أخيراً وبعد أخذ ورد، وتدخل الوجهاء وبعد مخاض عسير من المتوقع أن يكون الدخان الأبيض، قد صعد من منزل الأخ إسماعيل هنية رئيس الحكومة الغزية، في مخيم الشاطئ إيذاناً بالموافقة على عقد المهرجان في ساحة المبنى القديم للسرايا الحكومية، في غزة كبشرى وفاتحة سارة، تستبشرون فيها عامكم الجديد، كل عام وأنتم وفلسطين بخير. بعودة "فتح" إلى الساحة بعد غياب خمس سنوات لتكون بمثابة الإشارة الأكثر رمزية وعاطفية عن قرب انتصار الفلسطينيين هذه المرة، "فتح" و"حماس" معاً على انقسامهما المدمر، بعد أن لم يعد ممكناً للمزاج الفلسطيني تقبل هذا الانقسام، ولا المماحكات أو التلكؤ في تجاوز هذا القطوع. والواقع أنه حسناً تغلبت "حماس" على بقايا ترددها وفضلت في هذا الاختبار الأول والمباشر بعد التغير الكبير الذي حدث أواخر العام، أن تكيف موقفها بالانسجام مع المزاج الفلسطيني. إذا كان حتى ظهور "فتح بعد غياب عن الحضور الجماهيري على الساحة بحشد قوي لا يمكنه أن ينتقص من الوزن والحضور الجماهيري الفاعل لـ"حماس". ومن شأن ذلك أن يصب في إعادتنا إلى المربع الأول والقديم أي التنافس الحر والشريف، التنافس الذي يوصف بكونه الأكثر أخلاقية واستقامة بين حركتين كبيرتين يملك كل منهما جمهوره وشارعه، وهذه العودة إلى الملعب الأول هي التي تسمح لنا البناء عليها لاحقاً، بتجاوز أحقاد ورواسب الانقسام إذا كان في ذلك أي القبول بقواعد اللعبة النزيهة والنظيفة، بمثابة كسر الحاجز النفسي الأكبر، رهاب الخوف من الحضور الاحتفالي للآخر براياته ورموزه، وخطابه. هنا لا خوف عليكم من رؤية الآخر بعظم حضوره، ومن الانتخابات القادمة إذا كان هذا التحول في المشهد الذي يحيلنا إلى معاينة كلينا الآخر وجهاً لوجه، هو الذي من شأنه فقط أن يجعل كلاً من الآخر مرآة عاكسة. وللشعب أن يقرر بحريته وإرادته التصويت، لكن بعد إزاحة هذه القشرة المضللة والحارفة للأبصار، من قبيل الشعور بالتعاطف مع حركة هنا تتعرض للاضطهاد وحركة هناك تتعرض لاضطهاد مقابل. اضطهاد "فتح" في غزة واضطهاد "حماس" في الضفة. هيا إذن نتحرر من القيود والإرث السيئ الذي صنعناه، كل منا حول الآخر . هيا نحرر انفسنا من هذا العفن، فنحن المضطهدون من الاحتلال لا نملك هذا الترف أن نمارس الاضطهاد على أنفسنا، وان مجمل التجربة السياسية على طول تاريخنا، تاريخ الحركة الوطنية التحررية لم تكن تطرح علينا خياراً آخر سوى ممارسة الديمقراطية، والوحدة في إطار الصراع، التنافس بين الأضداد. الستينيات والسبعينات، القومية واليسارية مقابل التيار الوطني "الوطنية الخالصة"، هذا الصراع الذي سمي أيديولوجياً باليمين واليسار. واليوم فإن ذلك في مصر وتونس وفلسطين، لا يختلف في المضمون بين الإسلام السياسي أو الراديكالي، وبين تيار الوطنية القومي أو العلماني، وانه في جميع هذه التجارب اليوم لا بديل عن الحوار والاتفاق على الشراكة الوطنية الجامعة. والواقع أن المفارقة، المعضلة في الأزمة الراهنة التي تشهدها تونس ومصر وحتى سورية ونحن هنا في فلسطين.