نواف الزرو: صفقة ترامب و”دولة الحواصل الفلسطينية”..نواف الزرو

الجمعة 14 فبراير 2020 05:28 م / بتوقيت القدس +2GMT
نواف الزرو: صفقة ترامب و”دولة الحواصل الفلسطينية”..نواف الزرو


برغم أن سؤال الدولة الفلسطينية هو السؤال الأكثر تفجراً في العلاقة الفلسطينية – الإسرائيلية، والجدل بين الجانبين حوله هو جدل تاريخي وسياسي استراتيجي تحول في السنوات الأخيرة إلى جدل حربي ملغم بالتهديدات الإبادية في ظل حرب إعلامية/ نفسية/ معنوية/ تحريضية متفاقمة، إلا ان الرئيس الامريكي ترامب يقدم لنا صفقة تصفوية لكافة الملفات والحقوق والاستحقاقات المتعلقة بالشعب الفلسطيني، وعلى نحو خاص ما يتعلق بالدولة الفلسطينية التي تشكل تاريخيا  جوهر المشروع الوطني التحرري الفلسطيني.
فإن كان الهدف الفلسطيني الكبير والعريض المرحلي من وراء كل مسيرة الكفاح الفلسطيني هو في المحصلة تحقيق “حق تقرير المصير” و”اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، فإن الهدف الإسرائيلي الكبير والعريض ومتعدد الغايات والأبعاد هو تكريس “دولة إسرائيل – دولة يهودية” كحقيقة قائمة أولاً، “والحصول على الدولية” لهذه الدولة ثانياً، ثم ضم نسبة كبيرة تتراوح حسب المشاريع السياسية الإسرائيلية ما بين 40-60% من مساحة الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية ثالثاً، ثم “تخليد القدس الموحدة عاصمة إسرائيل إلى الأبد” رابعاً، ثم “تدمير مقومات الاستقلال الفلسطيني الحقيقي وبناء الدولة المستقلة” خامساً، و”ضمان التفوق والهيمنة الاستراتيجية الإسرائيلية على المنطقة كلها” سادساً، والواضح في هذا السياق ان صفقة ترامب تحقق كل هذه الاهداف الصهيونية دفعة واحدة، والواضح تماما ان ترامب قطع قول كل خطيب  في هذه القضايا.
الا كل ذلك فان الخطاب الذي يقدمه ترامب للفلسطينيين والعرب يمكن اعتباره خطابا يمينيا صهيونيا بامتياز، فنحن عمليا امام خطاب يميني يشكل الخلاصة المكثفة  للمشروع والفكر الصهيوني في فلسطين.
وإن كانت صفقة ترامي تمنح الشرعة الامريكية للاستيطان الصهيوني، فان خريطة الاستيطان والجدران التي يجري نحتها بلا توقف على امتداد تلال الضفة الغربية وسهولها تهدف الى تحقيق وتكريس معظم اهداف الاحتلال التاريخية ..والاستراتيجية التي يمكن تكثيفها ب:
اولا: تكريس الاهداف والمضامين الاستراتيجية الاستيطانية للمشروع الصهيوني على كامل مساحة فلسطين.
ثانيا: تكريس السيطرة الاستراتيجية الاسرائيلية الشاملة على كامل المنطقة الواقعة بين البحر والنهر.
ثالثا: محاصرة وعزل من تبقى من الشعب العربي الفلسطيني في فلسطين وفصلهم خارجيا بانتزاعهم من جسمهم وعمقهم العربي، وفصلهم داخليا ايضا عن بعضهم البعض، الضفة والقطاع مثلا عن فلسطين ،1948 والضفة عن القطاع، اضافة الى تقطيع اوصال جسم الضفة بواسطة الكتل الاستيطانية والجدران الاساسية والالتفافية، وعدم اتاحة اي تواصل بين هذه المناطق الا عبر عدد قليل من الجسور والانفاق والطرق الخاضعة للسيطرة الامنية الاسرائيلية.
رابعا: انهاء كافة المطالب والطموحات الوطنية الاستقلالية الفلسطينية، وانهاء النزاع استنادا الى هذه الخريطة الاستيطانية، وبعد ان يستسلم الفلسطينيون حسب مخططه استسلاما كاملا لآلة الحرب والاجتياحات والدم والدمار الاسرائيلية.
