خبر : عــن الــتــمــكــيــــن والإعــــــداد ...محمد ياغي

الجمعة 28 ديسمبر 2012 11:08 م / بتوقيت القدس +2GMT
عــن الــتــمــكــيــــن والإعــــــداد ...محمد ياغي



لفت انتباهي ملاحظة كتبها أحد شباب 6 إبريل على صفحة التواصل الاجتماعي الخاصة بهم.. الملاحظة باختصار تقول: إن الإخوان كانوا يدعون دائما لنصرة الإسلام في فلسطين والعراق والشيشان والبوسنة والصومال وسائر الأقطار العربية والإسلامية، وينهون حديثهم بكيل التهم للحكام العرب المرتبطين بالغرب على تقصيرهم في نصرة قضايا الإسلام والمسلمين.. أما اليوم.. فهم يقومون بالدعاء للحكام من منابر المساجد، وعندما يذكرهم أحد ما بقضية فلسطين وقضايا المسلمين التي تنتظر النصرة من الحكام العرب، فإن ردهم يأتي صاعقاً، "هل تريدون تدمير البلد وتوريطها في معارك غير متكافئة؟." لا غرابة إذاً عندما يدير نتنياهو ظهرة للعالم أجمع ويقوم بتكثيف الاستيطان في القدس والضفة.. ومثلما لاحظت 6 إبريل أن فلسطين في عصر "الإسلاميين" قد تكون سبباً في دمار "البلاد والعباد" وبالتالي يجب تجنب الحديث عنها الآن.. لاحظ نتنياهو أن الربيع العربي فرصة مناسبة له ولليمين الإسرائيلي المتطرف المتحالف معه لإنهاء أي حديث عن مستقبلي عن القدس والضفة بتكثيف الإستيطان فيهما.بالنسبة للإسلاميين، إسرائيل ليست "مشكلة كبيرة" وهي من صغائر الأمور.. عندما يسقط نظام "بشار" في سوريه وعندما يستلم الإسلاميون الحكم في الأردن، فإن إسرائيل ستكون محاصرة بطوق من الدول الإسلامية.. وبعدها سيكون من السهل التعامل معها. المهم عدم التسرع وإعطاء النظام الإسلامي في مصر وقته الكافي لترسيخ أقدامه في مؤسسات الدولة، وإعطاء إسلاميي سوريه والأردن الوقت الكافي لاستلام السلطة.. وبعدها لفلسطين حديث آخر.الاستيطان في القدس في نظر الإسلاميين ليس بمشكلة كبيرة لأنه من أعراض وجود إسرائيل.. والصراع مستقبلاً ليس حول "أعراض المرض" ولكن حول أسبابه. بمعنى أوضح.. الصراع في نظر الإسلاميين مستقبلاً هو حول وجود إسرائيل الدولة في المنطقة العربية، وهي مسألة أيديولوجية يمكن القفز عن خوض الجدل فيها بمسميات من نوع "انتظار التمكين" و "الإعداد لهم" وهي مفاهيم تسخر الزمن كعامل لتحقيق الهدف ولا تجعل منه عامل ضاغط على الهدف قد يؤدي الى الدخول في معارك لم يأت أوانها. فلسطين بهذا المعنى تترك للزمن.. أو بكلمات أخرى.. فلسطين تترك للعناية الإلهية. إن استطاع الإسلاميون التمكن والإعداد، توجد فرصة ليس فقط لإنهاء الاحتلال، ولكن لتحرير فلسطين من بحرها لنهرها.. وإن فشلوا.. فهذا قدر الله وما شاء فعل. في لعبة التعامل مع الزمن بلغة "التمكن والإعداد" لا مانع أن تلعب مصر الإسلامية دور الوسيط الذي لعبه نظام مبارك.. ولا مانع من إبقاء معبر رفح مغلقاً مثلما كان أيام مبارك.. ولا مانع أيضاً من التوسط لدى إسرائيل لإصدار تصريح مرور لدخول خالد مشعل غزة.. ولا مانع من الحفاظ على ما تم وراثته من اتفاقات أمنية وسياسية مع إسرائيل.. ولا مانع من التورط في صراع مذهبي في المشرق العربي لتطويق إسرائيل بأهل السنة.. ولا مانع أيضاً من جعل إيران وحكومة العراق أعداء مرحليين للحصول على الدعم الغربي والخليجي.. ولا مانع أيضاً من إلغاء المادة 27 في الدستور التونسي المقترح والتي تجرم الاتصال بإسرائيل والادعاء بأن هذا تم بناء على طلب من "حماس" وهو ما نفاه إسماعيل هنية، رئيس حكومة غزة.