خبر : إيران وإسرائيل: حرب كلامية ...بقلم: رجب أبو سرية

الجمعة 11 نوفمبر 2011 11:16 ص / بتوقيت القدس +2GMT
إيران وإسرائيل: حرب كلامية  ...بقلم: رجب أبو سرية



اعتادت كل من إسرائيل وإيران، ومنذ عدة سنوات مضت، على مثل هذه الحرب الكلامية، التي تدور رحاها بينهما هذه الأيام، دون أن يعني التهديد من جانب إسرائيل بتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، أنها ستقدم على التنفيذ، فيما التهديد وفي أكثر من مناسبة من قبل المسؤولين الإيرانيين بمحو إسرائيل عن الخارطة، أن الدولة الفارسية ستفعل هذا الأمر، لا من قريب ولا من بعيد. فإسرائيل التي تعتبر عدوها الحقيقي هو العالم العربي، كانت تسارع وعلى عجل لضرب أية محاولة عربية لامتلاك الطاقة النووية، وهي في المهد، دون أن تعلن عن ذلك، حتى بعد تنفيذ الضربة، وقد حدث هذا في مناسبتين على الأقل، في كل من مفاعل تموز العراقي في أوائل الثمانينيات، وما قيل إنه محاولة بدائية، لإقامة موقع لإنتاج الطاقة النووية قرب دير الزور السورية، قبل بضع سنوات، إسرائيل تعرف قبل كل شيء، أن عملية عسكرية ضد إيران ولأسباب سياسية وعسكرية، ليست أمراً منوطاً بها، وهي في أبعد التقديرات، تقوم بدور المحرض لأميركا والغرب للقيام بمثل هذه الضربة، فيما هي ستقبع وراء الكواليس، أو تقوم بدور الداعم اللوجستي للقوات الغربية. وإيران التي وفي أكثر من مناسبة، هددت إسرائيل بمحوها من الوجود، لم تشارك ولا في أي حرب كانت إسرائيل فيها طرفاً، في المنطقة، وعلى مدى ثلاثين سنة، منذ غزو إسرائيل للبنان عام 1982، وليس انتهاء بالحرب على غزة نهاية عام 2008 / مطلع عام 2009، ومروراً بالحرب على لبنان عام 2006، كما أنها، حتى لم تتدخل في الحرب الأميركية على العراق، ومن ثم احتلاله. لاشك أن الملف النووي الإيراني يشكل معضلة للغرب، لذا فالعالم يتابع تطورات هذا الملف منذ سنوات، ويعالجه بطرق سياسية مختلفة، بهدف إحباط أبعاده العسكرية، لذا فبين التحريض الإسرائيلي على معالجة هذا الملف عسكرياً وضمان وضع حد نهائي وفوري له وبين المعالجة السياسية التي يقودها الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة، تبدو حدود التشابك والافتراق بين المواقف الدولية وإسرائيل. أما لماذا أثيرت كل هذه الضجة هذه الأيام، فأن الأمر بنظرنا منوط بسببين: أولهما: أن الغرب ومن ضمنه إسرائيل كان قد اكتفى خلال نحو عام مضى، بما حققته أجهزة الاستخبارات الغربية من ضرر وتعطيل لحق ببرنامج إيران النووي، حين تم توجيه ضربة الكترونية، تمثلت في اختراق شبكة الحاسوب التي تحيط بنظام إيران النووي، وثانيهما: هو مناسبة الاقتراب من إصدار الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقريرها، حول البرنامج الإيراني، حيث أشارت التسريبات إلى أن التقرير يكشف عن أبعاد عسكرية لهذا البرنامج، وبالتالي فإن محاولة إسرائيل خلق هذه الأجواء المتوترة، تهدف إلى دفع الدول الغربية، إلى اتخاذ أشد القرارات وأقواها لعرقلة البرنامج الإيراني. وفي الحقيقة تكاد كل من تل أبيب وطهران تتوافقان، في محاولة كل منهما للبحث عن مخرج للأزمة السياسية التي تحيط بكل منهما، فإسرائيل تواجه عزلة إقليمية سياسية، وكونية دبلوماسية متزايدة، بفعل المتابعة الفلسطينية لملف عضوية فلسطين في الأمم المتحدة، ومن قبل بسبب إغلاق إسرائيل لنافذة الفرص أمام إطلاق العملية السياسية، أما إيران فهي ليست أفضل حالاً، فعلى عكس ما كانت تتوقع، جاءت الثورات العربية، لتطلق من إمكانية