خامسا: ارساء وفرض المحددات الجغرافية والسياسية لـ “اتفاق انتقالي طويل الامد-اي على مستوى حكم ذاتي فقط-” كان حمله شارون في جعبته من سنوات طويلة، وواصله اولمرت ويواصله نتنياهو اليوم بعده وذلك باعتراف الشرعيات المطلوبة له وهي الفلسطينية والعربية والدولية .
فقصة حقائق الامرالواقع التي اعترف بها بومبيو والادارة الامريكية، والتي يقيمها الاحتلال وفي مقدمتها الجدران هي قصة استراتيجية بمنتهى الخطورة من شانها ان تبتلع الضفة الغربية بكاملها  تحت السيادة الاسرائيلية، ناهيكم عن ان كل هذه المعادلات مجتمعة ومعا  تنتج نكبة فلسطينية كبيرة جديدة تفرخ بدورها نكبات صغيرة يومية مستمرة تحقق وتكرس فيه صيغة “الجغرافيا الاستيطانية والحكم الذاتي للتجمعات السكانية العربية” في الوقت الذي تجهز فيه تماما على مقومات اقامة الدولة الفلسطينية  كما تؤكد ذلك المعطيات المتراكمة على الارض الفلسطينية هناك.
اما بالنسبة “للكيان الفلسطيني” المقترح في الصفقة فيمكن اعتباره كيانا  متحوصلا-يتوزع على جملة حواصل فلسطينية  مسيجة محاصرة بالمستعمرات ومعسكرات الجيش والجدران العازلة، وهذه المواصفات هي التي يوصي بها ويقدمها نتنياهو واقاب اليمين الصعهيوني على مدار الساعة.
وان كان  نتنياهو لفظ  مرة اسم “دولة فلسطينية منزوعة السلاح وبدون اي سيطرة على الارض او الاجواء او…الخ”، فان شارون كان قد سبقه في  رسم اوصاف الدولة الفلسطينية  كما يلي: انها وفق الأدبيات الشارونية “الدولة المؤقتة طويلة الأمد” وهي “دولة شارون الفلسطينية” و”دولة فلسطينية ديمقراطية -حسب المعايير الاسرائيلية -تعيش في سلام كامل مع “اسرائيل”، وهذه الدولة تعزز على المدى الطويل أمن “اسرائيل” ورفاهيتها كدولة يهودية، ولكن لن يكون هناك سلام بدون التخلي عن وازالة الارهاب والعنف والتحريض ـ الفلسطيني-كما يزعمون-“.
وهي في الوقت “دولة مؤقتة في القطاع”، و”دولة على مساحة 42% من مساحة الضفة الغربية” ولكنها حسب ميرون بنفنيسي”ستكون دولة مقطوعة الرأس والرجلين وبلا ارض، وخريطة الطريق وخطط الفصل انما تكرس الوضع الراهن”، وهي أيضا حسب افي شلايم استاذ العلاقات الدولية في جامعة اكسفورد ومؤلف كتاب “الجدار الحديدي: العرب واسرائيل” عبارة عن “كيان فلسطيني عاجز ومنزوع السلاح يقام على اقل من نصف الضفة الغربية مع سيطرة “اسرائيلية” على الحدود والمجال الجوي والموارد المائية الفلسطينية، وهذه وصفة لـ”غيتو” فلسطيني وليس لدولة حرة”.
والدولة الفلسطينية المعروضة حسب ترامب وصفقته “ستكون منزوعة السلاح تسيطر “اسرائيل” على حدودها الخارجية وعلى أجوائها “، وهي تشكل من جهة ثانية ذروة التنازلات المؤلمة” التي يقدمها نتنياهو كما كان قدمها شارون، اما التنازلات المؤلمة والتاريخية التي سيقمها نتنياهو للفلسطينيين فهي”الانسحاب من المدن الفلسطينية فقط كي يحكم الفلسطينييون انفسهم بأنفسهم”.
ونقول : في ظل هذا المشهد وهذه الصفقة التصفوية الخطيرة فان الفلسطينيين يحتاجون في مواجهة هذه التهديدات الاستراتيجية الخطيرة إلى خطاب وعمق وموقف ودعم عربي شعبي حقيقي وجاد ومسؤول(في ظل غياب او تواطؤ الانظمة السياسية الرسمية؟) في الوقت الذي يحتاجون فيه قبل كل شيء إلى وحدتهم الوطنية الداخلية والى برنامج سياسي واضح المعالم والمضامين والخطوط والاهداف.
Nzaro22@hotmail.com