إن الإسلام السياسي الراديكالي لا يصعد في حقبته التاريخية على جثة هامدة من الفراغ التاريخي للمكون الآخر، كما كان الحال في لحظة نادرة، عقد الخمسينيات والستينيات خلال الصعود الكاسح لتيار القومية واليسار وهذا يعني في الحالة الفلسطينية أن "فتح" وهي في عمر الثامنة والأربعين أي في أزمة منتصف العمر، لا تبدو كما لو أنها حركة تعاني من أعراض الانحلال التاريخي تماماً كما يبدو حزب البعث، والتيار القومي السوري العلماني الذي يحكم سورية، على هذا القدر من الصلابة وعدم القابلية للانكسار حتى في ظل هجمة دولية لا سابق لها. هيا نفهم المسألة في إطارها التاريخي، فإن "فتح" التي تبرهن اليوم، أنها ليست حركة طارئة في تاريخ الشعب الفلسطيني، فإن صمودها وبقاءها بل بقاءها إلى اليوم إنما يعزى إلى القرينة الوحيدة هنا، وهي عدم نفاد دورها التاريخي، أي دافع وجودها ومبرر بقائها هو مشروعها الخلاصي من الاحتلال، وتحقيق التحرر والاستقلال، بوصفها التيار الوطني الجامع للشعب الفلسطيني، أو الحركة الأم. لا تموت الحركات الثورية الكبيرة ذات الجذور العميقة والمتأصلة، في تربتها الوطنية والحاملة لهوية وطنية، هكذا كانحلال مفاجئ على فراش المرض. وهي يمكن أن تمر بانتكاسات وتحولات بل تقلبات، وحتى بعد فقدان الغالبية العظمى من صفوتها القيادية، المؤسسين فإنها تملك استناداً إلى تراكم وعظمة تجربتها ومعاركها وحروبها هذه القدرة على مواصلة البقاء، كنوع من التراجيديا الإغريقية. لتبدو عند هذا العمر المتطاول أقرب إلى حكمة وتعقل واتزان الشيوخ، كما القدرة والمرونة على إحداث التكيفات مع الواقع، ولكن دون إبداء أي علامة على التصدع أو الانهيار.ولعله من المناسب اليوم التأمل في هذه المفارقة التي يطرحها الواقع السياسي الفلسطيني، في الفارق الذي يطرحه العمر، بين فتوة "حماس" كحركة شابة، مفعمة بالحماس والعنفوان، وبين "فتح" كبيرة السن. شباب وشيوخ. حين تطرح السبابة التي ترمز إلى الحقبة البطولية من العمر، الفتوة والشباب مسألة القيادة والأيديولوجية، الأفكار الكبيرة والمثالية عن تغيير العالم، بينما جيل الشيوخ أقرب في نظرتهم وأفكارهم للواقع، والأكثر شكاً في أفكار ومعتقدات الشباب. إن شكلاً من صراع الأجيال ما ينطبق أيضاً على العلاقة، الصراع غير الخفي بين "فتح" و"حماس". صراع على القيادة. لكن تراه ما هو الطريق من هنا لتسلم زمام القيادة ما بعد صلح الحديبية وإرساء أسس دولة المدينة في يثرب، في تصور "حماس" إذا كنا عرفنا الآن ما بعد صلح الحديبية، خاصية عرفات وأبو مازن و"فتح" في اوسلو. صلح الحديبية هنا المقابل لاتفاق الهدنة في غزة، بعد الحرب الأخيرة التي اعتبرت انتصاراً. فما المشروع الذي تملكونه يا "حماس" بعد أن أرسيتم دولة المدينة إذا كان المشروع المقابل هناك، ما بعد الحديبية في اوسلو هو الإقرار بالدولة الفلسطينية المعترف بها على حدود الرابع من حزيران 1967 بما يشمل الضفة وغزة، يثرب ومكة ومعاً. هذا هو السؤال المفصلي يا "حماس" الذي نقف معكم عنده. ماذا بعد صلح الحديبية وان الجواب عليه هو من يحدد جدارة القيادة. وأقول لكم اليوم إن جدارة القيادة تتحدد الآن بكلمة واحدة الركض مسرعين بأقصى طاقة إلى استعادة الوحدة مع "فتح"، رام الله تماماً كما يقول سوفوكليس في "مأساة أوديب ملكا" إن سعادة الإنسان في أن لا يأتي إلى هذه الدنيا أبداً، ولكن أما وقد حدث ذلك فعليه أن يحث الخطى مسرعاً للعودة للمكان الذي جاء منه. العودة الآن جميعاً إلى المكان الذي جئنا منه إلى حضن البيت الفلسطيني الواحد. لكيما نكون قادرين سوياً على مواجهة لا شقاء الوجود في هذه الدنيا ولكن شقاء الوجود في هذه الدنيا تحت الاحتلال واشتمام روث هذا الاحتلال على حد سواء. وإذا كانت فقط اسرائيل هي التي لها المصلحة الأكبر في إخراج غزة، فصل يثرب عن مكة التي هي القدس والضفة الغربية. وكل عام وأنتم بخير.