هذه غزة التي تبدو كساحر ماهر لا تتوقّف عن مفاجأة مراقبيها، وهي تُخرج كما كل مرة أرانب جديدة من أكمامها ... هي غزة التي اعتادت مفاجأة الجميع، كما اعتادت خارج حسابات العلم والمنطق، كان المشهد عجيباً آلاف الأسر التي بدأت منذ الصباح الباكر ما يشبه الحجيج إلى "السرايا" التي أقيم فيها احتفال انطلاقة حركة فتح، من الذي أخرج كل هذه الحشود؟ والسؤال الأصح ما الذي دفع كل تلك الكتل لأن تغرق كسيول بشرية ساحة الاحتفال والشوارع المحيطة بها، في تجمّع هو الأكبر من نوعه على مدار تاريخها الطويل؟ حركة الناس كانت تشي بما هو أكبر من احتفال انطلاقة حركة فتح سواء في التحضيرات والانشغال بالتجهيزات قبل خمسة أيام من موعد الذكرى، عائلات كانت ترتّب برامجها على وقع الاحتفال، وكثير من المواطنين كانوا يجهزون بمبادراتهم الفردية ويدفعون من جيوبهم، ولمدة أيام كانت "السرايا" وجهة الآلاف من المواطنين، كانوا يقيمون احتفالاتهم كل ليلة في ظل تساؤلات مفتوحة عن الذي يحدث، فقد اعتادت الفصائل أن تحيي احتفالاتها، وهذا أصبح جزءاً من الطقوس الفلسطينية في يوم محدد تعلن فيه احتفالها المركزي، ولكن أن يحتفل الناس بفصيل محدد قبل أن يبدأ ذلك التنظيم فعالياته وقبل أيام، فهذا جديد ويحتاج إلى قراءة من نوع مختلف، أن ترى شيخاً يتكئ إلى عكّاز متجهاً صوب "السرايا"، وأن تجد أماً تحمل رضيعها الذي لا يتجاوز أسابيع من عمره تسرع باتجاه الاحتفال، وأن ترى أطفالاً وجيلاً من الذي لا يعرف عن "فتح" سوى اسمها يسارع إلى "السرايا"، فلم تشهد غزة مثل هذا الحشد البشري الهائل في مناسبات أكبر من هذه الذكرى، فمناسبة الاحتفال بخروجها الشهر الماضي من بين أنياب الموت والدمار والذي رعته حركة حماس تزامناً مع انطلاقتها لا يجد مقارنة مع حشود الجمعة الماضية. وفي هذا أيضاً مدعاة للتفكير والتأمل والتحليل حتى وإن كانت غزة عصية على الفهم وفقاً لحسابات السياسة وعلم الاجتماع، ولكن هناك احتمالات قد تحاول الإجابة عن ظاهرة لا يمكن تجاهلها، فحركة الشعوب هي ماكينة صناعة التاريخ، وحين يتحرّك شعب غزة بهذا الشكل فعلينا محاولة فهم ما يحدث. الاحتمال الأول هو أن الشعب يحتفل فعلاً بحركة فتح التي ما زالت تتصدّر الاستطلاعات، فهي حركة بسيطة وعفوية وساذجة وليست معقدة، لم تضع الناس في القوالب الأيديولوجية والفكرية ولن تلزمهم بالبيعة وغيرها، وبالتالي بقيت أقرب إلى بساطة الناس، لهذا ليس مستغرباً ـ بعد كل هذه الضربات والاعتداءات في تاريخها وتراجعها السياسي والاعتراف بإسرائيل والتنسيق الأمني وكل الاتهامات... ـ أنها لا تزال تحظى بالشعبية الأكبر، فهي حركة لم تكن معقدةً منذ انطلاقتها، بقيت تحمل بساطة المؤسس الذي أقام فكرتها البسيطة على نمط "أريد من الناس أن يقاتلوا معنا ضد إسرائيل ولا يعنيني ثقافتهم وفكرهم ودينهم ولونهم" لهذا وجد فيها المتدين والشيوعي والمسيحي وحتى اليهودي والجاهل والعاقل وحتى الفاسد والمنحل وغيره وهذه هي سمات شعبنا، بالإضافة إلى أن كل مقاتل يأخذ عشرة دنانير أردنية وهذا كان مدعاةً لاستقطاب شعب فقير مشرد لاجئ يكره إسرائيل ويحتاج المال، ووارد بقاء فتح على فكرتها القريبة التنوع وبساطة الشعب. الاحتمال الثاني هو أن ما حرك الناس هو احتجاج كبير على حركة حماس ونظام حكمها وانعدام فرص العمل وأزمة الاقتصاد وتراجع مستوى المعيشة وأزمة الكهرباء والحركة والضرائب وتراجع الحريات وعدم السماح بالتظاهر، فالنموذج القائم والذي قدمته الحركة هو أقل بكثير مما يريده المواطن، صحيح أن الحصار والعزلة اللذين فرضا على الحركة منعاها من تقديم