جولة القتال الاخيرة..الرابحون و الخاسرون د. سفيان ابو زايدة

الخميس 14 نوفمبر 2019 01:55 م / بتوقيت القدس +2GMT
جولة القتال الاخيرة..الرابحون و الخاسرون د. سفيان ابو زايدة


انتهت  جولة قتال اخرى  استمرت يومين كاملين و التي بدأت بعد هجوم اسرائيلي متزامن في غزة و دمشق ادى الى استشهاد القائد العسكري للواء الشمال في سرايا القدس في قطاع غزة بهاء ابو العطا و استشهاد معاذ العجوري في دمشق وهو نجل رئيس المجلس العسكري للجهاد وعضو مكتبها السياسي اكرم العجوري.

اسرائيل التي تقول انها اتخذت قرار الاغتيال منذ فترة و لكنها كانت تنتظر الظرف العسكري و السياسي لتنفيذ القرار اخذت بعين الاعتبار رد الفعل الذي سيكون من قبل الجهاد الاسلامي و تشكيلات عسكرية اخرى ، و بالتأكيد اخذت بعين الاعتبار السيناريوهات المختلفه التي ستتلو عملية الاغتيال و التي أسوأها كان الانزلاق الى مواجهة شاملة تشارك فيها حماس و كل الفصائل التي تملك امكانيات. 


السيناريو الافضل بالنسبة لاسرائيل هو ان تكون ردة فعل ليوم او يومين ، او تبادل لكمات لا يتجاوز الاسبوع . ما حدث بالنسبة لاسرائيل هو السيناريو الاقل ضررا و اقل خسائر و الاقصر وقتا من وجهة نظرهم ووفقا لتقديراتهم.


مع ذلك ، وفي نظرة فاحصة للثلاث اطراف الرئيسية التي لها علاقة بالحدث دون التقليل من شأن الاخرين ، وهي اسرائيل و الجهاد و حماس ، يمكن تسجيل الملاحظات التالية:

اولا: اسرائيل

في البعد العسكري سجلت لنفسها نجاحا استخباراتيا و عملياتيا باغتيال قائد عسكري بحجم الشهيد بهاء ابو العطا التي اشتكت منه كثيرا. وعلى الرغم من اطلاق مئات الصواريخ و القذائف الا انها خرجت دون خسائر في الأرواح . 

 مقابل ذلك هناك حوالي ستة و ثلاثين شهيدا فلسطينيا منهم اطفال و نساء ولكن ما يزيد عن النصف هم من المقاتلين وكذلك  يمجد الاسرائيليون أنفسهم بانهم تعاملوا بذكاء من خلال تحييد حماس و عدم دخولها المعركة .


اما من الناحية السياسية ،فان هناك شكوكا بوجود بُعد سياسي لعملية الاغتيال استفاد منها نتنياهو و الليكود من خلال اغلاق الطريق امام غانتس في تشكيل حكومة اقلية تعتمد على القائمة العربية المشتركة و وضع النظام السياسي امام خيارين فقط اما تشكيل حكومة وحدة وطنية او الذهاب الى انتخابات ثالثة.


اما خسائر اسرائيل خلال الثمانية و الاربعين ساعة فكان اهمها هو محاصرة ما يقارب نصف الاسرائيليين ووضعهم رهائن في ايدي مقاتلي السرايا ، بما في ذلك تل ابيب التي تم توقف الحياة فيها لمدة يوم كامل . دون مدارس او جامعات او اعمال باستثناء الامور التي حددتها الجبهة الداخلية على انها ضرورية.


الاسرائيليون يفهمون اكثر من غيرهم فان اغتيال فلسطيني في غزة لا يمر دون ان يدفعوا ثمنا يمس حياتهم و اقتصادهم. الخسائر الاسرائيلية تقدر بمئة مليون دولار على الاقل و هناك عائلات كاملة في محيط غزة لم تنتظر طويلا و تركوا بيوتهم متجهين شمالا او الى الوسط بحثا عن اماكن اكثر امانا.

واذا كان هدف عملية الاغتيال هو تعزيز قوة الردع الاسرائيلية التي تآكلت خلال العامين الماضيين يوجد شكوك كبيرة ان لم يكن قد تآكلت اكثر بعد هذه العملية.

ما حدث سيعيد النقاش في اسرائيل مرة اخرى حول ضرورة التعامل مع غزة وفق استراتيجية بعيدة المدى تقود الى احداث تغيير جذري في هذا الوضع القائم .


