هآرتس تتساءل: هل تدل التصريحات “المتغطرسة” ضد إيران على فقدان السيطرة الإسرائيلية؟

الأربعاء 05 يناير 2022 03:38 م / بتوقيت القدس +2GMT
هآرتس تتساءل: هل تدل التصريحات “المتغطرسة” ضد إيران على فقدان السيطرة الإسرائيلية؟



القدس المحتلة / سما /

هآرتس - بقلم: أبراهام سيلع وأورن براك                 "يبدو أن زعماء إسرائيل، السياسيين والأمنيين، قالوا كل شيء عما يمكن أن يحدث إذا ما فشلت المحادثات النووية التي تجري بين إيران والدول العظمى في فيينا. على سبيل المثال، أعلن رئيس الموساد الجديد، دافيد برنياع، بأنه لن يكون “لإيران سلاح نووي يوماً ما”، ولو اقتصر تعهده بفترة ولايته لكان هذا جيداً، لكن تصريحه الكاسح يدل على فقدان العلاقة بحدود مسؤوليته. وهذا رئيس الأركان، أفيف كوخافي، قال إن “الحسم لا يتحقق إلا بالوسائل الهجومية” وإن “الجيش يدعم الهجوم بصورة بارزة ودائمة، خاصة في السنة الأخيرة، تجاه إيران”، وبهذا تجاوز ولايته.

إن التصريحات المتغطرسة –للأسف، هذه الكلمة المناسبة لوصف ذلك- التي تتفوه بها قيادة إسرائيل تسمع لشخصيات أمنية مثل رئيس الموساد ورئيس الأركان، وتسمع أيضاً من رئيس الحكومة نفتالي بينيت ووزير الدفاع بني غانتس، اللذين أطلقا أيضاً تصريحات هجومية حول القضية الإيرانية. وأكثر مما تبثه هذه التصريحات من وعود عملية مدروسة، تدل على وضع فقدان السيطرة على إحدى الأدوات الأكثر أهمية في إدارة سليمة للعلاقات الخارجية إزاء تهديدات على الأمن العالمي: لا يجب التهديد بعملية عسكرية احتمالية يعد خروجها إلى حيز التنفيذ متدنياً، لأسباب كثيرة ومهمة.

بدون الانشغال بمسألة ما إذا كان في نية إيران تطوير قدرة عسكرية نووية أو الوصول إلى حافة نووية، يبدو أن سياستها في هذه القضية ضبابية مثل دول أخرى ومنها إسرائيل، ونعتقد أن الانشغال الحالي لزعماء إسرائيل، على المستوى السياسي والأمني، بالخيار العسكري حصراً ضد المنشآت النووية الإيرانية، يشوبه العمى، وذلك لعدة أسباب:

أولاً، لو كان الهجوم على المنشآت الإيرانية ممكناً من ناحية تقنية، فإن نجاحه في منع إيران من تطوير سلاح نووي سيكون مؤقتاً على أكثر تقدير؛ أي أن إسرائيل ستقف مرة أخرى خلال سنة أو سنتين أمام مشكلة مشابهة، وسيتم طرح سؤال ما العمل مرة أخرى. ويمكن الافتراض أيضاً بأن إيران لن تجلس مكتوفة الأيدي بعد هذا الهجوم، ويمكنها تحسين الدفاع عن منشآتها، إضافة إلى دافع مبرر من ناحيتها للقيام بعملية انتقام مؤلمة في إسرائيل.

ثانياً، على المدى الآني، فمن المتوقع أن يؤدي أي هجوم إسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية إلى وابل لا ينقطع من القذائف والصواريخ من لبنان، ومن المرجح أيضاً أن تأتي من قطاع غزة ضد الجبهة الداخلية الإسرائيلية غير المستعدة تماماً. ومثلما أشار خبراء، قد يؤدي هذا الهجوم إلى خسائر في الأرواح وتدمير البنى التحتية الحيوية بحجم غير مسبوق في تاريخ الدولة.

