ولد في قرية قبيات، قضاء عكار، في شمال لبنان، لعائلة مسيحية، في المعقل الذي شهد ولادة أفكار المسيحي القومي السوري الاجتماعي أنطوان سعادة، ليلتحق صبياً بالحزب، قبل أن تصل عدوى اليسار الثوري مع قدوم الثورة الفلسطينية إلى لبنان، ويترك حزب أنطوان سعادة الذي سيبدو الآن، متقادماً أمام موجة الحركة اليسارية الثورية الجديدة، ويلتحق بفكرة أوسع، شأنه شأن ذلك الطراز من المناضلين، الأمميين، ليصبح جورج إبراهيم عبد الله، مناضلاً ثورياً في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وتعتقله فيما بعد السلطات الفرنسية في العام 1984، ويقضي في السجن الباريسي 28 عاماً، إلى أن قررت فرنسا الإفراج عنه يوم الإثنين المقبل بعد مضي سنوات اعتقال تقارب ما أمضاه الثائر الإفريقي الشهير نيلسون مانديلا. سلاماً لك جورج إبراهيم عبد الله، من أرض فلسطين هنا، وحيث أسرى فلسطينيون يقاربون اليوم السنين التي أمضيتها، يوحد بينكم أنت اللبناني المسيحي وهم، أنكم تنتمون إلى عائلة واحدة، تحملون الجينات المشتركة نفسها في المعتقد، والإيمان بما تقولون والموقف، وأنكم على استعداد للذهاب إلى النهاية في سبيل ما تؤمنون به، وقد قلت للقاضي الفرنسي عبارتك الشهيرة "أنا مناضل ولست مجرماً". هذا مناضل ثوري قومي وأممي، لعله من بين آخر من تبقى من كوكبة المناضلين الثوريين الحالمين، الذين جسّدوا في وقت من زماننا المعاصر ما يمكن أن نطلق عليه اليوم "الحقبة الرومانسية والبطولية للثورة الفلسطينية"، التي امتد شعاعها، من أغوار الأردن وسهل لبنان إلى اليابان شرقاً، وحتى أوروبا وصولاً إلى أميركا اللاتينية. وأن جورج عبد الله الحر يوم الإثنين عائد إلى وطنه لبنان هو التعبير الرمزي عن رد الاعتبار لهذه الحقبة من الزمن التي يمثل فيها هذا المناضل بصورة رمزية أيقونتها.على أن تغيراً باعثاً على التكدّر في هذه المناسبة قد يفسد على ابن عكار في شمال لبنان ورفاقه المحتفين بعودته من تلاميذ أنطوان سعادة، الفرحة بالحرية، حتى يبدو البطل العائد من الأسر بعد ثلاثين عاماً، كما لو أنه يجسد بعودته إطلالة صادمة، لجيل وزمن وفكرة أممية وحقبة، لم تكن بعيدة في روحها ورؤاها عن زمن القديسين، الأوائل، ليرى الآن من حوله كيف تصبح عكار، قندهار الجديدة تعبث بالفكرة، أشبه بعبث القديسين. تنقض على الجغرافيا الطبيعية لفكرة أنطوان سعادة، وتحاول تمزيقها. تمزيق سورية التي دفع أنطوان سعادة رأسه ثمناً لإعادة بعثها ولأجل أن تقوم قيامتها موحدة من رفح جنوب فلسطين حتى جبال طرطوس، وسهل عكار. خواطر شتاء: شيء عميق أشبه بسر الأبدية لا يبرح الشتاء ـ في كل مرة يعاود فيها دورته المتعاقبة في نهاية العام ـ يبعث فينا هذا الشعور الغامض، الأقرب إلى تكدر النفس، عن شيء عميق لا يمكننا كنه سره، كما لو أنه سر الأبدية. قال علماء المناخ والفلكيون ومفسرو اضطرابات السماء إنه منخفض عميق، ربما لم نشهد له مثيلاً من قبل، وحار المفسرون في أمر هذه العاصفة، أو المنخفض العميق، عميقاً كالإبداع. غامض وسري، تماماً هكذا يبدو لنا الشتاء، صورة عن الموت، حين يحيلنا الشتاء وحده دون الفصول الأربعة، إلى هذا التفكير أو قل التأمل في شيء عميق، وحيث ليس سوى هذا التفكير العميق على نحو يقارب الفلسفة، يرافقهم في خطوهم إلى القبر. هكذا هو الشتاء ذروة دورة الفصول الأربعة التي خلد حركاتها الموسيقار الإيطالي الشهير فيردي، وحيث تبدأ هذه الفصول بالربيع، طفولة الجنس البشري، وريعان صباه كما الطبيعة والحياة. الربيع الضاحك كما وصفه الشاعر البحتري في قصيدة جميلة، ولكن الشتاء