جدلية الحضور والمكانة في مشهد الحكم والسياسة

بدنا انتخابات!! د. أحمد يوسف

الأحد 15 سبتمبر 2019 11:01 م / بتوقيت القدس +2GMT
بدنا انتخابات!! د. أحمد يوسف


في ظل تعاظم حالة التأزيم السياسي وتردي الأوضاع المعيشية إلى مستويات غير مسبوقة، واستشراء حالات الاحباط العام والتيه بين الشباب، وغياب أية آفاق لفرجٍ قريب، ومع ارتفاع وتيرة الاحتجاج والغضب الشعبي من أداء السياسيين ومناكفاتهم الإعلامية، وتكاثر الحديث في الشارع الفلسطيني عن الفساد والمحسوبية والتمايز الطبقي بنسب لا تُصدَّق، وفقدان بوصلة التغيير والإصلاح، وتنامي مظاهر التطرف والغلو التي خرجت عن السياق الوطني إلى انحرافات فكرية وجرائم لا يمكن السكوت عنها أمنياً، إضافة لما تطرحه مسيرات العودة وكسر الحصار من تساؤلات حول جدوى استمرارها بنفس النَسق والوتيرة دونما ثمرة مرجوة على مستويات التأثير والتجاوب الإقليمي والدولي، الأمر الذي استدعى الكثير من اللغط والهمهمات التي تطرحها الجماهير والنخب بلهجة حادة ونبرة غاضبة - أحياناً – عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك ما يجري من حوارات تدور بين النخب حول الهدف من وراء فعاليات غدت مشاهدها باهتة، ولم تَعد - بشكلها الحالي - تؤتي أكلها، بل تزايدت الأعباء مع أرقام الاصابات الناجمة عنها، حيث هناك الآلاف من الجرحى والمعاقين بدون رعاية صحية كافية، وعجز ملحوظ في الامكانيات لاحتضان هؤلاء الشباب المصابين، وخاصة من ذوي الإعاقات الدائمة.

إن هناك حقيقة يجب ألا يُغض الطرف عنها وهي أننا مستهدفون في قطاع غزة، وأن إسرائيل تبذل كل المحاولات الخادعة لتوظيف علاقات الضغط التي تملكها في الغرب لشيطنة قطاع غزة، وإظهاره كبؤرة للتطرف والغلو، وأنه خاضع لسيطرة الإرهابيين، وأن القوى التي تتحكم بمجريات الحياة فيه إنما هي أذرعٌ عسكرية لإيران!!

للأسف؛ تأخذ الرواية الإسرائيلية طريقها إلى ذهنية الإعلاميين والدوائر السياسية في الغرب، وتحقق ما تهدف إليه من اختراقات، تنعكس سلباً على حجم الدعم للقضية الفلسطينية وحركة حماس.

إن الحكمة كانت - وما تزال - تقتضي سدّ باب الذرائع، وألا يظهر الإسلاميون في ظل هذا الاستهداف المحموم متصدرين لمشهد الحكم والسياسة، وأن يتوافقوا مع إخوانهم في "الكل الفلسطيني" على شخصيات وطنية أخرى تشغل الهياكل العليا في مواقع العمل وواجهات التواصل مع الجهات الدولية المانحة، وأن تكون في استحقاقات أهليتها بعيدة عن العناوين الحزبية والأيدولوجية اللافتة للنظر، بغرض بقاء مصادر الدعم والاسناد مفتوحة لإغاثة شعبنا تحت الاحتلال، ولجم ادعاءات إسرائيل وماكينتها الدعائية في الغرب من تسويق الأكاذيب وحملات التحريض الهادفة إلى وقف الدعم والمساعدات القادمة إلى قطاع غزة، وهذا - للأسف - ما نجحت فيه إسرائيل وحكومة نتنياهو حينما تمكنت من إلباس حركة حماس ثوب الشيطان، وتحويل قطاع غزة إلى منطقة محاصرة يحظر التعامل معها مالياً بدافع الإغاثة الإنسانية أو المشاريع الإنمائية!!

