الحق في النقد والحق في الاختلاف..مهند عبد الحميد

الثلاثاء 03 ديسمبر 2019 12:19 م / بتوقيت القدس +2GMT
الحق في النقد والحق في الاختلاف..مهند عبد الحميد


علاقة الحكام بالمحكومين، وعلاقة الأحزاب بقواعدها وجماهيرها، وعلاقة المؤسسات بالمجتمع، وعلاقة الأفراد مع بعضهم البعض، لا تستقيم دون إبداء رأي مؤيد وداعم أو رأي معارض ورافض، وهذا يعني الاختلاف وتعدد الآراء من موقع المصالح الخاصة والعامة التي تترك بصماتها على هذه العملية.
لا أحد من بين هؤلاء يملك الحقيقة الكاملة والمطلقة، وعليهم البحث عنها، وفي هذا السياق يحتدم الحوار والسجال وتتكشف ملكات النقد والمعرفة، إلى أن يعثر البعض على جزء وأكثر من الحقيقة، أو لا يعثر، فيستمر الجدل والحوار والمحاججة.
النقد والاختلاف وثيق الصلة بحرية التعبير والديمقراطية والتعدد الفكري والسياسي والثقافي والديني، ويكشف أيضا عن مدى الالتزام بحقوق المواطنة.
وفي المحصلة يكشف الالتزام بالحق في النقد وممارسة الاختلاف وجود عقل منفتح متحرر من الوصاية، ووجود تقاليد متحضرة تليق بحقوق الإنسان.
لكل قضية خلافية معايير ومبادئ وضوابط، والعكس هو إشاعة فوضى المعايير التي تحول النقد والخلاف إلى حرب تقرر نتائجها الجهة الأقوى والمهيمنة.
على سبيل المثال ثمة فرق جوهري بين اعتماد معايير ومبادئ في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كالقانون الدولي (الاتفاقات والعهد والقرارات) وبين اعتماد غطرسة القوة وميزان القوى المختل لصالح إسرائيل كدولة مستعمرة ومحتلة.
وبالمثل هناك فرق بين دخول المفاوضات من موقع توازن قوى ومرجعيات ناظمة، وبين دخول مفاوضات تستند إلى التفوق الهائل لدولة الاحتلال التي لا تتورع عن صياغة تاريخ يتلاءم مع مسوغات هيمنة دائمة.
الأمر ذاته ينطبق على استبدال معايير النقد والاختلاف من قبل الجماعات والأحزاب الأيديولوجية التي تنطلق من امتلاكها للحقيقة المطلقة ومن شيطنة كل من يختلف أو يعارض سياستها ومواقفها، وتعتبر السياسات الأخرى محض مؤامرة حاكتها الإمبريالية والصهيونية، ويجب وأدها بأي ثمن.
إذا بحثنا في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية سنجد نماذج متقدمة في ممارسة الحق في الاختلاف، فقد اعترف الإسلام بحق ممارسة الدين اليهودي والدين المسيحي وحق حماية الدولة الإسلامية لهما، فقد كتب يهود ومسيحيون عاشوا في كنف الدولة الإسلامية، مجدوا دينهم، ورد عليهم مسلمون مجدوا الدين الإسلامي.
إن السماح لأهل الكتاب من غير المسلمين غير المشروط بطرح مزايا أديانهم، وبالرد الذي لم يفند ما كتبوه بل استعرض عناصر قوة الدين الإسلامي فقط. هذه الممارسة تجسد الحق في الاختلاف في إطار من التعايش والتسامح.
ولم تقتصر المناظرات على أهل الكتاب فقد ناظر مفكرون إسلاميون من المعتزلة «المانوية» التي أنكرت وجود أنبياء، وكانوا بإمكانهم الاكتفاء بالنص القرآني الرافض لها والذي يعتبر معتنقيها في عداد الكافرين. لم يلجأ المعتزلة لسلاح الحسم وهم في موقع القوي والقادر على تصفية المانويين.
