مر العام 2012 بسرعة مع أنه كان عاماً ثقيلاً وكئيباً على نحو خاص إلا الشهر ونيف الأخير، حيث حصل انتصار فلسطيني سياسيي ودبلوماسي في الحلبة الدولية وانتصار معنوي على جبهة المواجهة في غزة، وغير ذلك لم يحصل شيء يذكر سوى ازدياد الأوضاع صعوبة وقسوة على مستويات مختلفة لا تتعلق فقط بأننا فقدنا عدداً لا بأس به من الشهداء بالإضافة إلى الجرحى والمصابين، بل هناك مشكلات اقتصادية كبيرة تواجه السلطة والشعب، ودخلنا العام الجديد والموظفون في السلطة لم يحصلوا على كامل الرواتب. وطبعاً في كل عام يمكننا أن نقول الحمد لله كان يمكن أن يكون أكثر سوءاً. لم نستطع التقدم خطوة واحدة على طريق انهاء الانقسام، ولا يبدو أننا قريبون من ذلك فكل شيء عاد إلى طبيعته التي سبقت الانتصارات ونشوة الفرح الممزوج بالكثير من الألم، واتضح أن التفاؤل الذي غطى على رؤية الحقائق على الارض لم يكن في محله، وإن كان التفاؤل سمة ايجابية ينبغي التمسك بها دوماً، مع أن هناك مصالح ومعادلات أبعد دوماً من المشاعر. ولكن يمكن أن نعزي انفسنا في حصول تطور طفيف على العلاقة بين طرفي الانقسام "حماس" حيث احتفلت "حماس" بانطلاقتها في الضفة وسمحت لـ"فتح" بأن تحتفل بانطلاقتها في غزة. ولكن لا شيء جوهرياً أعمق من ذلك يبدو أنه سيحصل قريباً.وحركة"قتح" التي نحتفل بانطلاقتها التي هي انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة لم تتقدم خلال العام الماضي على أي مستوى، فلا هي استطاعت أن تلملم صفوفها وتوحد نفسها وتتخلص من مشكلاتها الداخلية بصورة خلاقة ، بل إن الأمور كانت أكثر فجاجة في الانتخابات البلدية التي أظهرت ليس فقط انقسامات وخلافات، وانما كذلك بعد المستوى القيادي عن حركة الشارع ونبضه. وبعض أعضاء اللجنة المركزية اعترفوا صراحة أن القيادة الحالية ليست على مستوى المرحلة ولا يمكنها الاضطلاع بالاعباء والمهمات الملقاة عليها، وهناك من ينادي بعقد المؤتمر العام السابع على وجه السرعة لانقاذ الوضع الداخلي من حالة الترهل والخلاف. ولعل أبرز محطات الإخفاق إضافة لما جرى في الانتخابات المحلية، عدم قدرة القيادة على تشكيل قيادة لـ"فتح" في غزة على الرغم من القيام بعدة محاولات. وهناك ادراك من الكادر الفتحاوي بغالبيته الساحقة بأن هذا الحال غير صحي ولا يمكن القبول باستمراره. والبعض يعتبر احتفالات الانطلاقة محكاً أو مؤشراً، مع أن الاحتفال شيء والعمل في الميدان لتنظيم صفوف الحركة شيء آخر. ربما يكون غالبية الفلسطينيين معنيين بالمشاركة في الاحتفالات وانجاحها وهذا ينطبق على أعضاء "فتح" ومناصريها ومؤيدي الفصائل الوطنية والمستقلين، بل إن هذا يمثل تحدياً وطنياً لـ"حماس" ليس هدفه معاقبتها وإنما الإظهار بأنها ليست وحدها ولا تملك الأغلبية في الشارع.