أوسلو والضم، أم الحرب الدينية.. بقلم: طارق موقدي

الخميس 28 مايو 2020 04:25 م / بتوقيت القدس +2GMT
 أوسلو والضم، أم الحرب الدينية.. بقلم: طارق موقدي


غزة / سما /

لم أبكِ يوما بحرقة وألم، أكثر من ذلك اليوم المشؤوم الذي صافح فيه الشهيد الراحل ياسر عرفات يد ذلك المجرم إسحاق رابين،  خرجت بعدها إلى (جامعة كونكورديا) وسط مونتريال الكندية؛ لألتقي أصدقائي، وإذ بي وجها لوجه مع طالب يهودي كان يقدم نفسه دائما أنه من "معسكر السلام"، وبدا سعيدا جدا، في حين لم أستطع أن أخفي  غضبي، فحاول من جهته أن يعرف رأيي فيما حدث، قلت له: هل تريد أن أحدثك كسياسي، أم تحب أن تعرف ما يدور بقلبي وعقلي؟ قال بل الثانية!! قلت: اسمع يا هذا، أنا حزين جدا اليوم،ليس لأنني لا أريد السلام، بل أنا من مؤيديه، ولكني أعلم  يقينا أن هذا الاتفاق، لن يتعدى كونه استراحة بين شوطين في مباراة لكرة القدم، وأن الصراع سيستمر، فالسلاميجب أن يكون عادلا وشاملا حتى يكون دائما، ولإيماني أن أوسلو لن يكون إلا اتفاقا مؤقتا، فأنا أوافق عليه، فما كان منه  إلا أن انسحب  من أمامي بهدوء دون أن ينطق ببنت شفة.

لكن فهمي للسلام العادل والشامل، جاءت في ردي ذات مرة على سؤال لصديق أمريكي عند اشتعال الانتفاضة الثانية، والتي تخللها موجة من العمليات الاستشهادية في حينه، استوقفني ذات صباح في أحد شوارع  مدينة دالاس الأمريكية، وكانت الأخبار تملأ الشاشات إثر عملية تفجير مزدوج في مدينة الخضيرة المحتلة، وقال بلكنته المميزة: يا رجل، متى ستصنعون سلاما مع الإسرائيليين؟!!لم أفكر كثيرا بل قلت له: عندما يتوقفون عن سرقة الأوكسجين من أجواء فلسطين، قال ماذا؟!! قلت: هو ما سمعت.

أكررها اليوم، وبعد الإعلان الرسمي عن فشل أوسلو، وأؤكد كذلك أن أي اتفاق لا تكون نتيجته تفكيك الكيان الصهيوني وإقامة دولة فلسطينية على كامل التراب الوطني لن يكتب له النجاح أبدا، لا بل إن كلا الطرفين يعلم في أعماقه هذه الحقيقة، وأن كل ما يدور في أروقة السياسة هي محاولات لإدارة الصراع وليس حله بالمعنى الحرفي للكلمة.

الأدهى  والأمّر، أن بعض المنظرين، والسياسيين الفلسطينيين، يحذرون ويخرجون علينا بين الفينة والأخرى بتصريح يقول، "إن إسرائيل تريد أن تجرنا إلى حرب دينية، أو تريد أن تحول الصراع إلى صراع ديني"، معتمدين على نظرية مفادها أن الحركة الصهيونية حركة علمانية بالأساس، وهي مشروع استعماري يستخدم الدين لأغراض سياسية!!حتى وإن كان هذا التوصيف صحيحا، فهو ليس دقيقا تماما؛ لأن العبرة في النتائج وليستفي المدخلات، وما يقوله الواقع لا يعبر عن النظرية بالضرورة، فالدولة  "إسرائيل" هو مسمى توراتي، علمها توراتي، وشمعدانها توراتي، وقوانينها توراتية، وأسماء مستعمراتها التي تقام على أرضنا منذ أن تأسست حتى اليوم هي توراتية، وتقوم على وحدة الأرض، والشعب، والتوراة، فالحركة الصهيونية استطاعت أن تقيم دولة توراتية مستقطبة ملايين اليهود من بقاع الأرض من خلال أكذوبة  "أرض الميعاد" التوراتية.

فكيف تريد إسرائيل أن تجركم إلى حرب دينية؟!!وهذا الكيان قام وما زال على أسس دينية، ثم لو افترضنا جدلا أنها ليست حربا دينية، فما هي إذن؟ هل هي حرب قومية مثلا؟!! هل الدعم الإنجيلي الأمريكي الذي يمثله الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب وقبله جورج بوش الأب والابنجاء بسبب طول أنوف اليهود، وعيونهم الجاحظة؟ أم من منطلق توراتي محض؟!!