خلافاً لذلك اختاروا طريق تفكيك منطقها فكريا والسبب يعود إلى أن هذه النخبة عالية الثقافة ولها نفوذ داخل الدولة الإسلامية، ولها امتداد في بلاد الشرق القديم «مصر وغيرها» لقد حرص كبار المفكرين أمثال القاضي عبد الجبار الهمذاني، والبيروني، وغيرهما على أن يطلعوا على الفكر المانوي وتناقضاته الداخلية .. يقول البيروني: «حرضني خفاء الحقيقة على طلب تلك الأسرار من معارفي في البلدان» وظل يبحث عن الكتب حتى وجدها، واعتمد على المقارنة التي قد تكون ذريعة لإثبات تفوق الذات وقد تكون وسيلة لقبول التكافؤ والنسبية.
وكان البيروني معتداً بعلمه الإسلامي الوارث والمستأنف للعلم اليوناني، وقد حصر المناظرة مع المانوية في الدائرة العلمية ولم يلجأ إلى الحجة الدينية (القرآن والحديث) التي تستطيع حسم الخلاف دون جدال.
منطقي أن يمارس النقد والاختلاف داخل المجتمع الفلسطيني، وفي إطار التجمعات الفلسطينية في الخارج، نظراً لوجود تعدد سياسي وثقافي وديني. بمرجعية ناظمة هي، الميثاق الوطني، ووثيقة إعلان الاستقلال، والقانون الأساسي، والمصلحة الوطنية العليا النابعة من الأهداف المشتركة.
اختلفت التنظيمات السياسية برنامجيا، برنامج دولة ديمقراطية علمانية، ودولة إلى جانب دولة، اختلفوا حول مصير الدولة الإسرائيلية وتناظرت التنظيمات يسارا ويمينا واختلفت الاتجاهات القومية مع الاتجاهات اليسارية والوطنية، نقدوا بعضهم البعض وتساجلوا ومارسوا حقهم في الاختلاف، وبقوا موحدين في إطار منظمة التحرير رغم لحظات من الانقسام التي تعود أساسا لتدخلات خارجية.
عاملان ساهما، في الإخلال بالتوازن التعددي الداخلي الفلسطيني، الأول صعود الإسلام السياسي المؤدلج الذي لا يؤمن بالتعدد ولا بالعمل الجبهوي المشترك فلسطينيا، والذي انتشر داخل فلسطين، وانتشر في التجمعات الفلسطينية الكبيرة في الخارج، في سياق تغلغل الفكر الوهابي المتزمت الذي امتلك ترسانة كبيرة من التكفير والتحريم المدعمة بالمال. العامل الثاني، إبرام اتفاق أوسلو الذي فتح المجال أمام المستعمرين الإسرائيليين لاستباحة الشعب الفلسطيني، بالاستيطان ونهب الأرض والمياه، والحصار والفصل العنصري، والإخضاع الاقتصادي. عاملان ساهما من مواقع مختلفة في تفكيك اللحمة الوطنية والنسيج الاجتماعي وفاقما الحق في  الاختلاف، وأفقداه معاييره ومرجعياته.
صار النقد بمثابة فعل عدواني، يضع صاحبه في موقع المعتدي. وأصبح نقد التزمت ومدارسه التكفيرية المتعصبة بمثابة تهديد للدين يستدعي التدخل الفوري للإنقاذ.
وصار كل حديث عن الحل السياسي أو التفاوض من أجل حل سياسي يجلب شبهة، التعاون. هكذا جرى الانتقال من نقد وممارسة الاختلاف بالاستناد إلى المعايير والمرجعيات الناظمة في زمن المعتزلة وبعض الخلفاء العباسيين، وفي زمن صعود الثورة الفلسطينية، إلى زمن هدر المعايير وشيطنة الناقد والمختلف وتوزيع تهم الكفر وممارسة الحرام والذهاب إلى خندق الأعداء. ثقافة شيطنة الناقد والمختلف لم تقتصر على تنظيم أو اتجاه بل أصبحت متغلغلة في المجتمع، وفي مؤسسات من المفترض أن تكون تربوية ولها بصمات على أجيال واسعة.
من المؤسف اضطلاع البعض في نشر سياسة نقيضة للبيروني وللتراث العلمي الذي جادت به الحضارة العربية الإسلامية، ونقيضة لتجربة منظمة التحرير في زمن النهوض الجميل.
بقي القول إن النقد والمحاججة، مكفولان بالقانون، ولا يحتاجان إلى إذن وتصريح، ومن المفترض أن تجرى محاسبة المنتهكين لمنظومة التعدد الثقافي والديني وللحق في النقد والاختلاف.

ملاحظة: تجربة المعتزلة والبيروني مصدرها كتاب بعنوان: في شرعية الاختلاف/علي أومليل
Mohanned_t@yahoo.com