من جبهة النصرة وغيرها من هذه التنظيمات المتطرفة التي ستنقلب علي السعودية وغيرها بعد الانتهاء من معركة سورية. وتجلي التغيير في الموقف السعودي أيضا من خلال تصريح وزير الخارجية سعود الفيصل الذي قال فيه إنه لا بديل عن الحل السلمي للمشكلة السورية وان خروج بشار الأسد من الحكم موقف يرجع للسوريين أنفسهم، وكذلك هناك أخبار تسربت عن إعادة العلاقات الأمنية بين السعودية ونظام بشار وكذلك مع الجيش الحر بهدف التنسيق لإجهاض أي إمكان لسيطرة الأصوليين علي الحكم في سورية.كما برز التغيير في الموقف السعودي في قرار وقف بث القنوات الفضائية التي تثير النعرات الدينية والطائفية والمقصود فيها القنوات الفضائية التي يسيطر عليها رجال الدين المؤيدين للإخوان المسلمين.السعودية ليست وحدها في حربها الباردة علي الإخوان فهناك مواقف لدولة الإمارات العربية التي كانت سباقة في إعلان موقفها من سيطرة الإخوان المسلمين علي مقاليد الحكم في مصر وتونس، فكان موقف رجل الأمن الأول في الإمارات "ضاحي خلفان" وتغريداته علي شبكة التواصل الاجتماعي التي تضمنت هجوما كاسحا وقويا علي الإخوان ومرشدهم وتنظيمهم وأهدافهم التي اعتبرها خبيثة تستهدف امن الخليج وأنظمة الحكم فيها، وترجمت الإمارات حربها إلي شن حملة اعتقالات قالت عنها خلايا نائمة تابعة للإخوان المسلمين كانت تستهدف قلب نظام الحكم.الإمارات تنسق مواقفها السياسية والأمنية والاقتصادية مع السعودية والكويت والبحرين، وتوجه لوما خفيا لسياسات قطر التي تقدم الدعم للإخوان المسلمين من خلال تقديم مليارات الدولارات لمصر الإخوان إضافة إلي الدعم الإعلامي من خلال قناة الجزيرة الفضائية.الصراع، سيكون وفقا للتوقعات أكثر احتداما بين دول الخليج وجماعة الإخوان المسلمين بأنظمتها الحاكمة في مصر وتونس، فيما لو حاولت الجماعة أن تمد يدها لتعبث في الداخل الخليجي من جانب وفي الأردن من الجانب الأخر، فالأردن بحدودها مع السعودية وتماهي نظامها السياسي مع دول الخليج تشكل حاجزا أمام تمدد الإخوان باتجاه دول الخليج، لذلك ستواجه السعودية ومعها دول الخليج أي محاولة لقلب نظام الملك من خلال التنسيق الأمني بين هذه الدول والأردن، وكذلك تقديم بعض المعونات للأردن للخروج من أزماته الاقتصادية، وفي الوقت نفسه ستلجأ دول الخليج إلي فرض شبه حصار اقتصادي علي مصر وتونس من خلال عدم الاستثمار فيها وتجميد اتفاقات اقتصادية سابقة لوضع اقتصاديات مصر وتونس في ضائقة في محاولة لإفشال تجربة الإخوان في الحكم. باحث في الحركات الاسلامية