على خلاف الربيع الصبي الضاحك يأتي متجهماً على صورة رجل عجوز طاعن في السن. كما المعلم الصارم وقد عركته الحياة، أو الأب القاسي لا يعرف الابتسام أو حتى المداعبة والمزاح. هكذا هو أيضاً عكس الصيف الذي يبدو أشبه بمراهق وطائش، يأكل طعامه ليقوم سريعاً عن الطعام مغادراً المكان، ضجر وملول، لا يلوذ إلى مكان واحد، كمن يريد أن يتخلّص من جميع ثيابه وأثقاله، لينطلق في الفضاء. إن الأب الصارم العجوز هنا لا يبرح أن يعيدنا إلى النظام والانضباط، والمكوث في البيت، وهو يفعل ذلك بخلاف الخريف، يبدو طوال الوقت متقلباً ومتردداً، هوائي المزاج الذي لا يثبت على حال. أحب أن أداعبك أيها الشتاء العجوز، كأب متجهم ومرةً على صورة تعامة الأنثى الإلهة تخبئ الشمس ذكرها كما السماء وراء غيومها لتحيل النهارات أقرب إلى سواد الليل. لكن التأمل في شيء عميق أقرب إلى سر أسرار الأبدية، يريني إياك أحياناً كجنرال محارب قديم، ولكن نبيل، تعيدنا في كل مرة إلى تمثيل قصص الحروب القديمة، فأنت تعلن مسبقاً عن بدء الحرب، مكانها وزمانها ولا تنسى أو تتخلى عن نبالة المحاربين القدامى، بأن تحذرنا وتبعث برسائلك المسبقة إلى أعدائك لكي يستعدوا. فترسل غيومك التي هي جيوشك. كجميع النهايات تطلّ على العالم، في ختام دورة الفصول، السنة والحياة، بأن تهطل عجوزاً ممزق القلب كما لو أنك تبكي. ما أصعب هذا المشهد، بكاء رجل عجوز، لكنه البكاء الذي يغسل الخطايا. هكذا تبكي يا شتاء مع أنك أنت الوحيد من بين الفصول الذي لم يرتكب أي خطيئة. بخلاف خطاياهم باقي الفصول، إخوتك. كما لو أنك الأخ الأكبر الذي يغسل ببكائه خطاياهم، كما خطايا المدن والبشر. بل إن التأمل في سرك العميق إنما يحيلنا إلى سؤال آخر عن سر علاقتك بالحب، عن العلاقة بين الحب والبرد؟ كما يردد المغنون في أغنياتهم. تراه لما كانت جميع قصص الحب تبدأ في الشتاء؟ الأنه إذا التقت العين بالعين في البرد والشتاء فإن الروح تصعد إلى السماء؟ أم لأن الروح تلامس عندئذ دفء القلوب. أي سر يحويه مزاجك المتناقض؟ حين تبدو أيها الشتاء أنت الخصب والحب وتكدر النفس والموت معاً؟ "فتح" و"حماس" في اختلاف الطبائع، الذكورة والأنوثة لو كان لي أن أجيب في عجالة عن سؤال بقي صامتاً ولم يجب عنه، بعد صدمة الحشد الجماهيري في مهرجان "فتح". لماذا يحظون بكل هذا التأييد ونحن من نحن الذين تصدينا للحصار وانتصرنا في الحرب؟ ومادام الشيء بالشيء يذكر أي التفكير بالشيء العميق فإني أفضل الإشارة إلى التفكير بالبعد المتعلق باختلاف الطبائع حتى هنا، في انطباقه على الفارق الخفي وغير المذكور بين فتح وحماس. ويشكل فارقاً بين حركتين. إحداهما ذات طبع أبوي متجهم وصارم، والأخرى ذات طبع أمومي جامع. تنطوي الأحزاب الأيديولوجية الحزبية تماماً على طبع ومزاج ذكوري، يقوم على الانضباط والصرامة بينما تنفرد الحركات ذات الخصائص والتوجهات الوطنية العامة غير المؤدلجة إلى أن تكون أقرب في نظر الجماهير إلى المزاج الأنثوي ذات الطبع الأمومي. هكذا لا يولد أو ينتج اليسار الأيديولوجي حركة أو حزباً يكون بمثابة الحركة الأم للشعب الفلسطيني، أو زعيماً كارزمياً على صورة ياسر عرفات. ولعل هذا هو التحدي، مصدر الأزمة الخفي والحقيقي الذي يواجهه الإسلام السياسي المؤدلج، في تونس ومصر وهنا في فلسطين على حد سواء. هل تذكرون رواية 1984 لجورج أوريل الذي يطلق متفكهاً اسم الشيفرة على الحزب الأيديولوجي "الأخ الكبير"؟ يجب أن نصلي اليوم من أجل عقد القران الممكن بين كلا الطبعين "فتح" و"حماس". كما أشبه بالزواج الذي لا يمكن أن يقبل الانفصال.