قد لا يعرف الفلسطيني سبباً محدداً كان وراء انتمائه لـ"فتح"، وقد لا يعرف لحظةً معينةً وجد نفسه فيها فتحاوياً، وهو قد يجد صعوبةً في تفسير شعوره الفتحاوي، وعاطفته تجاه الفكرة الفتحاوية، كما أن كل فلسطيني في لحظة صفاء مع ذاته سيجد أن به شيئاً من "فتح" يصعب عليه، أيضاً، نكرانه، ويصعب عليه أن يغطيه ولو بالإسمنت المسلّح. ثمة شيء في "فتح" ارتبط بفلسطين، ووجد جذوره في تماهيه مع القضية وتفاصيلها كما مع الجماهير وأحلامها وحتى خيباتها. الفلسطيني ليس بحاجة إلى أن يعبّر عن هذا ولا أن يبرره، فهو يجوز القول إنه يولد فتحاوياً بالفطرة وحتى إن وجد له تنظيماً آخر، فإن شيئاً من "فتح" يبقى في نفسه أو روحه. ليس لأن طريق الحرية الفلسطيني مضاء بأرواح آلاف الشهداء الذين قدمتهم الحركة في سبيل القضية ومشروع التحرر وكان ومنذ السنوات الأولى قادة الحركة أول من يقدمون أرواحهم في سبيل أن يظل هذا الطريق مضاءً، وليس لأن "فتح" امتلكت جرأة تفجير الثورة في زمن التنظير الفكري والعقائدي وزمن الاستسلام العربي والإسلامي للنكبة وآلامها، وليس لأن "فتح" حملت البندقية في وقت كان فيه الكل ينظر إلى خارج فلسطين بحثاً عن الحقيقة، فيما الحقيقة كانت في الذات الفلسطينية القادرة على الانبعاث من ركام النكبة إلى سماء الثورة وفضائها الرحب. وليس لأن "فتح" امتلكت مقدرة التبصّر وصوغ البرامج السياسية القادرة على حماية هذا الشعب من ويلات التآمر وسطوة الواقع العربي المرير. من أجل هذا كله وأيضاً لأن "فتح" وجدت نفسها في نسيج الحياة الفلسطينية وفي أتون الواقع الفلسطيني. قد تكون "فتح" لم تنجح في تحقيق كل غايات الثورة التي فجّرها ياسر عرفات ورفاق دربه، وقد تكون الأفكار الكبرى التي خطّها ياسر عرفات وخليل الوزير وصلاح خلف ومحمود عباس وأبو يوسف النجار وكمال عدوان وغيرهم في جلسات التأسيس في خمسينيات القرن الماضي لم تجد طريقها كلها إلى التحقق. لكن الفكرة الفلسطينية التي حملتها روح "فتح": فكرة الفلسطيني المقاتل المدافع عن حقه الباحث عن حريته المؤمن بذاته حتى وإن امتلكت إسرائيل سلاحاً نووياً ظلت هي كنه الشعار الفتحاوي "ثورة حتى النصر". لم تكن المسيرة بلا أخطاء كما لم تكن الطريق بلا عثرات، لكن ظلت "فتح" تعبّر عن أصالة الغايات الفلسطينية والتطلعات الوطنية، ونجحت في عبور المضائق وتخطي العواصف والقفز فوق حقول الألغام ببعض النجاح وبعض الفشل ربما، ولكن لم ينته الشعب الفلسطيني كما أرادت النكبة له، ولم ينس الأبناء بعد موت الآباء كما لم تغطِّ ملفات القضية طبقات الغبار والنسيان، بل صارت القضية الفلسطينية الأكثر سخونةً في العالم. فكم من قضية في إفريقيا وآسيا يموت فيها الآلاف سنوياً لا تحظى بربع ما تحظى به فلسطين من اهتمام ورعاية. دون أن يعني هذا أن المجتمع الدولي قادر فعلاً على إلزام إسرائيل وفرض شيء عليها. لكن نجحت فلسطين في أن تظل حاضرةً وإن كانت مظلومة لم تنصف. كما