وفي لعبة تسخير الزمن من أجل "التمكن والإعداد" لا مانع من حشد عشرات الالآف من المجاهدين الإسلاميين من كل بقاع الأرض لإسقاط نظام "بشار" في سورية دون أن يطلق أحدهم رصاصة واحدة بإتجاه الجولان لأن المعركة هناك مؤجله والتسريع بها لا يخدم لعبة "التمكن والإعداد."إذا كان هدف الإسلاميين هو إنهاء دولة إسرائيل بدلاً من إنهاء الاحتلال، فما هي المشكلة إذاً طالما أن الأولى تؤدي الى الثانية بالضرورة؟ ولماذا لا يتم إعطاؤهم الفرصة الكاملة من قبل خصومهم المحليين طالما أن خصومهم العالميين يريدون لهم أخذ فرصتهم كاملة؟في تقديرنا بأن الأسباب عديدة.. لكن أهمها:أولاً: أن الزمن لا يعمل في اتجاه واحد وفي صالح طرف واحد.. ومثلما يعمل الإسلاميون على التمكن والإعداد.. يعمل الإسرائيليون على الحفاظ على تفوقهم.. وبالنتيجة فإن الإسلاميين يعيدون إنتاج مقولة النظام السوري بشأن التوازن الإستراتيجي.. فلا حرب ولا سلم.. وخلالها لتبقى الضفة والجولان تحت سيطرة الإحتلال.ثانياً: عدم تقديم مسألة إنهاء الاحتلال للأراضي العربية المحتلة بحجة أن المطلوب هو تحرير فلسطين كاملة من بحرها لنهرها يعني أيضاً أن الإسلاميين في نهاية المطاف سيجدون أنفسهم في صراع ليس مع إسرائيل وحدها ولكن مع الغرب عموماً، وفي عصر أسلحة الدمار الشامل فإن الحروب الوجودية هي حروب "نهائية".. هي حروب من نوع إخراج أمم بأكملها من التاريخ.. ولا نعتقد بأن احداً في الشرق الأوسط والعالم جميعه يريد الوصول الى حرب من هذا النوع.ثالثاً: في السعي من أجل التمكين والإعداد سيخوض الإسلاميون حروب طائفية عديدة وهي حروب كارثية على العرب والمسلمين ولا نعرف كيف يمكن التوفيق بين إهدار طاقات الأمة في حروب "الفتنة" التي تؤدي الى تدمير دول بأكملها وبين لغة الإعداد والتمكين وتحرير فلسطين.رابعاً: تمكين الفلسطينيين من دولة خاصة بهم هو مطلب عربي-شعبي، لكنه أيضاً، وبالنسبة للقوى المحلية المعارضة للإسلاميين ليس القضية الأولى التي تشغلهم.. هنالك مشاكل الفقر والتنمية والامية والحريات والعدالة الاجتماعية وهي مطالب عليها خلاف مع الإسلاميين.. وهؤلاء يرون في لعبة تسخير الزمن "للتمكن والإعداد" لعبة ضدهم لأنها تمكن الإسلاميين من مفاصل دولهم دون ان يعني ذلك تحقيق الاهداف التي قامت الثورات من أجلها.البعض يقول هذا عصر الإسلاميين..ليأخذوا فرصتهم كاملة مثلما أخذها غيرهم من قوميين وإشتراكيين.. ونحن نقول.. ليأخذوا فرصتهم كاملة طالما أن التداول على السلطة ممكن بشكل سلمي.. لكن هذا لا يمنعنا ولا يجب أن يمنع غيرنا من توجيه النقد لأفكار الإسلاميين وسلوكهم.