لماذا تتزايد مستويات ومظاهر العنصرية ضد المهاجرين والمسلمين في الغرب بشكل مقلق بل ومخيف؟ هناك بطبيعة الحال جملة من الاسباب التي ربما اشبعت نقاشا، منها ترسخ الخلفيات التاريخية المعبأة بنظرة استعلاء الى الملونين بشكل عام والى المسلمين على وجه التحديد، ومنها ازدياد قوة الاحزاب اليمينية في اوروبا والغرب عموما واستخدامها ورقة المهاجرين في المعارك الانتخابية والسياسية، ومنها تردي الاقتصاد العالمي ونقصان فرص العمل واشتداد التنافس، ومنها تسارع وتيرة الزيادة الديموغرافية عند المسلمين، ومنها ايضا بروز جماعات التعصب والارهاب التي تقوم بما تقوم باسم الدين والاسلام وينعكس اجرامها على الجاليات المسلمة كلها وبرمتها. المقاربة العربية والاسلامية لمسألة العنصرية المتصاعدة في الغرب إزاء المسلمين يغلب عليها التشاكي ولوم الآخرين وتبرئة الذات وتمثل دور الضحية. وفي خضم التباكي على وضع مسلمي الغرب وما يواجهونه من عنصريات يتم التغاضي عن ممارستهم هم وطرائق حياتهم وانعزالهم عن المجتمعات التي يعيشون فيها وازدارئهم لها بما يخلق في اوساطهم عقلية "الغيتو" الانفصالية المنقطعة عن المحيط. عقلية وحياة "الغيتو" الاسلامية في الغرب تتمثل في الدائرة الضيقة التي يعيش فيها كثير من المسلمين، حيث يتعاملون مع بعضهم البعض فقط، سواء تجاريا، او اجتماعيا، او ثقافيا، ويرتادون نفس الاماكن (المطاعم، المساجد، الخ)، وفي المساء يتسمرون امام الفضائيات العربية! معنى ذلك ان وجودهم الفيزيائي في لندن، او باريس، او برلين، او كوبنهاغن، او واشنطن لا يعني تماما حضورهم في المكان وارتباطهم العضوي به. غالبيتهم موجودون فيزيائيا لكن ثقافيا واجتماعيا وسياسيا منفصلون عنه تماما. هناك اقلية تحاول تفكيك هذا الغيتو الثقافي والاتصالي وتقوم بجهود جبارة من اجل ادماج الغالبية في الوسط العام وتحسين انماط علاقتها مع المجتمعات المضيفة، لكن جهودها تُقابل بممارسات وسلوكيات مضادة تحبط النتائج المرجوة. في كوبنهاغن "أبدع" بعض المسلمين مؤخرا في اختلاق مشكلة من لاشيء سوف تُضاعف من مستويات العنصرية ضد الاسلام والمسلمين ليس في الدنمارك فحسب بل وفي أوروبا كلها. وعن هذا "الابداع" نشرت الحياة اللندنية بتاريخ 24 كانون الأول تقريرا مخيفا من مراسلها علي شرف في كوبنهاغن يقول التالي: "... في ضاحية كوكيدال التي تبعد 20 كم عن كوبنهاغن قطاع سكاني ضخم بني اساسا لذوي الدخل المحدود يدعى "إغيد السفينغ". بدأ المهاجرون بالتوافد الى هذه الناحية منذ اواخر ستينيات القرن الماضي، واذا كانت نسبتهم الى السكان الاصليين منذ عقدين 1 إلى 4، فإنهم يشكلون الآن ثلثي مجمل سكان الضاحية. وفي كل عام يتفق المسؤولون المحليون للمجمع السكاني، وهم بمثابة مجلس بلدي محلي، على تخصيص موازنة لإقامة شجرة ميلاد في ساحة الضاحية. لكن هذا العام لن يكون هناك شجرة لأن الغالبية الجديدة المتشكلة من المسلمين في المجلس البلدي اي خمسة اعضاء من اصل تسعة رفضت صرف المبالغ اللازمة لوضع الشجرة. الامر طبعا صدم الاعضاء الاخرين في المجلس ومعهم السكان الذين اعتادوا على هذا التقليد. والاغرب من هذا ان القرار