أما السلطة الوطنية فهي في حالة تدهور على كل المستويات أقرب إلى حافة الانهيار، وتجري معاقبتها دولياً وعربياً بسبب "تمرد" القيادة والذهاب إلى الأمم المتحدة والخروج على المبدأ الأميركي القائل إن كل شيء يجب أن يحدث بالمفاوضات حتى لو لم تكن هناك مفاوضات أو حتى لو كان الأفق أمامها مغلقاً. فيتوقف الدعم أو يشح وتوقف إسرائيل تحويل الأموال الفلسطينية المجباة عن طريقها. وتبدو السلطة في أسوأ لحظاتها، ولا تسلم من الانتقاد واللوم على كل شيء بما في ذلك على وقف إسرائيل تحويل الأموال. طبعاً النقد على سوء الأداء والتخطيط والإدارة وإدارة الشأن العام هو مسألة محقة ومطلوبة طوال الوقت، ولكن يجب الفصل بين هذا وبين المسائل التي لا تتحمل السلطة المسؤولية فيها حتى يصبح النقد بناءً وفي محله. ولا يظهر أن وضع السلطة سيتحسن بصورة ملموسة مع تفاقم مشكلة الدين العام والفوائد المترتبة عليه، في ظل الفشل في تحقيق خطط تنمية الاقتصاد المحلي وصولاً ليس إلى الاستغناء عن مال المانحين بل إلى تخفيف الاعتماد نسبياً على هذا الدعم.ولايبدو حال المجتمع المدني والأحزاب أفضل حالاً من حال السلطة، ولا تقتصر المشاكل على "فتح" ولكنها تبرز فيها بصفتها الفصيل الأكبر الذي يقود ويتحمل عبء المرحلة ومسؤولياتها الثقيلة أكثر من غيره. فقوى منظمة التحرير تتقلص باستمرار وتعيش نفس الأزمة التي تنعكس في عدم القدرة على التوسع شعبياً ونيل ثقة المواطنين وتحقيق نوع من التوازن أو الثقل بين الفصيلين الأكبر"فتح" و"حماس". أما "حماس" فهي بالرغم من شعورها بأنها منتصرة لم تستطع أن تقدم بديلاً وطنياً حقيقياً لما هو قائم وبقي الارتكاز على شعارات المقاومة وسيلة لتذكير الناس بأنها فصيل مقاوم يختلف عن "فتح" فصيل السلطة والمفاوضات، ولكنها لا تستطيع أن تخفي الشمس بغربال فهي فصيل سلطة أسوأ من "فتح" بكثير، على الاقل الأخيرة صاحبة مشروع يقوم على التسوية السياسية للقضية على أساس حل الدولتين وقيام دولة فلسطينية مستقلة في حدود العام 1967. أما "حماس" فهي تتمسك بالسلطة وتعزز وجودها فيها ببرنامج لاعلاقة له ببرنامج الشعب وتقدم نموذجاً سيئاً في الإدارة والحكم، وتمارس المفاوضات من أجل ضمان سلطتها فقط.ومنظمات المجتمع المدني لم تستطع النهوض بمهماتها المكملة لمهمات المؤسسة الرسمية حسبما هو مرسوم لها وتتلقى الدعم على أساسه، وهي عدا كونها أصبحت تعاني من شح التمويل، تركز على قضايا لا تلامس حاجات الناس الاساسية وبعضها حتى لا نعمم ونظلم الجميع، تحاول التكيف فقط مع أجندات الممولين دون الالتفات إلى مصالح المجتمع وحاجاته.لا يبدو أن العام 2013 أفضل حالاً من سابقه إلا إذا حصل تحول ملموس في التوجهات الدولية نحو الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي ينبثق عنه تدخل دولي ملموس في التسوية بمعنى أن يجد المجتمع الدولي وسيلة لفرض حل على الاسس والقواعد التي يعترف بها العالم أجمع وتنكرها إسرائيل. أو حصول مفاجأة في الانتخابات الإسرائيلية تؤدي إلى خسارة اليمين الأغلبية في البرلمان وهذا يبدو صعباً للغاية وغير متوقع بنسبة كبيرة، حتى مع تدهور مكانة ائتلاف "الليكود - إسرائيل بيتينو" بعد استقالة ليبرمان وتقديم لائحة اتهام ضده على جرائم فساد. فلا يزال اليمين يحظى بأغلبية في كل استطلاعات الرأي التي تجري في اسرائيل عشية الانتخابات. فخسارة نتنياهو تصب في خانة حزب أكثر تطرفاً بقيادة نفتالي بينت.على كل حال دعونا نتفاءل بالعام الجديد ودعونا نعمل كل في إطار وظيفته وحقله وما يستطيع أن يقوم به ليصبح واقعنا أفضل وغدنا أكثر ايجابية، فنحن سنظل هنا هذا العام والعام القادم ولا بد أن تتغير الأشياء بصورة من الصور.