مرةً أخرى، يُثير لقاء الرئيس محمود عباس والأخ خالد مشعل شجوننا، ويبعث مجدداً أحلامنا بوضع حدٍّ للانقسام الداخلي البغيض، وستخلق الأحلام التي لا تنتهي معادلاً نفسياً لواقع أقل ما يقال فيه إنه ليس كما يجب، فليس حال أهل غزة بجيد، ولا حال أهل الضفة، فهؤلاء ما زال الحصار مفروضاً عليهم، وأولئك ما زال الاحتلال جاثماً على صدورهم، والشباب هنا وهناك يعانون بطالةً فاقت كل ما يخطر على بالنا من كوابيس، والمواطنون هنا بالكاد يسدّون رمقهم، وهنا وهناك ينتظرون حتى رواتبهم التي انحبست لمدة شهرين متتابعين. كما أن حال الفلسطينيين في الخارج ليس بأفضل، فالفلسطينيون في سورية يواجهون الموت والتشرد، والفلسطينيون في لبنان، ما زالوا يعيشون في مخيمات البؤس، منذ أكثر من ستين عاماً، فلا من يعيش في وطنه، يعيش كما يجب، ولا من يعيش خارجه ويتطلع إليه كذلك. لن أنسى ما حييت يوماً كنت فيه في جمع مع الرئيس الراحل أبو عمار، حيث قال، إن الشعب الفلسطيني دائماً أعظم من قيادته، لا أنسى هذا القول، لأن الواقع يؤكده كل يوم، ورغم أن اللقاء في القاهرة ينطوي على أهمية سياسية، فإن الخشية من أن يمر كمثل عشرات اللقاءات التي سبقته إنما هي خشية لها ما يبررها، أو ألا يحقق سوى أن يبقي على وهم إنهاء الانقسام ماثلاً، حتى لا يفقد الشعب الأمل بقياداته الحالية، وينتفض عليها، ليضع بنفسه حداً لهذا العبث الانقسامي المعيب. لابد من الإشارة أولاً إلى أن الرعاية المصرية لهذا الملف رعاية فاشلة، وهي خلال خمس سنوات مضت، وفي عهد نظامي الحكم السابق والحالي لم تحقق الهدف المنشود بإنهاء الانقسام، ونحن نعتقد بأنه لم يعد مجدياً الذهاب للقاهرة لإغلاق هذا الملف، لأكثر من سبب، أهمها أن للقاهرة ظروفها التي تحد من فاعليتها بسبب مشاكلها الداخلية، كذلك حساباتها الداخلية والإقليمية التي ترهن هذا الملف لهذه الحسابات وتحول بالتالي دون إغلاقه، ونحن كفلسطينيين لسنا بحاجة الآن لرعاية من أحد لإنجاز هذا الملف، ويمكننا أن نغلقه بأنفسنا، ذلك أن سحبه من القاهرة لا يعني البحث عن راع بديل أو عن رعاية أخرى، ذلك أن أفضل من يرعى إغلاق هذا الملف هو الشعب الفلسطيني ذاته، التواق لإنهاء الانقسام، والأمين على الوحدة الوطنية. كيف يكون هذا؟ نظن أنه يمكن للرجلين: محمود عباس وخالد مشعل، أن يتوجها فوراً من القاهرة إلى غزة، والدعوة لمؤتمر شعبي، يجمع كل الفصائل والقوى الشعبية، وأن يدعو الرئيس إلى جلسة للمجلس التشريعي، في غزة، يحضرها كل من يستطيع من نواب، وضمن دائرة الفيديو / كونفرنس، يمكن أن يتم تحقيق اعتراف غزة برئاسة أبو مازن، في الوقت ذاته، تفعيل المجلس، بما يحقق مطلباً مزدوجاً للطرفين. أما متابعة طريق القاهرة، فهو لن يفضي إلا إلى مزيد من ضياع الوقت، في انتظار أن تجري الانتخابات الإسرائيلية، وما يتمخض عنها، بما يؤكد أن الجانب الفلسطيني، يفتقد زمام المبادرة، ويعمل وفق سياسة ردود الفعل السياسية، وكل ما خرج عن اللقاء ـ حتى الآن ـ في القاهرة، يشير إلى أن الجانبين الفلسطينيين، لم يجدا ما يبحثانه، سوى آليات تنفيذ ما اتفق عليه سابقاً، وفق منطق التوازي في التنفيذ، أي الشروع في عمل لجنة الانتخابات في غزة، مع إجراء المشاورات لتشكيل الحكومة. أي أن إعلاناً دراماتيكياً بإنهاء الانقسام، لن يتم فقط، بل إنه ليس من الوارد، إعلانه في المدى المنظور، وحتى أن اتفاقاً على الآليات، يعقده من جانب "حماس" الأخ خالد مشعل، قد لا يكون مضموناً، لأكثر من سبب، أولها أن الرجل، قد لا يكون في موقع المسؤول عن الحركة بعد بضعة أيام أو حتى بعد أسابيع قليلة. ما الذي يحول دون إعلان الرجلين أو الطرفين وقد تأخرا حتى عن آخر إعلان بإعادة جهود المصالحة بعد الحرب الثانية على غزة وبعد الانتهاء من المعركة السياسية في الأمم المتحدة، وما هي حسابات الطرفين التي تمنع إقدامهما على إنهاء الانقسام، نظن أنها حسابات عديدة، وهناك وقائع على الأرض تمنعهما، وهي موانع وحسابات طالما ذكرناها سابقاً، من الواضح أن حالة من التوازن في القوة، وفي ظل سياسة عض الأصابع ما زالت قائمة، حيث يعتقد كل طرف بأن الوقت يمكن أن يكون في صالحه، ثم إنهما تعايشا مع حالة الانقسام، وأداراها بنجاح بعد أن فشلا في إدارة الشراكة بنجاح! هل يعني هذا أن حديث إنهاء الانقسام الفلسطيني الداخلي بات يشبه الحديث عن الوحدة العربية، التي تغنّى بها العرب وحلموا بها أكثر من خمسين سنة، ربما يكون الجواب بطعم العلقم، وهو "نعم"، ولكن حتى في ظل مثل هذا الاحتمال، لابد من البحث في كيفية تطوير "العلاقة الأخوية" بين الأخوين أو الشقيقين الفلسطينيين، على الطريقة الأوروبية أو حتى الخليجية العربية، فإن كان تحقيق الوحدة على الطريقة اليمنية، ليس في متناول اليد في المدى المنظور، فلا أقل من البحث في السياسات والإجراءات التي "توحد" مجتمعي غزة والضفة، وهي سياسات وإجراءات واجبة وضرورية، حتى في ظل سلطة سياسية واحدة، لأن وحدة المجتمع والشعب هي ضمانة وحدة ووحدانية السلطة السياسية، ومع الأخذ بعين الاعتبار العقبة الجغرافية، ووجود الاحتلال الإسرائيلي، في طريق الوحدة، فإن ذلك يحتم البحث الإستراتيجي في هذه المسألة بالذات، ذلك أنه حتى لو تحققت المعجزة، وأعلن عن إنهاء الانقسام، وعن توحيد شطري الوطن / الدولة، فلابد من ضمانة تحول دون تكرار ما حدث قبل خمس سنوات، مرة أخرى. Rajab22@hotmail.com