ثالثاً، لا يجب المقارنة بين نجاح إسرائيل في تدمير المفاعلات النووية في العراق عام 1981 وفي سوريا عام 2008، وبين القدرة على المس بصورة كبيرة بالمنشآت النووية الإيرانية اليوم. أثناء قصف المفاعل النووي، كان العراق يدير حرباً دموية مع إيران التي لم تكن نهايتها تلوح في الأفق. وتم تنفيذ قصف المفاعل في سوريا في الوقت الذي كانت تُعدّ فيه هذه الدولة عدوة من قبل إدارة الرئيس بوش الابن، وكان الوجود العسكري للولايات المتحدة في العراق قد شكل في حينه تهديداً كبيراً على نظام الأسد، وهذه حقيقة قلصت خطر رد انتقامي سوري ضد إسرائيل بشكل كبير.

رابعاً، خلافاً للعراق وسوريا، فإن إيران أمة ذات ماض إمبريالي ووعي متطور لقومية فخورة، التي أضيف إليها فيما بعد، منذ الثورة الشيعية للخميني في 1979، التعصب الديني الممثل بالنظام، الذي أثبت استقراراً وحيوية رغم موجات الانتقاد والاحتجاج الشعبية. لذا، فقدراتها واضحة في تطوير قدرة تكنولوجية مستقلة ومثيرة للانطباع، بما في ذلك في المجال النووي، وقوة عسكرية حديثة. وهذه القوة العسكرية يدعمها لاعبون خارجيون، مثل: المليشيات الشيعية في العراق، و”حزب الله” في لبنان، وحماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة، وجميعهم مسلحون ومستعدون للعمل ضد كل هدف داخل إسرائيل إذا تمت مهاجمة حليفتهم.

خامساً، خلافاً لسوريا والعراق، تمتد إيران على مساحة كبيرة جداً (1.6 مليون كيلومتر مربع، ضعف مساحة تركيا وأربعة أضعاف مساحة ألمانيا)، وعدد سكانها أكثر من 85 مليون نسمة. أفضلية الحجم الكبير تمنحها قدرة احتمال تزيد بدرجة كبيرة عن إسرائيل التي تصغرها بكثير، بل ومحاطة أيضاً بمنظمات غير حكومية مسلحة، جزء منها حلفاء لإيران، وجزء ينفذ رغباتها، وجميعهم جرى تسليحهم، استعداداً لهجوم إسرائيلي محتمل على إيران.

وهذه بيانات نضيف إليها عاملاً آخر، وهي الدروس التي استخلصتها إيران من عمليات إسرائيل ضد المشروع النووي في العراق وسوريا، ومن سلوك إسرائيل نفسها في القضية النووية. فمن جهة، توزيع المنشآت النووية في عدد من المواقع البعيدة عن بعضها، وإدخالها عميقاً في الأرض، وبناء دفاع مضاد للطائرات حولها لتقليص أي ضرر سيلحق بها في حالة قصفها من قبل إسرائيل أو حتى الولايات المتحدة. ومن جهة أخرى، اتباع سياسة ضبابية في المسألة النووية، التي تهدف إلى صد الضغط الخارجي والداخلي.

وإذا لم يكن كل ذلك بكاف، فيبدو أن دعم المجتمع الدولي لعملية عسكرية ضد إيران (من قبل الولايات المتحدة، أو إسرائيل وحدها) إذا ما فشلت المحادثات النووية، مشكوك فيه، خصوصاً عندما يدور الحديث عن عملية إسرائيلية. تصريحات شخصيات رفيعة في الإدارة الأمريكية في الأشهر الأخيرة تبث التزاماً ضبابياً بأسلوب عمل كهذا، كما تبث عدم تحمس لذلك حتى في حالة عدم التوصل إلى اتفاق مرضي في الموضوع النووي. ويكون الشك أكبر عندما يدور الحديث عن الاتحاد الأوروبي، ولا نريد التحدث عن معارضة روسيا والصين المطلقة، من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، لكل عملية عسكرية.

