لست أدري إن كانت العودة الجديدة إلى عقد الاجتماعات الثنائية بين حركتي فتح وحماس، والجماعية مع باقي الفصائل الفلسطينية الأخرى، تنطوي على تحقيق إنجازات إيجابية ومؤشرات قد تعني بالضرورة الانتقال من مربع المصارعة إلى المصالحة. كثيراً ما كنا نسمع عن أجواء وتحضيرات لإجراء حوارات، مرةً في مصر، وأخرى في السعودية والدوحة.. إلخ، ودخلت أطراف كثيرة على هذا الملف، دون أن نتوصّل إلى نتيجة واحدة وحيدة، تتعلّق حقيقةً بإنهاء الانقسام وتجسيد الوحدة الوطنية الكاملة على أرض فلسطين. لا أعرف تحديداً لماذا دخلت مصر الآن وبقوة على خط المصالحة، هل لاستثمار الفرصة المتعلقة بانتصار "حماس" في واقعة "عامود السحاب" الإسرائيلية، وانتصار "فتح" والسلطة في واقعة الأمم المتحدة، أم للهروب من الأزمة الداخلية المصرية المتعلقة بالصراع الناعم والخشن بين السلطة والمعارضة؟ كل ما يجري تناقله إلى الساعة يتعلّق بتوافر أجواء إيجابية للمصالحة، وأن اللقاء الذي جمع الرئيس محمود عباس برئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل في مصر، هذا اللقاء مثمر ومبشر وانتهى بروح إيجابية، لكن أيضاً يجري تناقل الأخبار المتشائمة والمتعلقة إما باختلاف بين الطرفين، أو أن المصالحة حتمية لكنها بحاجة إلى صبر وطولة "روح". حسناً فعل الرئيس عباس، حينما دعا إلى العودة عن الانقسام، وحسناً فعل خالد مشعل حينما تحدث عن ضرورة الوحدة، لكن هذه المرة إذا كان الطرفان جادين في الوصول إلى وحدة حقيقية ونابعة من القلب، فلعله من المهم أن يتحلّى الطرفان بالمرونة الكافية لتمرير اتفاق جاد ومسؤول. إلى هذه اللحظة، هناك خلاف واضح بين الطرفين قد يقود إلى تأسيس ثقافة إدارة المصالحة، تماماً مثل حال الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، حيث تتم إدارة هذا الصراع بمفاوضات عبثية لم تحقق شيئاً للفلسطينيين، سوى أن الاحتلال تعمق والاستيطان زاد بمعدلات خرافية. نقول ذلك لأنه يفترض بعد سنوات طويلة على هذا الحوار بين الطرفين، أن يتم استبعاد الشيطان من التفاصيل، وإذ "أخو هالشليته" يعود من جديد، ويصبح عقدة الحل، ويصير التداول في سوق المصالحة، مرة بتقديم الانتخابات على الحكومة، ومرة بتقديم الأخيرة على الانتخابات، ومن ثم تدخل منظمة التحرير إلى واجهة التداول بين الفرقاء. صحيح أن الظروف الحالية جيدة من أجل القيام بخطوة جريئة تتصل بإعلان الوحدة، لكن هناك فرقاً كبيراً بين الظروف وبين قابلية كل طرف وإيمانه الداخلي بإمكانية تحقيق المصالحة، مع أن "طبخة" المصالحة يفترض أنها "استوت" من زمان، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. هنا يبدو واضحاً أن أجندة كل طرف تختلف عن الثاني، وهذا شيء موضوعي وطبيعي قياساً بمصلحة كل طرف، ذلك أن عين حماس على سبيل المثال على منظمة التحرير الفلسطينية، بينما عين فتح تتجه نحو إجراء انتخابات تحل هذا "اللوغاريتم" الفلسطيني العجيب. الرئيس عباس معني بقوة ومهتم بضرورة إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، ونحن متفقون معه حتى العظم، على أن أهم عنوان من عناوين المصالحة هو الانتخابات، لأنها وحدها فقط من يحسم هذا الجدل، ولأنها ضرورة وطنية ملحة، حتى لو اتفق الفرقاء وأصبحت العلاقة بينهم "سمن على عسل". لاحظوا الآن بعد جولة الحوار بين عباس - مشعل، ماذا سيحدث؟ ستجري اجتماعات جديدة، ربما أولها اجتماع للجنة المصالحة الفلسطينية، يتبعها لقاء بين الرئيس المصري محمد مرسي، مع الأمناء العامين للفصائل، ومن ثم قبلاً أو لاحقاً، اجتماع موسّع للإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير الفلسطينية، أيضاً يضم الأمناء العامين للفصائل والمستقلين، وطبعاً يشمل ذلك حركتي حماس والجهاد الإسلامي. هذا يعني أننا سنعود إلى مربع الحوار من جديد، تحت الصفر أو فوق الصفر، لا تفرق، إنما حوار بين الفرقاء من أجل الاتفاق على تحديد جولة جديدة لاجتماعات تعقد بين الطرفين، ولعل التجارب الحوارية السابقة تعيد إنتاج هذا السيناريو الذي ظل يتربع على المشهد الفلسطيني لأعوام. سنعود إلى مربع الحوار والنقاش، لأن الأطراف ليست جاهزةً بعد للتنازل في سبيل الوصول إلى صيغة مرضية ومتفق عليها، وحتى لو جرى الاتفاق كلامياً، سيكون الواقع سيفاً يقطع الأوراق والصيغ، فكم اتفاق جرى بين فتح وحماس قبل عملية الحسم منتصف حزيران 2007، وقلبت الوقائع على الأرض كل الاتفاقات!. لعل هذا التشاؤم ليس وليد لحظة، إنما هو تراكم بسبب الخيبات التي وقعنا فيها، ولا أعتقد أنني الشخص الوحيد المتشائم من عدم إمكانية توفق الطرفين لإنجاح المصالحة، ذلك أن هناك قيادات كثيرة في حماس وفتح، لا تعتقد أن ساعة الحسم قد أزفت لتحقيق المصالحة. لا يمكن حقيقةً تجاهل المؤشرات الإيجابية التي سبقت هذه الاجتماعات، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية، لكن أيضاً هناك مؤشرات تدعو للقلق، مثل انطلاقة "فتح" في عامها الثامن والأربعين، والتي أذهلت بحشودها الكبيرة كل الفصائل والمراقبين. هذا المؤشر لا أعتقد بأن حماس ستتجاهله، إنما ستضعه بعين الاعتبار وسينعكس حتماً في مختلف حواراتها، أضف إلى ذلك أن الوضع اليوم لم يعد يقتصر على فتح وحماس في إطار فلسطين، وإنما على تيار الإخوان المسلمين بشكل عام، وعلى قوى المعارضة واليسار في بعض الدول العربية. وأعتقد أيضاً أن نتائج تجربة مصر وتونس تنعكس على الحال الفلسطيني، بمعنى أن المزاج الشعبي الذي جرب حماس في قطاع غزة، يتحسسها بالمقياس التفاعلي بين حركة الإخوان والمعارضة في كل من مصر وتونس، لأن الحركة عموماً كلما كانت قوية؛ اتجه فائض هذه القوة سلبياً على الشعب. ربما سيكون السيناريو الأنسب من وجهة نظرنا لهذه الجولة الجديدة من الحوارات، فقط استمزاج رأي الطرفين، وإبقاء الحال على حاله، والاتفاق مرة ثانية على الاجتماع من أجل النقاش في موضوع ملف المصالحة وسبل إنجاحها. أرجو أن نكون حذرين جداً من طبيعة فهم والتعامل مع ملف المصالحة، لأن التفاؤل في غير محله قد يقود إلى ورطة، بينما أقصى التشاؤم معروفة سلفاً نتيجته، وبين هذا وذاك تشاؤل قد يناسب طبيعة المرحلة الحالية، حتى لا يفهمنا الناس "غلط" ويقولون عنا إننا مفرطون في التشاؤم. Hokal79@hotmail.com