أن تصبح الدول العربية أكثر مناعة ضد طموحاتها التوسعية في المنطقة، ذلك أن وصول "الإسلاميين" للحكم في الدول التي تلفظ أنظمة حكم الفرد، سيبعد هذه الدول عن إيران ولن يلقي بها في أحضانها، بل وسيطلق قوة إسلامية سنية، معتدلة تقدم نموذجاً مختلفاً تماماً عن النموذج الإيراني، فضلاً عن أنه لن يكون تابعاً له، ولعل صورة المشهد الآن تشير بوضوح إلى ذلك، حيث تكاد الأصابع الإيرانية التي كانت قد توغلت في المنطقة العربية ورافقتها حالة من التشيع السياسي أولاً ومن ثم الطائفي ثانياً، تتراجع، بل وتتلاشى، وبات الوجود الإيراني مقتصراً على سورية ـ التي يعاني فيها نظامها الحليف من مخاطر جدية بالزوال، وحزب الله. وحتى غزة، بدأت في الخروج من الجيب الإيراني، ومصر ذاهبة إلى أن تكون دولة على الطريقة التركية، التي بدأت تشكل قطباً منافساً لإيران في المنطقة . إطلاق حرب الصواريخ الكلامية بين إسرائيل وإيران إذاً يخدم في هذه اللحظة كلاً من نتنياهو ونجاد، اللذين يواجهان مشاكل سياسية في الجوار وحتى في داخل البيت، وبالمعنى الاستراتيجي فإن إيران، التي لا تتمتع بعلاقات جيدة مع الدول العربية، وهي باستثناء سورية تكاد لا ترتبط بعلاقة جيدة مع بلد عربي، تمثل ذخراً لإسرائيل، من حيث إنهما تكنان مشاعر لا تتميز بالود تجاه العرب عموماً، كما أن طبيعة النظام الإيراني الدينية والطائفية تعزز من وجاهة المطالبة الإسرائيلية بيهودية الدولة، وتفيد التهديدات الإيرانية الكلامية المتواصلة إسرائيل بتلقي الدعم السياسي والعسكري اللامحدود من الغرب عموماً ومن الولايات المتحدة خصوصاً. وفي التفاصيل يتساءل المرء، حول كل هذه الضجة التي تحدث، حتى في حال امتلاك إيران للقنبلة الذرية، التي ستكون صغيرة ومحدودة التأثير مقابل ما تمتلكه إسرائيل من قنابل نووية، لم تعد سراً مخفياً على أحد، فإيران التي تهدد بسذاجة إسرائيل بمحوها من الوجود، استناداً إلى قوتها الصاروخية، وحتى لوجود حلفائها في المنطقة ـ حزب الله وسورية ـ يمكن إدراك مدى سذاجته بسهولة، أولاً أن إسرائيل طالما خاضت حروباً متعددة الجبهات، أعوام 48، 67، 73، وكانت أطرافها مصر وسورية والأردن، مع دعم حتى عسكري عربي. فتح جبهات سورية، المنشغلة بالصراع الداخلي وحزب الله وحتى غزة، سيكون أقل تأثيراً مما كانت عليه تلك الجبهات في المناسبات السابقة، وحتى لو صدقت التسريبات الإيرانية، والتي من الواضح أن هدفها هو الردع، بحصولها عام 2005 على صواريخ بالستية تحمل مواد نووية من السوق السوداء في أوكرانيا وعدة قنابل نووية من بيلاروسيا، لا يقارن بقوة إسرائيل النووية، حتى لو كان الحديث يدور عن كون إيران تمثل 80 ضعفاً من مساحة إسرائيل، فتدمير قوة العدو لا يعني حرق الصحراء، بل مراكز قوته العسكرية والاقتصادية ومواقعه السياسية السيادية. كما أن حرباً أطول من خاطفة، ستدفع القوى الدولية للتدخل، وهذا ما أشار له الرئيس الروسي، فما بالنا لو أن الأمر وصل إلى حد إطلاق قنابل نووية! هي حرب كلامية مفتعلة لتحقيق أهداف سياسية، تعزز من الحضور الإقليمي لكلتا الدولتين، ومحاولة لإعادة خلط الأوراق في ظل الربيع العربي، وفي كل الأحوال، على العرب جميعاً ودونما استثناء أن يحذروا من تتبع مقولة "عدو عدوي صديقي"، ذلك أن كل الدلائل وعلى مدار أكثر من ثلاثين سنة مضت على حكم الملالي في إيران تشير إلى أن العداء بين الدولتين لم يتجاوز حدود كونه تشدقاً كلامياً، يتم اللجوء إليه بين فينة وأخرى لتحقيق مكاسب سياسية، يتطلع إليها كل طرف.