النموذج ولو لم يفرض هذا الحصار ربما لقدمت ما هو أفضل، ولكن على المستوى الداخلي ارتكبت الحركة وأجهزتها الأمنية كثيراً من الأخطاء التي عكست رأياً سلبياً لدى المواطن الذي انتظر اللحظة ليعبر عنها مندفعاً في أول تجمع سمحت به حركة حماس لحركة فتح الخصم الرئيس لها في الساحة الفلسطينية بالإضافة لرغبة الناس بالاحتجاج على استمرار حالة الانقسام بين الضفة وغزة والذي أدى لتردي مستوى حياتهم على كافة المستويات. الاحتمال الثالث وهو أن الناس في قطاع غزة باتوا متأثرين بمشهد الانقسام في المنطقة وتحديداً القاهرة الأقرب روحياً وجغرافياً وسياسياً لهم وذلك لارتباط تاريخي بين المدينتين، فهل كان هذا التجمع الكبير في غزة هو عملية فرز بين تيارين، تيار الإسلام السياسي من جهة والذي تمثله حركة حماس في مقابل التيارات المدنية؟ فالجمهور الذي كان حاضراً لم يكن كله حركة فتح؛ لأن الإسلام السياسي حتى اللحظة لم يستطع تجاوز حالته الحزبية ويقود بعقل الجماعة لا بعقل المجموع، وبالتالي فإن نمط قيادته تدفع كل الآخرين للتوحد في مواجهته، وهذا المشهد يكاد يتكرر في مصر وتونس وربما أن تجمع الجمعة هو جزء من مشهد المنطقة.! كل تلك الاحتمالات واردة وربما بعضها خاطئ وربما تضاف إليها اجتهادات أخرى قد تختلف معها تماماً، ولكن بكل الظروف، فإن هذا الحشد الكبير الذي خرج بعيداً عن تحضيرات الفصائل، وإن لعبت حركة فتح دوراً في الترويج والتحضير وكذلك التسهيلات الكبيرة التي قدمتها حركة حماس من أجل إنجاح المهرجان، لكن حركة الشعب هذه تحتاج لوقفة من قبل كل الذين يقودونه والذي أثبت أنه في واد وقيادته المترفة بحوارات المصالحة المستمرة إلى ما لا نهاية في واد آخر، فالشعب قال كلمته إنه يريد إنهاء هذه الحالة الشاذة، فهل تجد هذه الصرخة آذاناً صاغيةً أم أنها ستكون كصوت صارخ في البرية وسيستمر قادة فتح وحماس في إغلاق آذانهم كما السنوات الماضية ؟ هذه هي الرسالة الأبرز للمهرجان فالجيل الطاغي يوم الجمعة هو من لم يشارك في الانتخابات الماضية، وتحرمه الفصائل وتصادر حقه في الانتخابات وتقرير مصيره، فماذا لو قرر التحرك وحده؟ على حركة فتح أن تشكر الغباء الإسرائيلي الذي يعود إليه وحده الفضل بإقامة مهرجانها وإعطائها فرصة كبيرة للاستعراض، فالعدوان على غزة أحرج السلطة في الضفة من أن تمنع احتفالات حركة حماس بالذكرى الخامسة والعشرين لانطلاقتها، فما كان من حركة حماس إلا المعاملة بالمثل، ولو لم تكن الحرب ربما لن يسمح لحماس على غرار سنوات القمع السابقة من إقامة مهرجانات في الضفة وهذا ما كان. لكن هذا المهرجان الكبير سيترك آثاراً بعيدةً إذا كان من نتائجه كما وصفت دوائر سياسية إسرائيلية الصدمة التي أحدثها لدى إسرائيل من تأييد لفتح وأبو مازن في غزة ستكون أولى تلك النتائج دفن المشروع الإسرائيلي بفصل غزة ودفعها باتجاه مصر، فشعب غزة خرج ليقول إنه يتوق للارتباط بالضفة. النتيجة الثانية هي أن هذا الحضور الذي فاجأ الرئيس نفسه سيستغله الرئيس على المستوى الإقليمي باعتبار أن غزة لا يحكمها لكن الكتلة الأكبر من شعب غزة بإمكانه القول بعد اليوم أنها مؤيدة له، فهي رسالة لم يكن يحلم بأن تصل للإقليم الذي بدأ يتعامل مع غزة على غير ذلك. لكن النتيجة الثالثة وهي الأهم داخلياً هي أنه لا يمكن لحركة فتح أن تقصي حماس في الضفة، وقد جربت سنوات، وكذلك لا يمكن لحركة حماس أن تنهي فتح في غزة مهما حاولت، فالتاريخ قال إن حماس قوية وفتح عصية، فما بالنا لو توحدت تلك القوتان بالتأكيد ستبنيان تاريخاً جديداً كل الشعب بانتظاره. Atallah.akram@hotmail.com