عندما تحدثت في مقال سابق عن أن المصالحة ليست أولوية، ظن البعض أنني متشائم حيال وضع يبدو أكثر تفاؤلية، ولكن تحليلي انطلق من حقيقة تكون مصالح قوية لفئات لا تروقها أجواء المصالحة والاتفاق الوطني، لأنها ستفقد جزءاً من امتيازات ومكاسب تتحقق اليوم في ظل الوضع السائد. و في كل يوم يجري على الأرض ما يؤكد قوة أصحاب المصالح الخاصة والفئوية وتفوقهم على من ينظرون للقضية ببعدها الوطني الخالص.بل أن تفاؤلي بذهاب الطرفين "حماس" والسلطة الوطنية نحو تطبيع للعلاقات لم يكن في محله فقد استغلت "حماس" المساحة التي منحت لها في الضفة الغربية لإجراء احتفالاتها بانطلاقتها كيفما تريد، ولكنها في المقابل لم تسمح لـ"فتح" بأن تأخذ الفرصة نفسها في قطاع غزة لأسباب غير واقعية تنم بالأساس عن قصر نظر.ما يحكم "حماس" في القرار تجاه مكان الاحتفالات بانطلاقة "فتح" هو الرغبة في عدم ظهور حشود جماهيرية تصل إلى مستوى ما حشدته "حماس" خلال احتفالها الذي حضره رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل، مع أن "حماس" لم تكن وحدها، بل شاركتها كل الفصائل بقوة وحشود كبيرة سادها جو انفعالي بالانتصار الذي تحقق على اسرائيل في المعركة الأخيرة، وهو انتصار لم تسجله "حماس" وحدها، فجميع الناس في القطاع يعلمون أن حركة"الجهاد الإسلامي" كان لها الدور الأكبر في هذه المعركة التي شاركت فيها كل الفصائل. وهذا تقدير خاطئ من "حماس" لربط الحشود بالموقع. فلو جرت الاحتفالات في أي مكان في القطاع، ربما باستثناء الموقع السابق لمستوطنة"نتساريم" التي لا توجد بها بنية تحتية مناسبة للاحتفال، ستكون الحشود كبيرة أكثر مما تتوقع حركة"حماس" ارتباطاً بالمكان لأسباب عديدة أهمها أن هذه انطلاقة "فتح" التي لها تأييد وجماهير كبيرة في الشارع أكثر من تأييد الناس لبعض قياداتها، وثانية لأنها اطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة التي اعلنت المقاومة المسلحة طريقاً لتحرير الوطن في ظل أجواء العجز العربي، وحققت للشعب الفلسطيني انجازات رائعة بدأت بتثبيت الهوية الوطنية والحصول على الاعتراف الدولي بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وبممثله الشرعي والوحيد منظمة التحرير الفلسطينية ،وانتهاءاً باعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بدولة فلسطين. ورمزية الإنطلاقة هذه تجعل من احيائها في أول ايام العام الجديد مناسبة مهمة جداً لكل أبناء الشعب الفلسطيني. عدا عن ذلك هناك رغبة دفينة لدي جماهير قطاع غزة في تكريس حرية التعبير عن الرأي بما فيها حرية التنظيم والتظاهر، وبالتالي تشكل الإنطلاقة مناسبة لتأكيد هذا الحق الذي صادرته "حماس" منذ استيلائها على السلطة في غزة.وعليه اينما يجري الاحتفال سيكون الحشد كبيراً والمنظر رائعاً وهذا ما يقلق "حماس" في أنها لن تستطيع الادعاء بأنها تملك الأغلبية في قطاع غزة، خاصة بعد الدعاية الكبيرة التي رافقت احتفالاتها بوجود مشعل في غزة.وهذا مرة أخرى يظهر أن "حماس" لم تفارق بعد مربع الانقسام والرغبة الأكيدة في الاحتفاظ بسيطرتها على قطاع غزة الذي لا تقبل فيه الشراكة مع أحد، على الرغم من كل الأحاديث عن المصالحة والخطابات الرنانة والتصريحات التي تعطي الأمل لدى الناس بأن الموضوع قاب قوسين وأدنى من التحقيق وفقط نحن ننتظر الأشقاء في مصر أن يتفرغوا لنا قليلاً لانهم الآن منشغلون في همومهم الداخلية، وهم الوحيدون الذين يمكن أن يدفعوا عجلة المصالحة.وهذا طبعاً لا يعبر عن كل الحقيقة، بل أنه لا توجد رغبة في الانتقال إلى مربع الوحدة الوطنية والشراكة السياسية الحقيقية القائمة على ما تفرزه صناديق الاقتراع.والغريب في تناول موضوع المصالحة أن البعض يهتم بما يجري في مصر الشقيقة ويعبر عن موقف بدعم الرئيس محمد مرسي في اقرار الدستور دون التفكير بوضعنا الحالي وأين نحن من الديمقراطية من الأصل. وهل أننا نؤيد حق الشعب المصري في تقرير أي دستور يرغب فيه بينما لا يحق للشعب الفلسطيني أن يقرر لنفسه أي نظام يرغب في يسود ويحكم لديه ونحن الممزقون والمنقسمون على بعضناً وعلى مشروعنا الوطني. إنها أم المفارقات أن تهتم بما يجري حولك وتؤيد الشعوب في حصولها على حرية الاختيار وتحرم شعبك من هذه الحرية وتظل تتغني بالديمقراطية الحرية وأنت تقمع حق فصيل وشعب في الاحتفال بذكرى وطنية عزيزة عليه وتصادر حريته الأساسية. ما يدور من جدل حول احياء انطلاقة حركة "فتح" هو تعبير عن الأجواء السياسية القائمة لدى قيادات "حماس" في نظرتها لمسألة المصالحة برمتها ، ومن يتوقع أن يتقدم ملف المصالحة ونحن نتجادل أن يقام الاحتفال بالانطلاقة، وكيف لا يؤثر ذلك على صورة الأمس يكون واهماً، فهذا محك للعقلية الموقف من الملف بكل تفاصيله. نحن لا نزال في نفس المشهد الذي حصل بعد الانقلاب : هناك سلطتان وكيانان لا يتوحدان بسبب مصالح محكومة بعقليات متشنجة . ولكن الذي لا يلاحظه هؤلاء الذين يحاربون بكل كا أوتوا من قوة فكرة المصالحة والوحدة هو أن أحداً لا يستطيع قسمة الشعب الفلسطيني، فهو شعب واحد حافظ على كيانيته حتى عندما كان القطاع والضفة معزولين بجغرافية سياسية فرضت عليهما في أعقاب النكبة واستمرا كذلك لمدة تناهز العقدين من الزمن. ومن لا يتعلم من التجربة والتاريخ الفلسطيني سيصحو يوما وهو ملقى على قارعة الطريق بعد أن تنبذه الجماهير. وعلى الرغم من هذه الصورة السوداوية لملف المصالحة ما تزال الفرصة سانحة للتخلص من هذا الانقسام المقيت ووضع عربة القضية الوطنية على مسارها الصحيح ومواجهة الخطر الاستيطاني والمشروع الذي تنفذه اسرائيل على الاراضي الفلسطينية، فالوحدة هي أهم عناصر القوة في مواجهة هذا المشروع التدميري.