بعد أن كانت الأوساط الفلسطينية قد أعلنت عن زيارة مرتقبة لأمير دولة قطر، الشيخ حمد بن خليفة، لرام الله يوم الجمعة الماضي، بدأت الأوساط ذاتها، تتحدث عن موعد آخر للزيارة، آخر يوم في السنة الحالية، ثم عادت مجددا لتقول بأن الزيارة ستجري في آخر شهر كانون الثاني القادم.من الواضح ان هناك نية للأمير القطري بالزيارة، ولكن سبب التأخير أو عدم تحديد موعد الزيارة بدقة، يبدو أنه ليس له علاقة بالجانبين القطري أو الفلسطيني، ولا حتى بالأردن، التي من المتوقع أن يصل إليها الشيخ حمد، وهو في طريقه لرام الله، ليستقل من عمان إلى رام الله مروحية أردنية، ولكن يبدو أن السبب في عدم قدرة الجانب الفلسطيني على تحديد موعد دقيق للزيارة، له علاقة بالجانب الإسرائيلي . فقد سبق وأن أعلنت إسرائيل بأن وصول الشيخ القطري لرام الله منوط بموافقة الحكومة الإسرائيلية، التي ما زالت هي حكومة احتلال، تتحكم بالمعابر الخارجية لأراضي الدولة الفلسطينية تحت الاحتلال، ويبدو ان حكومة نتنياهو تفضل تأجيل الزيارة الى ما بعد إجراء الانتخابات الإسرائيلية، خلال شهر كانون الثاني القادم، حتى لا تشوش هذه الزيارة على حجم القوة البرلمانية التي يريد نتنياهو ان يحصل عليها، حتى يظل رئيساً للحكومة الإسرائيلية، بشكل مريح، كما كان حاله خلال الحكومة الحالية.ومن الواضح أيضاً أن من شأن تأخير الزيارة، أن يوفر أداة الضغط على الجانب الفلسطيني، قائمة أطول وقت ممكن، ذلك أنه ليس مثالياً أن يزور أمير قطر رام الله، في نفس توقيت مجيء أمين عام جامعة الدول العربية، السيد نبيل العربي، والذي على الأرجح سيقدم تقريراً للرئيس محمود عباس، لا يبشر بخير فيما يتعلق بشبكة الأمان العربية ( والخاصة بتوفير مبلغ المائة مليون دولار ) والتي نصت عليها قمة بغداد في آذار الماضي، أو حتى بعد ايام قليلة من ذلك، خشية ان يضطر أمير قطر لتحمل عبء الالتزام العربي كله، وكانت قطر قد أعلنت التزامها بدفع المستحق عليها، ضمن قرار القمة العربية المشار إليه.كذلك من الواضح، أن السلطة الفلسطينية، بعد حصولها على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة باعتبار فلسطين دولة تحت الاحتلال، وضمن حدود الأراضي المحتلة منذ عام 1967، جاهزة لخوض مفاوضات مباشرة مع الجانب الإسرائيلي، على هذا الأساس، ومن الواضح أن حكومة نتنياهو، ستضطر إلى التفاوض، بعد تشكيلها، أي بعد إجراء انتخابات الكنيست بعد نحو ثلاثة أسابيع، مع الجانب الفلسطيني، لذا فإنه إذا ما كان التفاوض آتياً، فلا بد ان يحضر كل طرف أوراقه ليكون جاهزاً للمفاوضات، وحتى يخوضها من موقع قوة، يمكن أن يفرض بنتيجتها ما يريده او ما يسعى إليه.من هذه الزاوية، يهم حكومة نتنياهو، ان تقول للناخب الإسرائيلي، بأنها ردت على الإنجاز الفلسطيني في الأمم المتحدة، وأنها حشرت السلطة في الزاوية، وهي تقدمها على أنها سلطة عاجزة عن دفع رواتب موظفيها، وانها آيلة للانهيار في أية لحظة، وأن الوضع الفلسطيني الداخلي، في الضفة الغربية، قابل للانفجار في أية لحظة، ضد السلطة وليس ضد إسرائيل. على أن المهم هو ما هو على الجانب الفلسطيني والعربي، فإذا كانت تلك دوافع حكومة نتنياهو من عرقلة زيارة أمير دولة قطر لرام الله، فان غير المفهوم هو " استسلام " الجانبين الفلسطيني والقطري، لهذه الوقاحة الإسرائيلية، حيث لو نحينا جانباً، الجانب التضامني الكامن في الزيارة، والتي جاءت كما أشرنا في مقال سابق، لإحداث حالة توازن مع زيارة الأمير القطري السابقة لغزة، فأنه يمكن للأمير القطري أن يعلن عما يريد تقديمه للجانب الفلسطيني وهو في الدوحة، وليس من داع لانتظار شهر آخر، تعاني خلاله مئات ألوف الأسر الفلسطينية من تبعات تأخر صرف الراتب، وحتى لو لم يكن في نية قطر، تقديم هبة إضافية عن حصتها المقرة في القمة العربية، فإنه يمكنها هي والحكومات العربية اللواتي قمن بالرد على العربي، بالإيجاب، فيما يتعلق بحصتهن من شبكة الأمان، أن يقمن بتحويل تلك الحصص فورا ودون تأخير، حتى تتمكن السلطة من صرف جزء من الراتب، على أقل تقدير !طبعا تتعلل كثير من الدول العربية بأوضاعها الداخلية، وبعضها بمشاكل مختلفة، مع أن المبلغ ( 100 مليون دولار شهرياً) على نحو عشرين دولة عربية، يعتبر فتاتا، لا يساوي شيئاً مقابل ما تدفعه هذه الدول، على أمور تافهة، وعلى مواقف سياسية هنا وهناك، لكن ولأن الأمر، يتعلق بمعركة فلسطين من أجل الحرية والاستقلال، ولأن الأمر هو فعل قومي ضد إسرائيل، فان الكثير من الدول العربية، ستتوارى عن الأنظار، وستفضل الجلوس وراء الكواليس، حتى تنجلي المعركة السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لذا فان زيارة العربي لرام الله، وتأجيل زيارة الشيخ حمد، تؤكدان أن لا شبكة أمان حقيقية للعرب تجاه فلسطين، وان النظام العربي الذي عجز عن تحرير فلسطين طوال أكثر من ستة عقود، سيظل عاجزاً، حتى عن تقديم الدعم الحقيقي لها، ولا يؤكد ذلك فقط أن قرار تشكيل مثل هذه الشبكة متخذ منذ قمة بيروت عام 2002، أي منذ أكثر من عشر سنوات وحسب، ولكن يؤكد ذلك أول اختبار حقيقي لها، والمتمثل باستحقاق فاتورة الراتب الفلسطينية، وفي أول شهر، على سطو الإسرائيليين على أموال الضرائب الفلسطينية، أي ليس بعد مرور عشر سنوات مثلا على دفع العرب لمستحقات شبكة أمانهم، ولكن بعد أول شهر فقط !Rajab22@hotmail.com