جولة المواجهة مع الجهاد الإسلامي .. دروس للجبهة المدنية

الإثنين 02 ديسمبر 2019 12:46 م / بتوقيت القدس +2GMT
جولة المواجهة مع الجهاد الإسلامي .. دروس للجبهة المدنية


أطلس للدراسات / مركز دراسات الأمن القومي / مئير الران، كرميت فدن، ساسون حداد وشموئيل ايفن /

خلال أيام القتال الأخيرة (12-13 نوفمبر 2019)، أطلقت حركة الجهاد الإسلامي حوالي 450 قذيفة صوب إسرائيل، وذلك ردًا على اغتيال بهاء أبو العطا، وهو قائد كبير في التنظيم على يد الجيش الإسرائيلي. تظهر خارطة إطلاق الصواريخ أن غالبيتها العظمى أطلقت باتجاه غلاف غزة، وأغلبها على مدينة "سديروت" والبقية باتجاه عسقلان وشمالها، بما في ذلك عدد صغير من الصواريخ باتجاه مدن في وسط البلاد.

حسب إعلان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، 90% من الصواريخ المطلقة باتجاه البلدات المأهولة اعترضت من قبل القبة الحديدية، و60% من الصواريخ أطلقت باتجاه مناطق مفتوحة؛ لذلك فالضرر الذي وقع هذه المرة كان قليلًا بشكل نسبي. تجدر الإشارة إلى أن معدل الإطلاق اليومي كان شبيهًا بذلك الذي أطلق في الماضي في حرب لبنان الثانية وفي جولات القتال الثلاثة على قطاع غزة (عدا عن أيام القتال التي دارت في شهر مايو 2019، حيث أطلق من غزة في يومين ما يقارب 700 صاروخ وقذيفة)، وهو أقل بكثير من إمكانية الإطلاق اليومية الموجودة اليوم لدى حزب الله أو حماس.

على خلفية تحليل مغازي جولة القتال هذه من منظور الجبهة المدنية، من المهم أن نذكر أن الجهاد الإسلامي هو تنظيم صغير نسبيًا، وأن قدراته العسكرية بعيدة جدًا عن قدرات حماس أو حزب الله، وعلى إثر ذلك فقدرته (التي تؤثر على توجهاته بالتالي) على إقامة مجهود هجومي مستمر محدودة. في جولة القتال الأخيرة، عمل التنظيم لوحده من دون حماس، ووفق التقديرات التي نشرت في وسائل الإعلام؛ فقد أبدى التنظيم خلال هذه الجولة قدرات أقل ممّا قدّر الجيش الإسرائيلي، بفضل عمليات الجيش الإسرائيلي لقمع إطلاق الصواريخ من خلال ضرب الخلايا المطلقة لها على الأرض. كما قال الجيش الإسرائيلي بأنه لم يبقَ في مخازن التنظيم سوى بضع عشرات من الصواريخ بعيدة المدى، التي لم تطلق والتي كانت قادرة على الوصول إلى "غوش دان" وحتى أبعد منها باتجاه الشمال، كذلك فإن التنظيم لم يستخدم تقريبًا الصواريخ المضادة للدبابات والمدافع الثقيلة ولا الحوامات؛ الأمر الذي يقلص مستوى الخطر على الجبهة الأمامية والخلفية.

مكونات الجبهة المدنية عملت بشكل عام كالمعتاد أمام هذا التحدي المحدود؛ المنظومة العسكرية نجحت في تشويش معظم التهديدات على مستوى القذائف الصاروخية بمساعدة القبة الحديدية والمنظومات البرية المحمولة ومنظومات قيادة الجبهة الداخلية وبقية الجهات المهنية المشاركة، وعلى رأسها السلطات المحلية التي قامت هي الأخرى بواجبها.

المواجهة الأخيرة تسمح باستخلاص عدة دروس مركزية لاستمرار بناء قدرات الجبهة المدنية، بما يتوافق وسلم الأولويات الوطنية وسيناريوهات المواجهة الأكثر اتساعًا المتوقعة لإسرائيل من قبل حزب الله، ومن بينها نشير إلى ما يلي:

أ) نظرية تحصين قيادة الجبهة الداخلية/ سياسة قيادة الجبهة الداخلية القائلة بالجمع بين المأوى المادي المتاح والإنذار المركز والعمل المدني وفق توجيهات القيادة، وُجد أنها صائبة مرة أخرى. اعتبار المأوى كمنقذ للحياة لا يقل أهمية، ليس فقط من الجانب الإنساني؛ وإنما لأنه بوفر مساحة مناورة سياسية وعسكرية لإسرائيل، وقوع القتلى كان لينتج ضغطًا كبيرًا على صناع القرار لمفاقمة الرد من قبل الجيش الإسرائيلي؛ الأمر الذي كان من شأنه أن يخلق تدهورًا باتجاه مواجهة موسعة في قطاع غزة، مواجهة تعتبر غير مرغوب فيها لدى إسرائيل في الوقت الحاضر. المغزى المستفاد من ذلك هو أنه يجب مواصلة الاستثمار في تطبيق نظرية المأوى بجميع مكوناتها، فهي ليست مطبقة بما يكفي (على سبيل المثال في المنطقة الشمالية) رغم القرارات التي اتخذتها الحكومة.