جاء بعد ايام من الانتهاء من اقامة احتفالات عيد الاضحى التي وافق عليها المجلس بالإجماع وصرف المبالغ اللازمة لها. بعدها توالى الحديث عن ان السبب يعود الى غياب الاموال اللازمة بسبب صرفها على عيد الاضحى، لكن الصدمة جاءت اكبر حين رفض الاعضاء المسلمون مجددا مبادرة احد رجال الاعمال الذي اراد منح الضاحية شجرة عيد على نفقته الخاصة. وعلق احدهم بأنه كمسلم لا يرى سببا للاحتفال بعيد الميلاد والموضوع عنده ليس ماديا بل هو مبدئي"! اي عقل بدائي وتدميري هذا الذي يقود اصحابه لاتخاذ مثل هذا الموقف الذي سوف يسعر من نيران العنصرية في الدنمارك ضد ازيد من مائتي الف مسلم هناك. هذا العقل هو الذي سيقود الى صراعات من نوع مختلف تماما في المستقبل القريب بين المسلمين في الغرب والمجتمعات المضيفة. وهذا العقل هو الذي يحتاج الى محاصرة وحجر بكونه ليس فقط مريضا لذاته بل ومؤثرا على الاخرين، إنه الذي يخرق السفينة بجهله وتفاهته فيُغرق الجميع. إن هذه الحادثة وهناك غيرها كثير هي ما يحتاج الى تأمل عميق من قبل المخلصين ثم العمل على نبش اسبابها ومعالجة جذورها. كيف يمكن إرجاع قرار قصير النظر وعنصري وغير تعايشي وغير تسامحي مثل حظر اقامة شجرة عيد الميلاد في بلدة في كوبنهاغن الى انه "مسألة مبدأ"؟ اين التسامح والتعايش والاقرار بدين الاخر واحترام "لكم دينكم ولي دين"؟ التعصب الذي يطفح الآن في المجتمعات العربية والاسلامية ويدمر كل ما هو جميل فيها ونراه الآن في شوارع المدن المصرية والتونسية والليبية وغيرها، يتغلغل ايضا في الجاليات المسلمة في الغرب وسوف يعمل على ادخالها في معارك دموية مع مجتمعاتها. هذا التعصب الذي سوف يحدد مصير مئات الملايين هو الذي يجب ان يُفكر فيه وتُعقد من اجله القمم الرئاسية وتنفق من اجل معالجته المليارات. إنه اكثر خطرا من السلاح النووي على مجتمعاتنا. إن كثيرا من الجهود والاموال التي تُنفق حاليا على "تحسين صورة المسلمين" لا طائل من ورائها طالما بقيت اجزاء كبيرة من "الأصل" مشوهة ابتداء. ما يجب تحسينه هو الاصل وبعد ذلك تتحسن الصورة تلقائيا ويصبح من الصعب تخليق صورة مشوهة من الصفر. مثلا ما هي الصورة التي سوف ينقلها الاعلام عن حفنة هؤلاء المتعصبين في البلدة الدنماركية الذين يخصصون الاموال للاحتفال بعيد الاضحى ويحرمون بقية السكان من الاحتفال بعيد الميلاد؟ اين سيحدث التشويه، وهل هناك اصلا حاجة لأي تشويه في حين ان الاصل نفسه بشع وتافه؟ واين هو الفارق بين تشويه الصورة والاصل المشوه عندما يريد الاعلام ان يغطي مطالبات بعض السلفيين في مصر بأن يتم شطب الحد الادنى لزواج الانثى حتى يتسنى لهم الزواج من القاصرات؟ اذا كان بإمكان المجتمعات العربية والمسلمة، ولو بصعوبة بالغة، انتاج آليات خاصة بها تستطيع ان تحتوي او توقف ما تقوم به جماعات التعصب الديني وتقليل منعكساته، فإن الجاليات المسلمة في الغرب لا يمكنها القيام بذلك لأنها ليست هي المجتمع العريض وليس لديها العمق الكافي لامتصاص ذلك التعصب. هناك خطر محدق بتلك الجاليات وهو خطر آت من الداخل ويستدعي الجميع للتدخل قبل فوات الأوان. Email: khaled.hroub@yahoo.com