السّيفُ أَصدقُ إنباءً مِنَ الكُتُبِ في حَدِّهِ الحَدُّ بين الجَدِّ واللَّعِبِ كان بيت الشعر هذا مطلع قصيدة للشاعر العربي أبي تمّام بعد "فتح عمورية" مسقط رأس الإمبراطور الروماني "تيوفل"، وكانت معركة عمورية قد جاءت ردّاً على اعتداءات هذا الإمبراطور الذي عاث فساداً وقتلاً ودماراً في المناطق العربية.وكان المنجّمون قد حذّروا الخليفة العباسي المعتصم من القيام بهذه الحرب، إلا أنه سخر منهم. و"فتح" اليوم هي السّيفُ وهي الأصدقُ.. في غزة انهارت في ساحات "السرايا" والشوارع الاستطلاعات بكل أشكالها.. وتأكد أن ما كانت تقدمه من معطيات حول "فتح" وقوتها ومدى تأثيرها في الشارع، هو كلام منجّمين ليس إلاّ. في غزة لم تكن مفاجئة إلاّ لأولئك الذين أقنعوا أنفسهم بأوهامهم أن "فتح" انتهت، وأولئك الذين كانوا وما زالوا يتمنّون أن يحشر هذا المارد في قمقم الحصار والانقسام حتى ينتهي.غزة مع بدايات الأسبوع الماضي بعثت بالبشائر، وكأنها تقول: انتظروا ما لا تتوقعونه.. يوم إنارة الشعلة كان التوقع أن يشارك ألفان.. ثلاثة آلاف.. خمسة آلاف في هذا الحفل، إلاّ أن المفاجأة الأولى جاءت مع غروب الشمس حيث تدفقت الجماهير أطفالاً وفتيةً وشباناً وشيوخاً ونساءً ورجالاً إلى الحفل، ليصل عدد المشاركين إلى أكثر من 60 ألفاً.ليلتها سمعنا الكثير، وكنا نقول: لعلّ في الأمر مبالغةً، إلاّ أن الزميل الكاتب الصحافي حسين حجازي اتصل ليؤكد هذا "الانقلاب" في غزة.. ويقول: نعم، هي عشرات الآلاف.. والشوارع تكاد تكون مغلقة، مضيفاً إنه احتاج ساعةً ونصف الساعة حتى يقطع شارعاً طوله أقل من كيلومترين.ومنذ ذلك اليوم بدأت التكهنات والمراهنات على الحشد الفتحاوي 50 ألفاً، 100 ألف، 200 ألف، 300 ألف بين الـ 200 و300 ألف، كانت هناك محاولات لإقناع الذات الفتحاوية بأن هذا جيد ومقبول ومعبّر عن قوة الحركة في هذه الأوقات.وعندما بدأت اللجان العمل، كانت مفاجأة أخرى وهي أن الجماهير ليست بحاجة إلى تحشيد، وثبت من جديد أن الجماهير تتقدم على القيادات.قبل 24 ساعة من استفتاء غزة، وقبل منتصف الليل بدأت المفاجآت تهلّ الواحدة تلو الأخرى، ومن بينها أن آلاف الشبان والمواطنين يبيتون في ساحة "السرايا" منذ ثلاثة أيام لحجز أماكن متقدمة في هذا الحفل. ومنها أنه عند منتصف الليل كانت "السرايا" قد امتلأت عن بكرة أبيها وبدأت حشود الجماهير المتدفقة تتكدّس في الشوارع المجاورة. وهكذا تحوّل ليل غزة إلى نهار.. حتى ساعات الفجر الأولى.ولكن، أيضاً، هذا الاستفتاء الذي شارك فيه ما يقارب من 80-85% من أصحاب حق الاقتراع، إذا ما تأكد أن الحشد وصل المليون أو زاد قليلاً، كما قال نبيل شعث، وكما أكدت قيادات وطنية وإسلامية بأنه غير مسبوق في حياة القطاع، يحمل عدة رسائل.الرسالة الأولى: هي للاحتلال الإسرائيلي وعلى رأسه اليمين الاستيطاني والعنصري، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أن "فتح" والجماهير الفلسطينية والمقاومة أقوى بكثير مما يتوقع، وأنه يجب أن يعيد النظر إلى الصورة التي تبثها وكالات الأنباء عشر مرات بدل مرة واحدة، لعلّه يخرج بدرس واضح، وهو أن المارد وشعب الجبارين سيكونون على موعد إذا ما استمرت سياسة القمع والحصار والتجويع والاستيطان. وبالتالي، توجد اليوم فرصة تقدمها القيادة الفلسطينية لسلام عادل وحقيقي، البديل عنها لن يكون في صالح هذا الكيان الذي سيظل جسماً غريباً في هذه المنطقة، والقوة تصبح أمراً ثانوياً أمام الطوفان البشري.الرسالة الثانية: إلى عدد من القيادات الفلسطينية الحزبية، وهي أن كل المحاولات لتحجيم "فتح" أو الحدّ من قوتها أو حصارها أو خنقها، ستؤتي بثمار عكسية، وربما توهّم البعض في غزة أنه بعد سنوات من التهميش والتضييق والحصار للحركة قد أضعفها أو تم تقويض بُناها التحتية، لنجد أن القطاع في احتفال الذكرى خرج عن بكرة أبيه.. وأمام هذا المشهد نستطيع أن نقول إن كل غزة "فتح"!الرسالة الثالثة: هي لقيادة حركة "فتح"، إلى اللجنة المركزية وإلى المجلس الثوري، فكّروا كثيراً وتأمّلوا المشهد.. جماهير "فتح" تقدمتكم بخطوات كثيرة.. وهي تنتظر أن ترتفعوا إلى المستوى الذي وصلته الجماهير، وأن تتحمّلوا المسؤولية. لديكم جيش جرّار مخيف، ربما أقوى بكثير من جيش عمورية، فهل لكم أن تحققوا تطلعات هذا المارد ويكون كل واحد فيكم هو المعتصم؟!.