ب) جودة الغلاف الدفاعي/ مستوى الاستجابة الدفاعية أمام الإطلاق من قطاع غزة كان معقولًا بالنسبة لمستوى التهديد والمخاطر (المحدودة) التي واجهت الجبهة المدنية. مع ذلك، من المهم أن نفهم وأن نوضح أيضًا للمواطنين الإسرائيليين أن نجاحات المكون الدفاعي إلى الآن لا تكاد تعلمنا أيّ شيء عن فرص النجاح في المواجهات القادمة أيضًا، وذلك أن مستوى الاستعداد العسكري (بما في ذلك القبة الحديدية) والمدنية للمخاطر الكبيرة المتوقعة للجبهة الداخلية حسب السيناريوهات المعروفة هي استعدادات خفيضة إلى متوسطة (ما عدا غلاف غزة) وتستلزم استثمارات كبيرة (ومعروفة) في المكونات الدفاعية. إضافة إلى ذلك، النجاح في الجولة الحالية قد يكون له تأثير خداع أيضًا على وعي الجمهور، إذ أن المواطنين بالفعل يُمكن ان يستخلصوا من الحدث الحالي ان إسرائيل جاهزة ومستعدة لتواجه بشكل جيد تهديد القذائف الصاروخية المطلقة على الجبهة الداخلية؛ تقدير كهذا من شأنه ان يضر بالدافع المطلوب لتحسين الاستعدادات، ولذلك هناك حاجة لأن نشرح للجمهور وبشكل مدروس سيناريو التهديد الحديث وانعكاساته على الفرد والمجتمع والمنظومة المدنية برمتها، أي غالبية السكان في إسرائيل.

ج) إدارة الأخطار في الجبهة المدنية/ في الجولة الأخيرة، انكشفت مرة أخرى الإشكالية الكامنة في السؤال: إلى أي مدى يجب تحمل المخاطر في إدارة الجبهة المدنية وقت المواجهة؟، وذلك في أعقاب تعليمات قيادة الجبهة الداخلية في اليوم الأول من التصعيد - وللمرة الأولى منذ حرب الخليج الأولى - بعدم انتظام الدراسة في "غوش دان" أيضًا على ما يبدو إثر إنذار أو تقدير حدوث هجمات صاروخية على منطقة تل أبيب. هذا التوجيه، إلى جانب النصيحة (المؤقتة) للعمال "غير الحيويين" للاختفاء من عملهم، طال حوالي مليون طالب وحوالي 80 ألف عامل في هيئة التدريس خارج المؤسسات التعليمية، وخلق غموضًا أو في الحقيقة شللًا أصاب أجزاء واسعة من الاقتصاد الإسرائيلي. أثار هذا التوجيه علامات استفهام بخصوص الاعتبارات التي وقفت من وراء فحوى القرار، ومن باب أولى في الحالة التي مثل فيها تهديد خطير على المراكز السكانية الكبيرة في وسط البلاد والبنى التحتية الحيوية، إذ أنه بالفعل إذا كان هناك ميل إلى شل الاقتصاد أمام تهديد محدود من قبل الجهاد الإسلامي؛ فكيف ستكون السياسة في ظروف المواجهة مع حزب الله أو حماس؟ هل سيشل الاقتصاد لفترة طويلة كوسيلة احترازية؟ وإذا كان كذلك، ما هو المتوقع من قبل الدولة للعمال والأشغال التي ستتضرر من تعطل مستمر كهذا؟ وهل سيكون التعويض محكومًا وموجبًا بمقتضى التوجيه؟

