مرة أخرى، تعاود غزة، تأكيد دورها وحضورها التاريخي كوطن وحاضنة للمشروع الوطني الفلسطيني. قبل يوم الجمعة الماضي، الثالث من هذا الشهر، يوم الاحتفال بالذكرى الثامنة والأربعين لانطلاقة حركة فتح والثورة المعاصرة، ساد اعتقاد خاطئ لدى معظم الدوائر الفلسطينية قبل غير الفلسطينية، بشأن دور القطاع في الشأن الوطني العام، الكثيرون اعتقدوا، وبنوا نظرياتهم السياسية، على أساس أن الوضع في القطاع قد استقر على حال الانقسام، وأن اللون الحمساوي الأخضر هو الذي يهيمن على المشهد العام، وأن وجود الفصائل الأخرى، لا يرقى إلى مستوى التأثير في المشهد العام. وقبل الاحتفال ساد اعتقاد بأن سكان قطاع غزة، قد أقعدهم اليأس والاحباط عن القيام بدورهم إزاء المجريات السياسية، وانهم يظهرون استعداداً متزايداً للتكيف مع الوضع السائد، اللهم إلاّ حين يجدون أنفسهم في أتون مواجهة مع العدوان الإسرائيلي الذي لا يتوقف على القطاع، ويكبد سكانه أثماناً باهظة. حسابات كثيرة لا بد أن يجري تعديلها بعد الزحف الوطني العارم الذي ميز قطاع غزة، وشمل كل زواياه الأربع، حيث خرجت الأغلبية الساحقة من سكانه إلى الشوارع قاصدين ساحة ياسر عرفات التي كانت تعرف بالسرايا وسط مدينة غزة.قد تهتم وسائل الإعلام، والقوى السياسية الفلسطينية وغير الفلسطينية بمعرفة الأرقام التقريبية، للناس الذين توافدوا على الساحة ومن حولها، وهو أمر لا نقلل من أهميته، لكن الأهم هو أن غزة تقريباً خرجت عن بكرة أبيها لتفرض على الجميع، وعلى الجميع دون استثناء أن يعيدوا حساباتهم، ولو من باب المصلحة الخاصة الفئوية أو غير الفئوية.لقد ركزت وسائل الإعلام كاميراتها على الساحة الرئيسية للاحتفال، لكن الجماهير التي احتشدت بها الشوارع العامة الرئيسية والفرعية المؤدية إلى الساحة، كانوا لا يقلون عدداً عن الذين وصلوا إلى المكان أو بجواره، ليس هذا فقط بل إن الكثير من الناس، وكالعادة فضلوا الجلوس أمام التلفزيونات في بيوتهم كشكل من أشكال المشاركة السلبية، إما من باب التقليل من أهمية الحضور المباشر، وإما تجنباً لمشاكل قد تقع على غرار ما حصل في الذكرى الثالثة لرحيل الزعيم الشهيد ياسر عرفات في كانون الأول 2007، حيث سقط ثمانية شهداء وعدد من الجرحى.لا يمكن الادعاء بأن هذا الخروج الجماهيري العارم، قد جرى بفضل عمل منظم إذ لم تكن حركة فتح قادرة على استيعاب هذه الحشود، ولا هي قادرة على تنظيم الاحتفال لا قبل يوم الجمعة، ولا خلال الاحتفال، حيث اضطر المنظمون إلى اختصار فقرات الاحتفال بكلمة الرئيس، وكان الأفضل أن يتوقف الاحتفال عند هذا الحد، تجنباً لوقوع ما قد يؤدي إلى إفساد ذلك المشهد المهيب.من المناسب أن نؤكد لمن يدعي بأن الجماهير التي خرجت احتفالاً بانطلاقة حركة فتح والثورة الفلسطينية، هي أعضاء وأنصار حركة فتح، ذلك أن مثل هذا الادعاء عدا أنه غير موضوعي، فإنه يؤسس لحسابات واستنتاجات خاطئة قد تؤدي إلى قرارات خاطئة.إن مئات الآلاف من الناس الذين خرجوا، سواء كان عددهم أقل أو أكثر من مليون، هم بالإضافة إلى أنصار وأعضاء وفتح، التي لا نقلل من وزنها الشعبي، كل الناس المتمسكين بالبرنامج الوطني الفلسطيني، وبتاريخ الثورة، وهم الرافضون للانقسام وكل ما نجم عنه، وهم المتمسكون بقوة بوحدة الشعب ووحدة القضية ووحدة الأهداف الوطنية، والمخلصون لدماء الشهداء وعذابات الأسرى والمعاقين والجرحى. لقد خرج هؤلاء، لكي يعلنوا أن قبلتهم ستظل إلى الشمال حيث الوطن المحتل، وفي قلبه القدس.