فساد وانحلال وكورونا ورمضان الذي لم يعد كريم!

لم يعد الخزان يحتمل الدق..نادية عصام حرحش

السبت 23 مايو 2020 04:25 م / بتوقيت القدس +2GMT
لم يعد الخزان يحتمل الدق..نادية عصام حرحش


كنت دائما على يقين، ان قرع الخزان قد ينقذ الحياة لمن يعيش بداخله. كانت عبارة لماذا لم يقرعوا الخزان، وماذا لو قرعوا الخزان تراودني. كنت أطلق العنان لمخيلتي بينما رجال الشمس في رواية غسان كنفاني قد دقوا على ذلك الخزان وتم انقاذهم. كنت اتخيلهم يركضون فرحا ويبتهلون تضرعا وشكرا لإنقاذ حياتهم.

ولكن… اتأمل المشهد الذي لطالما ناديْتُ لدقِّ خزّانه علّنا أنقِذْنا من اختناق محتم وموت “فطيس”. الجميع يدق من كل الاتجاهات ولم يعد الدق الا أصوات نشاز تضيع في فضاء الصحراء الفارغة. وأيدينا وأرجلنا قد بليت من كثرة الدق وخشنت والتهبت.
ففي زمن رجال شمس كنفاني، كان من يختبئ بالخزان عامل، ومن كان ممكن ان يسمع نداءه كان في أحسن احواله سائق الشاحنة. اليوم نحن في خزان شاحنة تركها سائقها وذهب ليلتقي بجموع السائقين في واحة بعيدة، الصوت اليها معزول، وخيْر الخزان وما بداخله قد استنفِذ.
في الأيام الأخيرة توالت الرسائل الخاصة على وسائل اتصالاتي بين فيسبوك وواتساب بلا انقطاع. لا يقل عن خمسة رسائل لنفس الرسالة من اشخاص مختلفين عن ذات الموضوع. وكان الامر ذاته في اليوم الثاني والثالث والرابع.
في اليوم الأول كان فيديو يتم تداوله بين اقبية الرسائل الخاصة لرجل هرب من مكاتب المقاطعة ولجأ الى أوروبا، يذكرني بجوليان اسانج، الذي أنشأ ويكيليكس قبل سنوات. كانت تلك فرصة هذا الرجل الذي طالما حاول الصراخ بينما كان في رام الله مستنجدا أحيانا ومحاولا كشف ما يدور من مصائب أحيانا. الفرق بين كل تلك القصص والفيديوهات من هذا النوع وهذه، ان هذا الرجل تواصل معي قبل سنوات تبدو بعيدة اليوم، واعترف انني خفت من سماعه أكثر. او ربما، هو خاف من ان يقول لي أكثر ويورطني معه. واختفى لأتنبه لوجوده بالخارج، وقلت بنفسي… ربما يكون قد نجا.
اعترف كذلك انني أخاف من اولي السلطة، فلا أحد يفهم الظالم من المظلوم فيهم. فالمصالح عندهم اما تتصالح او تتقاتل، وعدو الامس يصبح صديق الغد والعكس بلا احم ولا دستور. ولكن هذا الرجل نجا… وهرب.
لم تكن صدفة بحتة انتشار الفيديو الذي يتداوله الكثيرون أخيرا، فهو يتكلم بإسهاب عن خفايا مكتب الرئيس ومعضلة ديوان الرئاسة الذي خرج الى السطح مؤخرا.
ولكني سألت نفسي، ما ذا يعني هذا؟ معلومات لا اشك انها حقيقية، ومعلومات مثلها تسرب هنا وهناك، ولكن ما الذي يجري؟ لا شيء… فقافلتهم تسير ونحن الشعب كالكلاب ننبح. هل استطاع الضغط الشعبي وقف القرار؟ لا نعرف الحقيقة أي شيء. الرتب لا تزال مستمرة والمعاشات الهائلة التي تنسمع عنها ونراها بين التسريبات الكثيرة تجعل المرءي وقن ان لا امل ابدا بخير ممكن. وقد تكون خفايا صندوق الاستثمار احد ركائز هذه الحلقة من الفساد المحكم بين أصحاب وارباب السلطة.
اما صندوق وقفة عز، فلقد حصل على المرتبة الثانية بين الثلاث تسريبات الى “الانبوكس” الأكثر تداولا. قائمة بأسماء لأشخاص استفادوا من مساعدات الصندوق. فلان الموظف او امين سر او ناشط او موالي وابنه وزوجته وابوه واخوه وزوج اخته وزوج اخت زوجته وأمه واخته ومعارفه وعمه وخاله وخالته وزوج عمته ومرت خاله وزوج خالته وابن خالته وعمته وابن ابن عمه وبنت خاله الخخخخ المصيبة ان هذه ليست نكته ولا مبالغة. حقيقة لا يستحون حتى من كتابتها. فكيف لهم ان يهتموا إذا ما وصلتنا؟
اما الموضوع الأكثر أهمية، والذي حاز على الانبوكس والاوتبوكس في تداوله على المنصات بلا هوادة، هو الاعتداء على مدير مجمع رام الله طبي من قبل مدير بوزارة الصحة تبين انه ابن قيادي كبير.
بين فجاجة المشهد وبشاعته، وبين ترصّد الامر للتركيز على ابن القيادي الكبير لتكون فرصة لحسابات لخصوم لا نعرف لها من سلطان، تأتي المشكلة الأكبر. هل غضب الناس مرتبط بفكرة التعدّي الذي حصل، ام انّ من اعتدى هو ابن فلان وعليه تبدو المشكلة أكثر اثاره؟ انتهينا من فضائح القادة العظام لندخل في فضائح ابناءهم قادة المستقبل.
نحتاج لإثارة الرأي العام في فلسطين اليوم فضائح مرتبطة فقط بأصحاب السلطة لنهتم بحجم المصاب وتقديره واشعاله. كم تعديات تحدث ولا نهتم لها ولا نعرف عنها ولا نسمع بها.
قد يكون الموضوع الرابع المنتشر بعيداً للوهلة الأولى عن مواضيع الإثارة، ولكن استغربت تزاحمه في “الانبوكس” كذلك، لأفكّر أكثر وأفهم، أو بالأحرى لأتذكّر أنّ السوس عندما ينخر بالرأس لا بدّ الا أن يتهاوى الجسد. وهذا حالنا، كل يوم في تهاوٍ.
القدس، وشارع صلاح الدين، ورمضان والكورونا وما بعد الحجر..
هل كان ليخطر ببال أحد، ان الأمر سيكون متعلقا بشبان يتعرضون للشابات وسيارات راكنة وموسيقى صاخبة وتعليقات يخجل منها من بقي في وجهه خجل؟ طيّب ماذا جرى باللهم إني صائم؟ يعني إذا ما أردنا حث الناس على التعقل.
ولكن هل هناك غرابة؟ ما يحدث هو نتيجة حتمية لدق على خزان جاء متأخرا. فانشغلنا بالدق بدلا من ان ننشغل بفتح الخزّان. وهول ما جرى بداخل الخزان وهول ما تغير خارجه تكون نتيجته ما نعيشه يومياً من مصائب صارت طريقة حياتنا البديهية. فساد وانحلال وعنف، وغياب للسلطة الا من نهش ما تبقى من وطن ومواطن.
كاتبة فلسطينية

http://nadiaharhash.com