خبر : عمر النابلسي: سلّم على أبي! ..بقلم: توفيق وصفي

الأربعاء 11 أبريل 2012 11:51 ص / بتوقيت القدس +2GMT
عمر النابلسي: سلّم على أبي!  ..بقلم: توفيق وصفي



عمَّ الحزنُ دارَنا، بعد أن فُجعنا بالرحيل المفاجئ لصديق العائلة وابنها المعنوي عمر النابلسي "أبو محمد"، الذي لم يكد يتقلد منصب "قنصل عام دولة فلسطين" في بنغازي حتى وافته المنية، بعد أن عمل في القنصلية نحو عقدين من الزمان، في خدمة آلاف من أبناء الجالية الفلسطينية المقيمين في مدن شرق ليبيا. كُنتُ أسبقَ من كثيرين من أبناء الجالية إلى النبأ الذي أوردَتْه مشكورة وكالة وفا صباح الإثنين الماضي، وشكرني عدد منهم وأنا أعزيهم من غزة بقنصلهم الجديد الشهيد لتنبيههم كي يُسارعوا إلى حضور دفنه.. أما ابنه الشاب محمد فقد تذكرني عندما هاتفته، منوها إلى أن أباه رحمه الله كان لا يكف عن الحديث عن علاقته بأفراد أسرتنا كافة، باعتبار أن الخير والمودة بيننا أقوى من عرى قرابة الدم، وأن المشتَرَك بيننا أننا نحب فلسطين بإخلاص تام، وأن علينا أن نخدم قضيتها وشعبها من دون مَِنّة ولا تباهي. لم يكن مبعثُ الحزن الشديد لكثيرين من فلسطينيي بنغازي على النابلسي أنه كان رجلا محترما بالمعايير الأخلاقية والوطنية وحسب، ولا لأنه أصبح قنصلا جديدا يتمنون أن يروا أفعاله لصالحهم فقط.. حزنوا وبكوا، ليس فقط أهله وأصحابه، بل من عرفوه مذ كان شابا يافعا يتوقد وطنية وحماسة وجرأة في القول والفعل، فقد كان أساتذة له في الجنازة وجيران وطلبة وعمال، جاؤوا ليودعوا عمر الذي اعتبروه على الدوام ابنهم وأخاهم وصديقهم ومغيثهم عند الكرب، الحاضر في السراء والضراء، كواجبٍ ومحبة لأبناء شعبه. وكان في تشييع النابلسي ليبيون، ليس أخواله فقط، بل مواطنون ومسؤولون، عرفوه نحو ستة عقود وطنيا فلسطينيا، عندما كان فتى في المدرسة، وحين ذهب إلى لبنان مقاتلا ومدافعا عن الثورة الفلسطينية، ثم حين عاد وعمل في قنصلية فلسطين في بنغازي، كرجل نظيف اليد واللسان، مخلص لواجبه السياسي والدبلوماسي، يعشق بلاده ويحب بلاد أمه. أَعجَزُ عن وصف شعوري بفقدان هذا الرجل، أحببته كرفيقَ سفرٍ أكثر من صديق عادي، ربما لأن أطول اقتراب بيننا كان في رحلة سفر، إما إلى مدينة البيضاء أو إلى السلوم، أو في "مشاوير" شبه يومية في مدينة بنغازي ومحيطها، سعيا إلى تنفيذ مهماته القنصلية والدبلوماسية كنائب للقنصل.. كنا لا نكف عن الحديث عن كل شيء، لقتل الوقت وإبقائه منتبها للطريق، وكانت القضية محور أحاديثنا لأنها كانت كل شئ، ثم تقارَبنا أكثر كلما بحنا بأوجاعنا بسبب أحوالنا، خاصة عند التطرق إلى الفرق بين رجال الأمس العظام ورجال اليوم الهلاميين. تبادَلَت أمي و"أم محمد" النحيب والترحم على الغائب العزيز، تبادلتا الإعراب عن معزة كل طرف للآخر، والتأكيد على أننا سنظل أهلا، وأن لكل عائلة منزلين، واحد في غزة والآخر في بنغازي، وكأنهما تمهران بدموع الحزن على فقيدهما عقد استمرار المودة، التي بناها الرجال الذين جمعتهم في الدنيا قضية. أخي "أبا محمد"، سلّم لي على أبي، ستجده في انتظارك، قُل له بأسلوبك المؤدب "حدث الأسوأ، بعد رحيله، لم يأت الخلاص بعد، ونحن صابرون"، ولا تنس السلام على الآخرين من أصحابنا المحترمين، رحمهم ورحمك الله.