خرج الناس على هذا النحو المهيب لكي يجددوا العهد لمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، ولكي يؤكدوا أن التيار الوطني لا يزال بخير، وأنه يشكل المظهر السائد في الوضع الفلسطيني.وإذ جاز لنا أن نشير إلى بعض الرسائل الإضافية الأساسية التي أرسلتها جماهير قطاع غزة، عبر مشهد مليوني يشبه مشاهد المليونيات في ساحة التحرير في مصر مع الفارق الكبير في عدد السكان فإننا نسجل ما يلي:أولاً، إن على إسرائيل التي تراهن على تعميق حالة الانقسام وفصل قطاع غزة عن بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفصل شعبه عن الشعب الفلسطيني سياسياً وجغرافياً، واجتماعياً وثقافياً، على إسرائيل أن تدرك بأن مراهنتها خاسرة، مآلها الفشل، وأن الجزء من الشعب الفلسطيني الموجود في القطاع، قادر على إبداع الوسائل والأساليب التي تؤكد عمق انتمائه الوطني للشعب والقضية.إسرائيل تريد أن تتخلص من عش الدبابير، وتفعل الكثير من أجل إزاحته نحو مصر، والتخلص من مسؤولياتها كدولة احتلال إزاء القطاع، لكن عش الدبابير لا يمكنه أن يقبل ذلك، وأنه لا يسمح بأن ينعم بالحرية، إلاّ في إطار حرية الوطن الفلسطيني، وهو مستعد لأن يدفع ثمن ذلك.ثانياً، خرج الناس وهم مستعدون للخروج على هذا النحو مرة تلو الأخرى لكي يؤكدوا رفضهم للانقسام، ورفضهم لكل من يراهن أو يلعب على التناقضات الفلسطينية عرباً وغير عرب، وأن وحدة الشعب والقضية فوق الانقسام وان البرنامج الوطني فوق البرامج الفصائلية الفئوية.ثالثاً، لا بد أن تستعيد الأطراف الخارجية من الولايات المتحدة، إلى أوروبا إلى القوى الإقليمية والعربية، حساباتها على نحو خاص إزاء أشكال التعامل مع الشعب الفلسطيني، وقياداته وأطره التمثيلية، وشرعياته، وان سياسة الابتزاز والضغط تؤدي إلى ردود فعل معاكسة لما تريد تحقيقه القوى التي تحاصر السلطة والمنظمة والشعب الفلسطيني. لابد أن يعرف هؤلاء جميعاً أن الحقوق الوطنية لا يمكن مقايضتها بالمال، فلقد أكدت جماهير غزة عن بكرة أبيها أنها مستعدة للصمود والصبر أكثر فأكثر رغم طول فترة الحصار وعمق المعانيات.رابعاً، إن هذا الخروج المهيب، يُحمِّل قيادات فتح وحماس أعباء ومسؤوليات تاريخية كبيرة، إزاء المواقف الوطنية، وإزاء وحدة الشعب، وإزاء كيفية التعامل مع المواطن الفلسطيني. لقد حققت المقاومة إنجازاً مهماً، دفع الشعب الفلسطيني وفصائله ثمنه، وحققت السياسة إنجازاً آخر في الأمم المتحدة، ولكن لا هذا ولا ذاك، يكفي لتحقيق الشعبية، أو لتبرير استمرار الواقع القائم، وانتهاك الحريات والحقوق.لا بد من إعادة النظر في معادلة المهمات التحررية الوطنية، والمهمات الديمقراطية فالإنسان مسلوب الحرية والحقوق، لا يمكنه أن يحقق الحرية الوطنية. إن الذاكرة الوطنية الفلسطينية لا تغفر لمن يتطاول على حقوقها وحرياتها، ولذلك بات مطلوباً على نحو عاجل، تغيير أشكال وأساليب التعامل مع الناس، والذهاب إلى مصالحة وطنية حقيقية، تعيد للشعب وحدته. هذه قراءة أولية سريعة لا تغني عن الحاجة لقراءات معمّقة، فالحدث ضخم ويستحق إيلاءه اهتمام بحجمه.