ثم ما المشكلة في أن يكون الصراع دينياأساساً؟ أو ليست الحرب الدينية من الناحية الاستراتيجيةفي صالحنا أكثر مما هي في صالحهم؟ ألم تهب الجماهير الفلسطينية في انتفاضة الأقصى؛ لأن شارون دنس مسجدنا؟ وأن دعم الصهيونية المسيحية  في أمريكيا وغيرها من دول الغرب يرتكز أساسا على إقامة الهيكل المزعوم مكان المسجد الأقصى لتسريع عودة المسيح المخلص!!أوليس ضم القدس والاعتراف بها كعاصمة موحدة وأبدية للشعب اليهودي هي حرب دينية بامتياز؟!! لماذا لا تكون كذلك؟ ولنفتح الباب على مصراعيهللأندونيسي، والماليزي،وشعب الهيجور الصيني، والشيشاني، والبوسني، والخليجي، والمغربي ليقوم بواجبه الديني والجهاد لتحرير قبلة المسلمين الأولى، وليأت حتى حديثي العهد بالإسلام من اوروبيين وأمريكان ليدافعوا عن معراج رسولهم ومربط فرسه المجنحة.

ثم لماذا يترك يهود بروكلين،ومناهاتن أرض الأحلام الأمريكية ليعيشوا  بين صخور  رام الله، وجبال نابلس، والخليل؟!! بينما لا نقول لقرابة ملياري مسلم في العالم شدوا الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك، وأنظروا في عيون الجنود وألسنتهم، فإذا منعوكم من دخول مسجدكم فاعلموا أنهم أعداء الله، قولوا لهم أنكم دنستم الأرض المقدسة، واقرؤوا على مسامعهم سفر حزقائيل: "'' إنكِ أرض غير مطهرة، لم تمطر في يوم الغضب. في وسطها مؤامرة أنبيائها (الدجالين) كأسد زائر مفترس فريسة قد التهموا النفوس وأخذوا المال والنفيس، ...، فتدنست في وسطهم، ورؤساؤها في وسطها كالذئاب المفترسة الفريسة، سافكين الدم، مهلكين النفوس، لكي يكسبوا كسباً... جاروا جوراً على شعب الأرض، واختلسوا خلسة، وظلموا البائس والمسكين، وجاروا على النـزيل بغير حق" نعم! لقد جاروا على شعب الأرض جوراً عظيماً، واختلسوا أمنهم وراحتهم وبلادهم ومزارعهم"!!

هذا وصف توراتي دقيق لما هي عليه دولة الاحتلال اليوم، وما تقوم به ضد شعب الأرض ومالكها الأصلي، وما يقترفونه من جور وظلم ضد سكانها من قتل، وسجن، وتعذيب وتشريد، ومن مصادرة أراضيها وسلب ونهب لخيراتها.

أنهم مصصمون على الضم، معلنين بكل صلف الحرب الدينية، فهذه يهودا والسامرة مملكتا اسرائيل العتيدة، بل أن بيت إيل في رام الله وجبل جرزيم في نابلس أكثر قداسة من تل أبيب وبيت حتكفا،، فالضفة الغربية هي – في نظرهم- أرض إسرائيل المقدسة، ولن تكتمل الدولة بغير السيطرة هلى هذا الجزء، وما فكرة ضم 30% من الضفة الغربية سوى مقدمة لضم ما تبقى من الأرض، أما المعارضون بينهم للعملية، فهم لا يرفضون الفكرة بحد ذاتها، ولكن توقيتها وحسابات الربح والخسارة من الناحية السياسية في الظرف الحالي، لكنهم من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار يعتقدون أن هذه أرض اسرائيل، ويجب أن تخضع للسيادة الإسرايلية الكاملة.

أخيرا، لن يصلح هذا الأمر إلا بما صلح أوله، فالصراع قائم على قدسية هذه الأرض وملكيتها من منطلق ديني محض، فهم يدّعون ذلك،ويقولون: " كان إبراهيم وحده وورث الأرض، ونحن كثيرون، فقد أعطينا الأرض ميراثاً،" ويأتي الرد التوراتي وعلى قاعدة من فمك أدينك:"قل لهم: هكذا قال السيد الرب: إنكم تأكلون بدم، وترفعون عيونكم إلى قذاراتكم وتسفكون الدم أفترثون الأرض؟" ويكرر القرآن نفس المعنى بالقول: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ".

لقد أرادوها حربا دينية منذ البداية، ونقول لهم: وهي كذلك.