إقرأ مراثيك، إن سمحت! كارول خوري

الأربعاء 25 مارس 2020 10:56 ص / بتوقيت القدس +2GMT


جلس إلى كمبيوتره وطبع القصيدة التي كان يخربشها على الورق طيلة الشهرين. كان هذا قبل عامين ويومين. يداه تخونانه، وكفّه لا تستجيب لأوامر الدماغ، فجلس يقرأ، في خطّ يده المتموّج، خيباته من نفسه ومن الحياة. لقد خذلته صحّته كما خذله الكثيرون.
علاقتي به لغويّة! تقاطعت دروبنا قبل ربع قرن، ولكنّها لم تلتق سوى قبل عدّة أعوام. هو، وإن كان في المقام الأبرز فيزيائيًّا، فهو أيضًا موسيقيّ ومربّ، وله اهتمامات لغويّة وأدبيّة. حين لم يجد فيّ رفيقة تصلح للفيزياء والرياضيات، وبالكاد تصلح للشأن الموسيقيّ، اكتفى بي أنيسة لغويّة وأدبيّة. حدّثني عن عمر تمتّع فيه بقراءة الأدب الإنجليزيّ، فجُدتُ بالقليل الذي لديّ عن الأدب العربيّ. علّمني كيف أتذوّق الشعر الإنجليزيّ، فكنت أدوّن العناوين، وسرًّا أطالع القصائد وأدرسها. أسررتُ إليه بخجلي من محدوديّة ثقافتي العامّة، فأسند هو خطواتي. راقصني شعرًا ونثرًا، وناكفني نحوًا وصرفًا، وسايرني علومًا وحسابًا، وأسبغ علي تجربة حياتيّة وتاريخًا. ومضت الأمسيات خفافًا، إلى أن حلّ عيد ميلاده التاسع والسبعون. خطّ قصيدته باللغة الإنجليزيّة وعنونَها "أنا أحيا"، وأرسلها إليّ، حتّى من غير كلمة واحدة مرافقة!
تساءلت أمامه: هل يقرأ الأموات رثاءهم؟ كنّا سابقًا قد توصّلنا في علاقتنا، هو بسلطته العلميّة وأنا بسلطتي اللغويّة، إلى تواطؤٍ حبّب لنا الإجابة على السؤال بسؤال، فارتضينا، جوابًا على سؤالي غير العلميّ (حسب تعبيره)، أن تكون الإجابة: لِمَ لا؟.
كان يعرف كيف يبحث وكيف يجد الإجابات لوحده، لكنّه اختار أن يسألني أنا عن اسم الشاعر الذي قال "أنا مَن ضيّع في الأوهامِ عمرَه". أعطيتُه الإجابة، وسألته بدوري: لماذا تسأل؟. قال: هذا ما أريد أن يُكتَب على قبري، فهذه حكايتي مع جامعة بيرزيت. لطالما قام بما عليه، حتّى حين انشغال الآخرين بحيواتهم. واليوم أيضًا، يرحل والعالم الصغير حوله منشغل بما هو فائق الصغر. أظنّه كان يعتقد في سنواته الأخيرة أنّ الحياة لم تفهِ حقّه، فهل يفيه الموت حقّه؟
أسهبُ في الحديث عنه ولا أذكر اسمه. لم تعد علاقتنا، منذ حين، تسمح بأن أخاطبه بـ "أستاذ"، ولا تطاوعني نفسي على مخاطبته باسمه الأوّل "رمزي". يومًا بعد يوم، وجملة بعد جملة، بحثت عن حلّ، لكنّي أجّلتُ القرار. والآن، حين لم يعد للحلّ داعٍ، أخاطبه خطابي الأخير وأقول:
أخبرتني يومًا أنّ المرء يبكي نفسه في موت غيره. اليوم أفهم كم كنتَ على حقّ. تحلّق الناس حولك في المقبرة، وستتزاحم الكلمات في رثائك أيّما ازدحام. انظر كيف أنّك لا تطوف وحيدًا كالديمة. أنا لن أنفّذ وصيتك، لأنّني لن أستطيع. ولكنّي سأنشر لك قصيدتك التي كتبتَ قبل عامين ويومين. فهل ستقرأ مراثينا فيك؟


---








I Live
Ramzi A. Rihan


I live
Here and elsewhere
Now, before and yet beyond
Nothing ends and nothing begins.
From nothingness I bring you all.
The grandeur of a contained life
The grain of sand that comprehends the universe.
I live
Eighty years are surfeit, cried the ancient sage*
The blast that shakes the frightened child **
Seven decades later
The sea, now distant, shimmers still. **
The passing moment that subdues the ages
The dreams of youth encumbered
By the chains of reality
And yet the inviolate core of loneliness persists
Untouchable, unbreakable, beyond approach
Nothing changes, nothing remains.

The horror of a bottomless abyss
The promise at the end of the tunnel
But then, perhaps-what if-
The ecstasy of an ever journey
The terror hiding on the other side.
Thinking makes it so
We are such stuff as dreams are made on, he wrote
Or dreams are the stuff that makes us
To sleep, perchance to dream
Or to awaken into fantasy profound.

Time…memory…imagination
Consume us from within.
What has been refuses to recede
What might be is not yet
This present moment dies at birth.
A scene, remembered or invented, shines
All else is banished
A sigh from long ago returns
The smell of flowers in the garden, barren now
Is borne along the breeze
Far away is here as this hand stretches further.

We drift between what is and what is not
Between what was and what will be
Inside mingles with the outside
We are bewildered and enchanted.

Who am I? What am I? Where am I? When am I?
I do not know
Yet I live.
-------------------------------------------------------------
* Arabic poet Zuheir Bin Abi Salma (c. 520-c.609)
** Memories of Haifa 1943-1947.

March, 2018