أن "فتح" كانت معين الوطنية الفلسطينية وهي معناها في أنقى صوره، فالكل الفلسطيني ينهل من "فتح". كما أن كل فلسطيني فيه شيء من "فتح". حتى أن كل التنظيمات الفلسطينية وجدت أثراً من "فتح" في سلوكها وممارستها كما في قاموسها السياسي وبرامجها السياسية. وليس ذنب "فتح" أن القاموس الوطني الفلسطيني لها فضل في اشتقاق مفرداته كما في تطوير معانيه وتركيب عباراته. وإن بحثاً لغوياً كما فقهياً في هذا القاموس وفي المتداول من منطوق السياسة الفلسطينية سيكشف عن أثر "فتح" وبصمتها في كل منحنى وكل زاوية وكل مرحلة تطوّر فيها العقل السياسي الفلسطيني. قد يشاء البعض أن يقول إن "فتح" هيمنت على المنظمة والسلطة وبالتالي تمتعت بمزايا كثيرة لم تمنح لغيرها وعليه امتلكت أفضلية البقاء والتأثير. وهؤلاء ينسون حقيقة أن المواقع السياسية أولاً تمنح بشرعية كفاحية ونضالية وأن حضور "فتح" الوطني وبين جماهيرها هو من أعطى "فتح" هذه الفرص، ولو أن الجماهير الفلسطينية لم تجد نفسها في "فتح" لما وجدت "فتح" نفسها عامود الخيمة ولا حامية المشروع، ولا روح الجسد الفلسطينية. فـ"فتح" من أعطت للمؤسسة وجودها. فمنظمة التحرير وجدت لتكون مدخلاً لنفوذ العرب وهيمنتهم على الشعب الفلسطيني، كما أن السلطة الفلسطينية بكل العثرات التي مرت بها رأت فيها "فتح" نواة الدولة الفلسطينية. فياسر عرفات لم يكن يرى في اتفاق أوسلو الذي توصل إليه إلا مشروع الدولة. وكما قال البابا في ذلك الزمن القروسطي وهو ينظر إلى تزيين مايكل أنجلو قبة الفاتيكان "كنت أفكر في لوحة وكان يفكر في معجزة". كانت "فتح" تفكر في معجزة فلسطينية رغم كل الصعاب والآلام. لابد أن هذا الحديث لم يغب عنه في أي كلمة الصورة الأبهى في الحياة الفلسطينية والطلة الأكثر إشراقاً في قضيتنا. فياسر عرفات كان فلسطين وكان المعبّر الأصدق عن قضيتها، وربما عرف كثير من مواطني العالم فلسطين من ياسر عرفات. كان هذا واجد الفكرة الفتحاوية. كانت "فتح" وما زالت تعني فلسطين. لم تنهل من أي نبع خارجي ولم تتكئ إلى أي طرح فكري خارج الخيمة الفلسطينية، ولم تستعن يوماً بقوة غير فلسطينية. كانت فلسطين هي بوصلة "فتح" وهي باروميتر مقياس مدى قرب الناس والدول من "فتح". حين تمر بجوار مقر السرايا الحكومي السابق في غزة الذي حولته آلة الدمار الإسرائيلية لساحة، فثمة أطفال وشباب وشيوخ يتجولون في المكان منهمكين في تنظيفه وتزيينه استعداداً لمهرجان انطلاقة فتح الثامنة والأربعين. ثمة إحساس بالتواصل في قافلة طويلة سارت على الطريق بدأت بفكرة أصيلة حملها الآباء وظل الأبناء لها أوفياء. إحساس بأن فلسطين رغم كل ما يمر بها بخير وأن المستقبل الفلسطيني رغم سحب الانقسام التي ستتبدد أيضاً بخير؛ لأن فلسطين الأرض للفلسطينيين ولأن ذات الفكرة الكامنة في الروح الفتحاوية هي الفكرة الفلسطينية الأصيلة التي تتأسس عليها فكرة الفلسطيني في كل تنظيماته وتشكيلاته الحزبية.