لقاء الرجوب العاروري ..د. عبد الستار قاسم

السبت 04 يوليو 2020 03:11 م / بتوقيت القدس +2GMT
لقاء الرجوب العاروري ..د. عبد الستار قاسم


استمعت جيدا للمؤتمر الصحفي المشترك بين جبريل الرجوب عن حركة فتح وصالح العاروري عن حركة حماس.كنت أنتظر الإعلان عن مقترح استراتيجية فلسطينية لمواجهة الاحتلال الصهيوني واعتداءاته المستمرة على الشعب الفلسطيني. كنت أظن أن القياديين في الحركتين المتخاصمتين سيتحدثان عن ميثاق وطني فلسطيني جديد. وظننت أنهما سيطلبان اقتراحات من الجمهور الفلسطيني عموما، ومن الخبراء خاصة حول شكل الاستراتيجية الجديدة، وأركانها وأسسها ومصادر استمرارها وكيفية متابعة بنودها المختلفة، والمكان المناسب لهذه المتابعة والإصرار على تحقيق أهدافها، الخ. وتوقعت أن يطلب الطرفان من الجمهور عموما والمختصين خصوصا مسودات لميثاق وطني فلسطيني يتم طرحه على جمهور الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج وعلى الفصائل الفلسطينية لكي تتحقق أكبر نسبة من التأييد لمسودة يمكن أن تكون الأكثر قبولا جماهيريا من مسودات أخرى.
وربما هناك من توقع من الطرفين طرح برامج عملية يمكن تبنيها جماهيريا نحو مواجهة الاعتداءات الصهيونية. وآخرون انتظروا إعادة برمجة النشاطات الفلسطينية بحيث تتبنى نظرية الاعتماد على الذات ومتطلبات تطبيقها، وإعادة بناء المنظومة الأخلاقية الوطنية الفلسطينية بحيث تكون نبراسا للفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم. وكلن من المفروض أن يشرح الطرفان معنى المقاومة الشعبية السلمية، والإسهاب بمتطلباتها، لكي يعي الجمهور التضحيات المطلوبة.
أسهب الطرفان بشرح عدوانية الصهاينة واستمرارهم في الاعتداء على الشعب الفلسطيني على كافة المستويات. وهذا شرح لم يكن له ضرورة لأن الناس يعيشون الاحتلال منذ عام 1948، والأطفال يعون همجية الصهاينة ووحشيتهم وقذارة أعمالهم.
انشغل الطرفان بالمجاملات التي اعتدنا عليها من الفصائل الفلسطينية. تتدهور أحوال الشعب الفلسطيني، وتصبح الظروف ملحة لإيجاد حلول ووضع برامج عملية ليلتف الناس حولها ويحملونها إلى التنفيذ، والفصائل تتلهى بمقولات الأخوة والوئام والتقدير لجهود كل واحدة منها، وكأنه لا توجد قضايا ملحة تتطلب جهودا وتضحيات. فصائلنا تنتقل فجأة من مربع الخصومة والعداء والاتهامات المتبادلة إلى مربع التبجيل والبكاء على الوحدة الوطنية والمصير المشترك. وبذلك تضيع القضايا في زحمة القبل المتبادلة والثناء على تضحيات الطرف الآخر. وعندها نتذكر القادة الذين ذهبوا ونأخذ بعدّهم إرضاء للفصائل التي تنتظر ذكر اسم قائدها. ومن ثم ينتهي اللقاء دون حل للمشاكل والهموم الفلسطينية، لتعود الفصائل بعد شهر أو شهرين إلى سابق عهدها في علاقات الاتهامات المتبادلة.
جميل بأن يتبادل الناس عبارات المجاملة والاعتراف بإنجازات الأطراف الأخرى والثناء على رصيدها من التضحيات والمثابرة في مواجهة الاحتلال، لكن ذلك يجب ألا يكون على حساب الجوهر.
نجن كشعب فلسطيني لاقينا الكوارث على مدى أكثر من سبعين عاما، ولاقينا الصعب والمر الشديد على مدى الاحتلال الذي وقعنا تحته عام 1967، والآن نحن متورطون بتداعيات اتفاق أوسلو وتبعاته من النواحي الأمنية والعسكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ومختلف دروب النشاطات الحياتية ونحن بحاجة لحلول للخروج من مآزقنا وهمومنا القاسية سواء في الضفة الغربية أو غزة، ولسنا بحاجة لمجاملات وعبارات الثناء.
الشعوب الحية تضع الهموم والمآزق أمامها ليس فقط لإيجاد الحلول والمخارج، لكن أيضا لمحاسبة كل من اقترف خطيئة أو جرما بحق الشعب. وعلى هذا فإن أعظم ما تعرض له الشعب الفلسطيني هو عدم وجود آليات لمحاسبة كل من يخرج عن المواثيق والقرارات الفلسطينية والقوانين المنصوص عليها. كان المجرم والمقصر محميا باستمرار لأنه كان يعي أنه لن يخضع للمساءلة والمحاسبة، وربما يبقى زعيما مبجلا وذنبه مغفورا له. وهنا تبرز مسؤولية الفصائل في استنهاض الشعب الفلسطيني ليكون مستعدا دائما للدفاع عن نفسه وعن قوانينه ومواثيقه وقراراته. يجب ألا تضيع القضية الفلسطينية بين أقدام الإطراء المتبادل غير المبرر. ولا بد أن نقول للفصائل إن الخصومة أو المنافسة التي تنتهي في لقاء أخوي لا تحل مشاكل، فنحن يجب ألا ندير ظهورنا للمشاكل ونترك الناس في غفلة من أمرهم..
اللقاءات ضرورية ويجب أن تتكثف، لكنها يجب أن تكون وفق برامج عمل محددة وليس على حساب المضمون.
كاتب واكاديمي فلسطيني