 هناك الكثير منهم يعتقد ان استمرار غزة محاصرة وجائعة و تنزف من اكل انحاء جسدها  لا يوفر الهدوء او الامن لاسرائيل و كل الحلول التكتيكية و الترقيعية لن تعالج مشكلة مستعصية كمشكلة غزة.

ثانيا: الجهاد الاسلامي 

لم يكن امام الجهاد الاسلامي اي خيار آخر بعد عملية الاغتيال سوى الرد من خلال اطلاق عشرات الصواريخ . اسرائيليا هذا كان متوقعا و لم يتوقعون غير ذلك.

الجهاد على مدار يومين ادار معركة فيها الكثير من الذكاء . لم يستخدم كل ما لديه من امكانيات . شل الحياة لاكثر من نصف اسرائيل بما فيها  تل ابيب . اوصل رسالة قوية جدا ان اي عملية اغتيال جديدة لن تمر دون رد و سيدفع الاسرائيليين ثمنا غاليا.
لقد خسر الجهاد في هذه المعركة عدد من الشهداء و القيادات الميدانية و خسر بلا شك من قوته العسكرية ولكنه خرج مروفوع الرأس.


الموافقة على وقف اطلاق النار بغض النظر عن الشروط التي لا لزوم لها و التي لم تكن اكثر من سُلم قدمه الاخوة المصريين لنزول الاطراف عن الشجرة بأقل الخسائر.

من وجهة نظري ، الجهاد تعامل بحكمة و ذكاء في ادارة هذه المعركة ، و رغم الانتقادات التي تسمع هنا و هناك ، خاصه بحق الامين العام للجهاد الشيخ زياد النخالة الا ان القرار بالموافقة على وقف اطلاق النار كان صائبا و حكيما و جَنب شعبنا مزيدا من الشهداء و مزيدا من الجرحى و مزيدا من الدمار.

هنا يقفز الى الذهن سؤال وهو لو افترضنا ان الجهاد رفض وقف اطلاق النار و استمر في اطلاق الصواريخ و واصلت اسرائيل عمليات القصف و الاغتيال لعدة ايام اخرى او لنفترض اسابيع، هل ستكون النتائج افضل ؟

و السؤال الاخر هو ماذا كان الهدف من رد الجهاد ، هل تحرير فلسطين و اقامة الدولة ام كان مجرد رد على عملية الاغتيال و تدفيع الاسرائيليين ثمن هذه الجريمة؟


اذا كان الهدف هو تحرير فلسطين فأن الجهاد قد فشل في المهمة اما اذا كان الهدف الرد بشكل قاسي على عملية الاغتيال فأن المهمة قد انجزت و عليه كان التوقف عند هذه النقطة هو قرار حكيم.


ثالثا: حماس

سيقال الكثير و يكتب الكثير عن موقف حماس في عدم المشاركة في هذه المعركة. ومع الاخذ بعين الاعتبار ان هناك امور قد تكون قد حدثت ليس لدى العامة علما بها او تفاصيلها و لكن ما هو ظاهر ان حماس لم تشارك في عملية الرد على عملية الاغتيال و الجهاد الاسلامي ادار المعركة باقتدار وفقا للظروف الموضوعية و تصدر المشهد كاملا.


هناك وجهات نظر مختلفة حول عدم مشاركة حماس في هذه المعركة، وكل وجهة نظر فيها ما يكفي من الوجاهة . 

ليس هناك اي شك ان عدم مشاركة حماس بما تملك من قدرات عسكرية تفوق بكثير قدرات الجهاد الاسلامي قد وضعها في موقف محرج امام الرأي العام الفلسطيني . ليس من السهل ان يتم تقبل موقف كهذا من تنظيم مبرر وجوده قائم على المقاومة.
هذا يعني ان من الناحية الشعبية ومن الناحية العاطفية عدم مشاركة حماس يجعلها عرضه لانتقادات كثيرة .

و من ناحية اخرى كان واضحا وضوح الشمس ان دخول حماس على خط المواجهة سيطيل من عمر العدوان و سيكون الدمار اكبر و قد يتطور الى عدوان شامل. 

لذلك و بدون عواطف عدم مشاركة حماس بالنتيجة اختصر الكثير من الدماء و الدمار.
سيما انه و في نهاية المطاف سيتم التوصل الى وقف اطلاق النار طال امد العدوان ام قصر.
رحم الله الشهداء و الشفاء للجرحى و اعان الله شعبنا على مصائبة.
Dr.sufian@gmail.com