مع الوقت، أدركت أن قدرتي على الإصغاء والاستماع، لم تكن صفة فطرية متوارثة، أو حاسة خاصة بشخصيتي، بقدر ما هي صفة مكتسبة بالضرورة فرضتها أحكام العادة والتعود، إذ إن معظم ما تمكنت من اقتناصه من ثقافة عامة، سياسية واقتصادية واجتماعية وإعلامية، كانت حصيلة سنوات طويلة من الاستماع "المرضي" لإذاعة "هنا لندن" التي أصبحت "بي بي سي عربي" هذا الاستماع الذي كان أقرب إلى الإدمان منه إلى أي شيء آخر، فقد كنت أستمع إلى برامجها المكررة، كونها تبث من هذه الإذاعة، هي حالة مرضية بامتياز كما يمكن أن أصفها، غير أنها مكّنتني من أن أكتسب صفة حميدة على ما أظن، تتعلق بالقدرة على الإصغاء والاستماع. عبر السنوات الطويلة من الاستماع المتكرر، ليلاً ونهاراً، شكلت هذه المحطة جزءاً هاماً من شخصيتي خاصة في مجال الثقافة والفنون والإعلام، واكتسبت قدرة على تمييز مذيعيها ومذيعاتها وبرامجها المنوعة المختلفة، وفي وقت من الأوقات، خاصة في ظل "هنا لندن" اكتشفت أن أصوات المذيعين والمذيعات، متشابهة إلى حد كبير، بحيث يمكن التعرف على مذيع بي بي سي، عن أي مذيع آخر، وكذلك بالنسبة إلى المذيعات، لم أكن بحاجة في عصر الترانزستور أن أدقق في مؤشر الراديو حتى أتعرف إلى مكان الإذاعة على اللوحة، ذلك أن صوت المذيع، أي مذيع من إذاعة هنا لندن، وتميزه الشخصي المشابه لكل مذيعي الإذاعة، كان كافياً ومؤكداً على أنني مع "هنا لندن" وليست أي إذاعة أخرى. برامج عديدة من هذه الإذاعة، حوّلتني إلى مدمن للاستماع إليها، وعلى سبيل المثال لا الحصر، هناك برنامج "لكل سؤال جواب"، ويتضمن أسئلة المستمعين في كافة المجالات، وفيه مختصون في كل مجال للرد على الأسئلة، إلاّ أن أكثر البرامج إثارة بالنسبة لي، هو برنامج "قول على قول" الذي كان يعده ويقدمه العلاّمة الكبير وهو حسن الكرمي، وكان يرد على استفسارات المستمعين حول بيت أو أبيات من الشعر، فتنساب الإجابة حول بيت الشعر ومناسبة قوله والبيئة التي قيل فيها، وأبيات ما قبله وما بعده، والأهم من ذلك، أنني كنت "أتصور" البيئة التي قيل فيها بيت الشعر المشار إليه، من خلال جمال الوصف الدقيق للبيئة الاجتماعية والسياسية التي قيل فيها هذا البيت، ولعل هذا البرنامج، هو أفضل ما قدم في الإذاعات باللغة العربية على الأقل، على الإطلاق، وأعجب هنا من إغفال هذا الرائد العلامة الكبير، حسن الكرمي، حتى من قبل أبناء جلدته الفلسطينيين، على المستويات الشعبية والرسمية، في حين أنه يشكل فخاراً ومجداً لهم. من البرامج التي أثّرت بي تأثيراً ثقافياً كبيراً، تلك التي كان يقدمها الإذاعي الفنان الكبير فاروق الدمرداش، الذي من خلال تقديمه لتمثيليات ومسرحيات من الأدب العالمي، اطلعت على معظم الأدب الروسي والإنكليزي، أدباً ومسرحاً، كنت قد قرأت عدداً من الروايات والمسرحيات الروسية، إلاّ أن تقديمه لهذه الأعمال من خلال التمثيليات والمسرحيات، جعلني أعيد قراءة بعضها، كما أن معظم أعمال شكسبير، تم نقلها إلى الأثير من خلال أعمال مسرحية تمثيلية مثيرة ومشوّقة. مع ذلك، كانت تقدم إذاعة "هنا لندن" برامج ترفيهية خفيفة، ولعلها كانت الأولى التي تقدم برامج "تفاعلية" من خلال الإذاعة في ذلك الوقت، وكان برنامج ندوة المستمعين هو أبرزها، ذلك كان قبل البرامج التفاعلية المتعددة من خلال الوسائط الحديثة عبر الإنترنت بعقود طويلة. إلاّ أني أعتقد، أن مرحلة "بي بي سي عربي" شكلت تراجعاً واضحاً عن مرحلة "هنا لندن" على كافة المستويات، فبعد غياب المذيعين العمالقة مثل ماجد سرحان، ومحمد الأزرق ومديحة المدفعي وسامية الأطرش وآخرين، غابت السمة الجامعة للنكهة الإذاعية المتميزة للإذاعة، مع أني لا بد من أن أشير إلى أن الإذاعي الكبير محمود السلمي، ما زال يحتفظ بتلك النكهة الخاصة بهنا لندن. في المرحلة الحالية، التي تمتد في البث 24 ساعة يومياً، شكل من أشكال الخداع، إذ إن البث الحقيقي ربما عقد من 6 إلى 8 ساعات فقط، إذ إن معظم البرامج يعاد بثها لأربع مرات ولأيام متوالية، بينما كان التكرار في عهد "هنا لندن" لمرة واحدة فقط على ما أذكر، ناهيك عن الأخطاء التقنية المتعددة التي تتخلل تقارير نشرات الأخبار. مع ذلك، ما زلت مستمعاً بإدمان إلى بي بي سي عربي، وأفضلها على سائر القنوات الفضائية، وبالضرورة عن الإذاعات الأخرى، إلاّ أن إخلاصي المدمن لها، قد تراجع بحدود ما، لكني سأظل مديناً لها، باعتبارها جزءاً مني!! Hanihabib272@hotmail.com www.hanihabib.net