د) الصلاحية والمسؤولية/ مناقشة مسألة توجيهات قيادة الجبهة الداخلية تثير مجددًا السؤال الرئيسي، الذي شحذته وسائل الإعلام عند تناولها "غوش دان": وفق القانون، من هو المقرر الوطني في القضايا المتعلقة بإدارة الجبهة المدنية قبل وخلال وبعد المواجهات الواسعة، والتي يتوقع فيها أن تتضرر الجبهة الداخلية؟، لا شك بأن قيادة الجبهة الداخلية ورؤساء المجالس المحلية (الذين يوجد توتر منظم وغير منظم بين اعتباراتهم) لهم دور رئيسي في دائرة صناع القرار، لكن من الواضح أنه كلما كانت الحرب أثقل وأطول أمدًا كانت الاعتبارات أكثر تعقيدًا، وتتداخل ليس فقط الجوانب المجتمعية والاقتصادية؛ بل السياسية والدبلوماسية أيضًا. التعبير عن ذلك يُمكن ان تجده في أعقاب تعهد وزير الداخلية لبلدية عسقلان باعتبارها جزءًا من غلاف غزة، وبأن يُقدم لها المزايا الممنوحة للمنطقة؛ هذه الخطوة إذا ما تحققت بالكامل سيكون لها انعكاسات مالية كبيرة. نموذج اخر هو في مجال الإخلاء/ الإجلاء للمواطنين من منازلهم تحت النيران، كما حدث مرة أخرى هذه المرة لحوالي 30% من مواطني غلاف غزة: هل الدولة جاهزة للإخلاء الجماعي؟ ومن الذي يقرر بشأن الإخلاء واسع النطاق؟ وهل سيعوض من سيتم إخلاؤهم؟، الغموض الموجود في إسرائيل بالنسبة لمجالات الصلاحيات والمسؤوليات في المجالات الحساسة تلك تطهر مجددًا الحاجة إلى تشريع، وهو الأمر الذي لا يحدث رغم المحاولات المتكررة منذ العام 2007.

هـ) الجوانب الاقتصادية/ في المواجهة الأخيرة، أولي الاهتمام للثمن الاقتصادي، وسيما تبعًا الشلل الذي أصاب منطقة الوسط؛ الأضرار نبعت بشكل أساس من إطلاق القذائف الصاروخية التي أضرت بنمط الحياة والاقتصاد، وأدت إلى فقدان مصادر الدخل. القطاع الأكثر حساسية للضرر هو القطاع الخاص، وعلى رأسه أعمال الترفيه والسياحة. على مستوى الناتج القومي الإجمالي، في إسرائيل يقف عند حوالي 5.3 مليار شيكل في يوم العمل الواحد، وناتج قطاع الأعمال يبلغ حد 3.4 مليار شيكل في اليوم، في الحالة التي أمامنا يُمكن القول بأن خسائر الناتج كانت قليلة نسبيًا، وربما يخرج الاقتصاد مستفيدًا في حل طرأ منذ الآن تحسن على الوضع الأمني. مع ذلك، الحدث الحالي يُثبت ترتيب حجم خسائر الناتج المحتملة في الحالات التي يتضرر فيها النمط الاقتصادي بشكل كبير ولفترة طويلة، كذلك يعكس إسهام المنظومة الاعتراضية الصاروخية الكبير الاقتصادي، إلى جانب إسهامها في خلق الاستمرار الأدائي.

و) الإعلام وقت الطوارئ/ لهذا المجال جانبان أساسيان في الطوارئ: الأول متعلق بطريقة التغطية الصحفية للأحداث التي تكسو الجوانب المتنوعة والمتعلقة بتجربة الطوارئ لدى المواطنين غموضًا، وبسبب الميل إلى تغطية الأحداث بالمنظور التجاري. والثاني متعلق بالأنماط السياقية في الطوارئ بين القيادة الوطنية (المختلفة في ذلك عن القيادة المحلية) وبين الجمهور، ولقد تميزت مجددًا بالامتناع المتكرر من قبل الحكومة عن الإعلان أنه تم تحقيق وقف إطلاق النار وترك ذلك للطرف الآخر.

ز) الحصانة المدنية/ أساس عبء الصمود في وجه إطلاق النار ألقيَ مرة أخرى على عاتق سكان غلاف غزة. رغم الازدهار الملحوظ في هذه المنطقة والاستمرار الأدائي في الجولات القتالية وما بينها، منظومة المساعدات المهنية المحلية محتاجة إلى دعم آخر من قبل سلطات الدولة. ليس المقصود فقط المنح المالية؛ وإنما معرفة دور هذه المنظومة الحيوي في دفع الحصانة المجتمعية وإبقائها في فترة ما بين المواجهات أيضًا.

في المحصلة، عرض جولة القتال أمام الجهاد الإسلامي في السياق الأوسع في الجبهة المدنية على أنها نجاح، من شأنه أن يعزز شعور الرضا الشعبي بشأن وضع استعدادات الجبهة الداخلية؛ وهذا فيه ما يكفي للإسهام باستمرار تأخير العمل المطلوب لتحسين مكونات أساسية كثيرة من التجهيزات قبيل المواجهة المرتقبة وآثارها الصعبة في حال لم تصحح الأخطاء لتصبح مثل تلك التي تم تحقيقها.