خبر : مهرجانات انطلاقة "فتح": دلالات ورسائل ..صادق الشافعي

السبت 12 يناير 2013 10:02 ص / بتوقيت القدس +2GMT
مهرجانات انطلاقة "فتح": دلالات ورسائل  ..صادق الشافعي



بدايةً مبارك لحركة فتح عيد انطلاقتها. في المهرجانات الشعبية التي نُظمت لإحياء الذكرى الـ 48 لانطلاقة حركة فتح، جاءت المشاركة الجماهيرية الحاشدة وبأعداد غير مسبوقة، وبحماس غير مسبوق أيضاً، لتعطي مؤشراً مهماً على أن حضور "فتح" لا يزال قوياً، وأن قاعدتها الجماهيرية وشعبيتها ما زالت واسعةً، بعد الكثير من الحديث عن تراجع دورها وشعبيتها. وجاء هذا المؤشر بعد مؤشرين آخرين مهمين أيضاً حصلا في العام 2012: الأول ـ كان في ربيع العام حين قدمت "فتح" أداءً متميزاً في الانتخابات الطلابية العامة في جميع جامعات ومعاهد ووحدات جامعة القدس المفتوحة في الضفة الغربية، وبمشاركة جميع القوى الفلسطينية بما فيها "حماس" و"الجهاد"، وحصدت بنتيجتها أكثر من 60% من المندوبين الذين تم انتخابهم مباشرة من القاعدة الطلابية. الثاني ـ كان في خريف العام حين قدمت "فتح" أداءً جيداً في انتخابات المجالس البلدية والقروية في عموم الضفة الغربية وحققت فيها نتائج متقدمة. مؤشر مهرجانات الانطلاقة، معطوفاً على المؤشرين السابقين له، يدفع إلى أحد استنتاجين: الأول ـ أنها هبّة عفوية "بنت لحظتها" أساسها الحالة الجماهيرية العالية التي نتجت عن إنجازي غزة والأمم المتحدة. الثاني ـ وهو في أغلب الظن الاستنتاج الأرجح، فإنها - ودون الإقلال من تأثير إنجازي غزة والأمم المتحدة - تعبير عن حالة صحوة عامة تعيشها حركة فتح، وعن تحقيقها تقدماً في عملية "شدشدة براغي" وضعها الداخلي. هذا بالنسبة لحركة فتح وأعضائها. أما بالنسبة للناس العاديين غير المنتظمين في حركة فتح، وهم الذين شكّلوا الكتلة الكبرى من جماهير المهرجانات، فقد كان لتلك الاحتفالات ـ بالطريقة التي جرت بها ـ معانٍ ودلالات مختلفة ومهمة. وبالتخصيص الزائد في قطاع غزة. أولى هذه الدلالات، أنها تعبّر عن توق الناس إلى حركة فتح كما عرفوها طوال سنوات الجمر (كما كان يسميها الشهيد أبو عمار)، وإلى مشروعها الوطني العام المتسع لكل فكر وطني من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، والمتسع لكل اتجاه سياسي وطني. كما شوقهم إلى دورها النضالي الريادي كحاضنة للمشروع الوطني الفلسطيني الكفاحي. وثانية هذه الدلالات، أنها كانت بشكل واضح ـ وإن غير مباشر ـ رفضاً لهيمنة وتفرّد اتجاه فكري وتنظيمي واحد، رفضاً لمحاولات قولبة المجتمع في إطار ذلك الفكر، رفضاً للإقصاء، رفضاً للممارسات غير الديمقراطية. ودفاعاً عن الناس وحرياتهم العامة، والاجتماعية منها بالذات. والناس بذلك، إضافة إلى تخوفهم من تكرار ما يحصل في بلدان عربية مجاورة، نجحوا في البدء بتعديل المسار وعرقلوا اندفاعةً نحو الانخراط في المسار العام السائد في بعض البلدان العربية والمخطط له أن يسود معظمها. وثالثة هذه الدلالات، هي توق الناس العارم إلى ترجمة أجواء المصالحة الاحتفالية السائدة منذ ما بعد إنجازي غزة والأمم المتحدة، (والتي لم تتقدم حتى الآن خطوة عملية واحدة أبعد من تلك الأجواء بما في ذلك ما صدر عن اجتماع القاهرة قبل أيام قليلة)، توق لترجمتها إلى إجراءات عملية متكاملة تنهي واقع الانقسام وتستعيد الوحدة الوطنية في كل الهيئات والمؤسسات والأجهزة وعلى جميع المستويات. وتستعيد معها وحدة النضال الوطني وبرنامجه، ووحدة التمثيل والأداء السياسيين. وبمشاركة جماهيرية واسعة مدخلها الأساس انتخابات عامة حرة ونزيهة. واحتفالات الانطلاقة أرسلت أكثر من رسالة لأكثر من طرف: أولى هذه الرسائل وأهمها أن الجماهير الفلسطينية لا تزال قادرةً وأن استعدادها النضالي يستمر ويتواصل عالياً. وكان العدو الصهيوني أول من التقط هذه الرسالة. وبدأت أجهزته تحذّر من اندلاع انتفاضة ثالثة، خصوصاً أن الحشود الجماهيرية وفعالياتها كانت شاملة في الضفة والقطاع وأنه سبقها (ثم لحقها) نشاط وتصاعد ملحوظان في الفعاليات النضالية الجماهيرية على أكثر من صعيد. أما الرسالة الثانية فهي أن عنوان القيادة الوطنية الفلسطينية، التي تشكل حركة فتح عمودها الفقري، لا يزال هو العنوان نفسه. وكانت هذه الرسالة مهمة وضرورية لعدد من الدول والقوى التي حاولت اللعب خلال الفترة الأخيرة على الانقسام الفلسطيني من خلال افتراضها وجود أكثر من عنوان، والارتياح لذلك، بل وتشجيعه، وممارسة سياسة الاقتراب من هذا العنوان أو ذاك حسب ما تمليه مواقفها وتقتضيه حساباتها، وارتباطاتها أيضاً. وثالث هذه الرسائل هي لـ"فتح" نفسها. إنها دعوة إلى "فتح" لبدء جدل داخلي بهدف فهم ما حصل وفهم دلالاته ورسائله، والبناء عليه؛ لتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح، والانطلاق نحو مستقبل أفضل. ثم المبادرة إلى بلورة فهم جماعي يؤسس لجهد جماعي مع تنظيمات منظمة التحرير، كبداية، للتوصل إلى تصوّر عام لإصلاح البيت الفلسطيني كله ولنهضة فلسطينية عامة وشاملة، بما يشكّل الأساس لنجاح التوجه الجاد لإتمام المصالحة واستعادة الوحدة الوطنية. ومرةً أخرى، بمشاركة أهل القضية الوطنية وناسها عبر البوابة الأهم والمفتاح لمشاركتها: انتخابات وطنية عامة شاملة، حرة ونزيهة.