 إن خلاصة الحملة الإسرائيلية الممنهجة على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) منذ أكثر من عشر سنوات هو التمكين لروايتها، والتي نجد لها صدى فيما قامت به إدارة الرئيس ترامب بقطع ما كانت تقدمه من مساعدات مالية وإنسانية للوكالة، وهي مبالغ كانت تمثل حوالى 30% من ميزانية هذه المؤسسة الأممية الأولى الراعية للاجئين الفلسطينيين في المجالات الإغاثية والتعليمية والصحية.

وقد شاهدنا مؤخراً أن بعض الدول الأوروبية، مثل: سويسرا وهولندا وبلجيكا قامت هي الأخرى بتعليق مساعداتها المالية لوكالة الأونروا، والتي تصل إلى 80 مليون دولار!!

إن إسرائيل (الدولة المارقة) قد وجدت لها مادة إعلامية تخدم حملات التحريض التي تقوم بها ضد قطاع غزة، ونحن في المقابل لم نفعل شيئاً لدحض مثل هذه الحملات والتصدي لها، بل كنا نوفر لهم – أحياناً - الذرائع لتسويق مقولاتهم للتشهير بالقطاع وتهيئة الأرضية للاتهامات الموجهة ضده بأنه حاضنة للتطرف والإرهاب!!

السؤال الذي يطرحه نفسه ويفرض على نخب هذا الوطن السياسية والفكرية البحث على إجابات مسلكية لدحض الرواية الإسرائيلية وإبطال تأثيرها، وذلك بتدبير أمور مستقبلنا من خلال التعاطي بفقه الاستضعاف وأدواته في التخذيل عن شعبنا، وحماية ما تبقى من قدراته الوطنية وثقله المقاوم.

إن المصلحة الوطنية تستدعي منا جميعاً العمل معاً من أجل تحصين الثغور المفتوحة، والتي تجد فيها إسرائيل مدخلاً لإصابتنا في مقتل من خلال توجيه الاتهامات بالتطرف والإرهاب.

الانتخابات البلدية: آلية للانسحاب الآمن

سأحاول هنا طرح مخرج يجعل من ادعاءات إسرائيل مجرد أكاذيب وافتراءات، كما أنه يشكل مخرجاً آمناً لحركة حماس لفتح باب الشراكة مع الآخر، واستعادة ما خرَّبته الصراعات الحزبية والمنافسة السياسية على كرسي الصدارة في مشهد الحكم والسلطة والقرار.

نعم؛ لا أحد ينكر بأن حركة حماس جاءت بخيار شعبي، وتصدرت مشهد الحكم والسياسة بآلية ديمقراطية، وتمَّ استهدافها لإغراق سفينتها ظلماً وعدواناً، ثم وقعت الأحداث المأساوية في يونيو 2007 لتزيد الحالة السياسية متاهةً وتوتراً، وتمَّ على إثر ذلك شطر الوطن وتشظيه، وإضعاف نسيجنا الوطني وحدوث اصطفافات حزبية خطيرة، إذ لم يعد هناك أي طرف يعمل من أجل الآخر، بل صار يناصبه العداء!! وهذه حالة كارثية بكل المعاني السياسية والوطنية.

للأسف؛ لا يمكننا إنكار واقع الحال ومؤشرات المآل، حيث إن السنوات التي اعقبت وصول حركة حماس لرأس هرم السلطة بتشكيل الحكومة ورئاسة المجلس التشريعي في مارس 2006، وأمورنا السياسية والمعيشية والنضالية لم تتحرك نحو الأفضل، بل شهدت تراجعاً يبعث على الحزن والأسى، حيث غابت أهلية كل من هم في سدة القيادة السياسية عن إقامة العدل والحكم الرشيد.

 وعليه؛ فنحن اليوم مطلوب منا أن نثبت للعالم أننا شعب ديمقراطي حتى العظم، وأن صناديق الاقتراع هي علامة مميزة في ثقافتنا المجتمعية وسلوكياتنا النضالية، فالانتخابات الرئاسية والبرلمانية هي التي ستعين على إعادة تموقعنا السياسي إذا ما جرت على المستوى الوطني، ولكن هذه الخطوة في ظل غياب المصالحة واستمرار حالة الانقسام ربما تبدو صعبة وبعيدة المنال، وهي تحتاج إلى تحركات تسبقها للتدليل على قدرتنا على إنجاز ما تتطلبه الشراكة السياسية من تحركات وقناعات.