القيود الاستراتيجية إزاء عملية عسكرية إسرائيلية منفردة ضد المنشآت النووية الإيرانية من جهة، وإدراك كثيرين في جهاز الأمن الإسرائيلي بأن إيران لا تشكل تهديداً وجودياً على إسرائيل من جهة أخرى، تضع علامات استفهام على استمرار التمسك بسياسة المعارضة لتطوير قدرات نووية في دول أخرى في المنطقة (ما يسمى “عقيدة بيغن”)، لأن المشروع النووي الإيراني يضع أمام إسرائيل تحديات مختلفة كلياً عن التي وضعها كل من العراق وسوريا.

نعم، لإسرائيل مصلحة استراتيجية في ألا يكون لدى إيران سلاح نووي في المستقبل المنظور، وبناء عليه يجب على زعماء الدولة القيام بكل نشاط سياسي ودبلوماسي لمنع أو على الأقل تأخير تطوير هذا الخيار. ولكن مع كل خطورة تهديد إيران، وحسب رأينا، فهذا تهديد موجود رغم أنه ليس تهديداً وجودياً، يجب التعامل معه بضبط نفس ومن خلال إبداء واقعية سياسية. مقاربة “العنف” التي تبنتها حكومات إسرائيل تجاه التهديد النووي الإيراني، خاصة في عهد بنيامين نتنياهو، وبدرجة كبيرة أيضاً في أوساط من جاءوا بعده، غير مجدية لهذا الأمر، وهي تزيد من حاجة زعماء إيران للتمترس في مواقفهم والاستعداد، دفاعياً وهجومياً على حد سواء، لتهديدات إسرائيل العلنية بقصف المنشآت النووية الإيرانية.

يمكن الإضافة بأن القدرة النووية المنسوبة لإسرائيل “من قبل مصادر أجنبية” تلزم قادتها باتباع أسلوب حذر عندما يريدون منع دول أخرى في العالم من تطوير قدرة مشابهة. على سبيل المثال، في المحادثات متعددة الأطراف التي جرت في النصف الأول من سنوات التسعينيات بين إسرائيل ومصر، طالبت مصر إسرائيل بالتوقيع على ميثاق لمنع انتشار السلاح النووي، وفتح المفاعل النووي في ديمونة للرقابة الدولية.

وهي طلبات أدت إلى وقف المفاوضات. وهكذا، فإن الرد التلقائي لدول المنطقة على المعارضة القاطعة لإسرائيل لتطوير قدرات نووية عسكرية من قبل دول أخرى هو المطالبة بأن تسهم بنصيبها في ذلك عن طريق تفكيك القدرات المنسوبة لها في هذا المجال.

للإجمال، حان وقت استيعاب الدرس، غير المريح ولكن المطلوب، بأن إذا أرادت إيران تطوير قدرة نووية عسكرية، فعندها ليس هناك قوة في العالم تمنعها من ذلك. يمكن الافتراض بأن ما تمكنت دول أخرى من القيام به، مثل الهند وباكستان، ستتمكن به إيران أيضاً، خصوصاً إزاء قدراتها العلمية والاقتصادية، وربما بفضل تصميم نظامها على ردع كل من يأملون انهيارها.

في هذا الشأن، يمكن لإيران أن تتعلم الدرس من كوريا الشمالية، التي أثبتت قدرتها على تفجير منشأة نووية فتوقفت الولايات المتحدة عن تهديد وجود نظامها، ومن حالة العراق أيضاً الذي احتلته الولايات المتحدة وأسقطت نظامه بسبب غياب أي قدرة نووية. أما ما يخصنا نحن الإسرائيليين، فإن العبرة التي هي اليوم ملك للولايات المتحدة، يجب أن توضح بأن الحوار الذي يرتكز على العصا دون الجزرة قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة في نهاية المطاف.

اعلان عائم