واصلت تركيا في العام 2012 ما كان قائماً في العام 2011 من سياسات خارجية . ولا شك في أن استمرار تداعيات الثورات العربية التي بدأت في مطلع العام 2011 على العام المنصرم، قد فرض نفسه على روزنامة النظرة التركية إلى أحداث المنطقة . لقد انهارت في العام الأول من الثورات العربية مرتكزات السياسة الخارجية التي جمعها عنوان العمق الاستراتيجي وترجمتها سياسة “صفر مشكلات” التي ما عاد يجرؤ واضعوها على الإشارة اليها . وبدت تركيا في العام 2012 أكثر انسجاماً مع التحولات التي طرأت على سياساتها في العام ،2011 إذ إن الغرب، على سبيل المثال، قد اتهم أنقرة بعد سياسات انفتاحها على العالم العربي والإسلامي بأنها قد غيّرت محورها واتجهت أكثر نحو الشرق . غير أن انهيار سياسة تصفير المشكلات وإعادة تركيا تثبيت بوصلتها غرباً، جعل العواصم الغربية تتخلى عن هذا الاتهام وتصفّق للتراجع التركي . لا شك في أن سوريا كانت الامتحان الأكبر لسياسة تركيا الخارجية، وقد عملت أنقرة منذ اندلاع الأحداث في سوريا على خط إطاحة نظام الرئيس السوري بشار الأسد، ورفعت شعار أنه لا حلّ مع استمرار الأسد في السلطة . وباتت أنقرة أسيرة هذا العنوان الذي فرض عليها تحشيد كل طاقاتها من أجل دعم المعارضة السورية السياسية والمسلحة وحوّلت أراضيها إلى مقر وممر لكل أنواع المسلحين من كل الاتجاهات، ومنها الأصولية وتنظيم القاعدة . وكلما كان سقوط النظام يتأخر، كانت الحكومة التركية ترتمي أكثر في سياق السياسات الغربية ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية . لذا كان العام 2012 عام إعلان تركيا أنها بلد أطلسي بامتياز قبل أي صفة أخرى . إذ إن سقوط بضع قذائف سورية على قرية تركية ومقتل خمسة أشخاص، دفع أنقرة دفعة واحدة إلى أن تستنجد بحلف شمال الأطلسي، وتعتبر أن حدود تركيا هي حدود حلف شمال الأطلسي . ونتيجة لذلك كانت موافقة أنقرة على نشر منظومة رادارات الدرع الصاروخية التي أعقبتها مباشرة بنشر صواريخ الباتريوت . وكان تشكيل الائتلاف السوري المعارض في الدوحة إشارة إلى تراجع الدور التركي الذي كان وراء تشكيل المجلس الوطني السوري المعارض . وبسبب السياسات الغربية المتعاظمة لتركيا كان العام 2012 عام تعميق الشرخ بين تركيا من جهة، وبين كل من إيران وروسيا من جهة أخرى، وشهدت العلاقات مع هذين البلدين توترات متعددة لم تساعد زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أنقرة في مطلع ديسمبر/ كانون الأول 2012 إلا في تنظيم الخلاف دون التوصل إلى تفاهمات على السياسات الخارجية . وترك الخلاف على سوريا أثره السلبي في العلاقات مع العراق إلى درجة أن تركيا سعت إلى التحالف مع إقليم كردستان العراق من أجل إضعاف ومحاولة إسقاط حكومة نوري المالكي، وصولاً إلى احتضان المعارضة العراقية السنّية ولا سيما نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي الذي لجأ إلى تركيا، وصولاً إلى دعم التظاهرات ضد المالكي في المحافظات السنّية . ولم تكن العلاقات التركية مع لبنان بأفضل كثيراً، إذ إن ملف المخطوفين اللبنانيين التسعة في سوريا ترك أثراً سلبياً في العلاقات بين البلدين إلى درجة تحذير الرعايا الأتراك من السفر إلى لبنان . ولقد تركت أحداث غزة تحديداً أثرها بطبيعة الدور التركي في المنطقة، إذ إن تركيا طرحت نفسها على أنها “لاعب مؤسس” ل”لعبة إقليمية” أو لاعب مؤسس لنظام إقليمي جديد تكون هي قائدته وراعيته وراسمة ملامحه وهو ما عرف بالعثمانية الجديدة، لكن أحداث غزة أظهرت للمرة الأولى نتيجة مهمة وهي أن مصر عندما تتحرك بمعزل عن طبيعة السلطة القائمة فيها، فإنها تتقدم على ما عداها في محيطها الإقليمي ولا سيما القضية الفلسطينية . لذلك فإن اضطلاع مصر بدور مركزي في اتفاق غزة الأخير جعل الدور التركي يتراجع إلى الصفوف الخلفية، بل دفع ذلك بعض الساسة الأتراك من حزب العدالة والتنمية مثل نائب رئيس الحكومة بولنت أرينتش إلى الدعوة لإعادة العلاقات مع “إسرائيل” لتتمكن تركيا من القيام بدور متقدم في أزمات المنطقة، وهذا بالطبع مسيء إلى تركيا أن يتقدم دورها بفضل علاقات مع “إسرائيل” وليس لأسباب أخرى . انتهى العام 2012 وقد رست معالم السياسة الخارجية الجديدة لتركيا على أساس أنها أكثر أطلسية وأكثر غربية وطرفاً مباشراً في الصراعات الإقليمية والداخلية للدول، وهو ما عرّضها لعودة الصراع المسلح مع الأكراد إلى مربع التسعينات، ولمزيد من الاحتقانات في الداخل على أساس مذهبي وعرقي، ولتراجع هامش المناورة في الدور الخارجي إلى أضيق الحدود .