نعم؛ لقد نجحت حركة حماس على إقامة جسور تواصل مع معظم فصائل العمل الوطني، وأظهرت نجاحاً في تعاطيها مع بعض خصوم الأمس، والتأكيد على أن ما يجمعنا هو أكثر مما يفرقنا، وان وحدتنا هي سر قوتنا، وإن كان العدو قد تمكن من خلق فتنة بيننا أوغرت الصدور، فإن معطيات المشهد اليوم أن بإمكاننا أن نعمل معاً وأن نحيِّد خصوماتنا السياسية من أجل الوطن.

سبحان الله!! من كان يتخيل أن حماس ودحلان يمكن أن يلتقيا، وأن تجمعهما مناشط وفعاليات وطنية وإغاثية!! في السياسة – كما هو معلوم - ليس هناك عداوات دائمة، حيث تلعب المصالح دوراً مهماً في التواصل وتعزيز الصداقات. اليوم، ما يجمعنا مع "الكل الفلسطيني" هو أكثر من المصالح، إنه الهّم الوطني العام، إنه تهديدات الاستهداف التي طالت مستقبل وجودنا وأرضنا ومقدساتنا.

اليوم، وبغض النظر عن السجالات الدائرة - إعلامياً - بين الرئاسة والمجلس التشريعي حول "الشرعيات"، إلا أننا بإمكاننا تجاوز ذلك، بهدف الحفاظ على نبض الحياة الديمقراطية عبر الاستمرار في إجراء الانتخابات الطلابية والنقابية، وتطوير ذلك بإجراء انتخابات بلدية في قطاع غزة أسوة بالضفة الغربية. السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا الإصرار على بقاء الحال على ما هو عليه، رغم الانتقادات التي لا تتوقف عن إخفاق كل بلديات القطاع في أداء واجبها الخدمي بالشكل الذي يريح المواطنين؟! لماذا لا نبدأ في تحريك هذا المشهد الديمقراطي، حتى نثبت للعالم خطأ مقولته: "إن الإسلاميين إذا وصلوا لسدة الحكم فلن يغادروها"!!  لماذا لا نمنح المواطن الفلسطيني في قطاع غزة حق مشاهدة الآخرين والحكم على أدائهم؟! ألا يكفي 15 سنة من السيطرة والتحكم، ومآلات لا تبشر بالخير، وهي تنذر في حال استمرارها بالمزيد من الكوارث والأزمات!!

هناك انتخابات جرت على مستوى النقابات وهي خطوة مشكورة وتُحسب لحركة حماس، وإن كانت أصابع البعض ما تزال تتحرك بعقليات حزبية للاستحواذ عليها وفق تحالفات ضيقة. ولكن المطلوب اليوم في المشهد الفلسطيني داخل قطاع غزة هو الانتخابات البلدية، والتي يمكن أن تُحدث الفارق المهم لما نرمي إليه، حيث إن الانتخابات البلدية، هي فرصة لانزال حركة حماس عن الشجرة، وتخليصها من أعباء وضعيِّة الحصار بين الصخرة والجدار، وذلك بتشجيعها لإجراء انتخابات بلدية لا يتصدر مشهدها الا واجهات وطنية تحظي بتوافق "الكل الفلسطيني"، ولا تمثل ماركات حزبية مسجلة.

إن البلديات هي القطاع الخدمي الذي يعتمد بدرجة كبيرة في تطويره على المشاريع المدعومة من الخارج، وهي القطاع الذي يتوجب ألا يحمل أية عناوين حزبية مؤدلجة، وأن من يتصدر قوائم تلك الانتخابات يتوجب أن تكون شخصيات من التكنوقراط ورجال المال والأعمال ممن تحظى صفحات تاريخهم بالوطنية والكفاءة المهنية، وتنعم بالقبول لدى فئات المجتمع المحلي، ولا يسجل عليها اعتراض أو تشكيك لدى الجهات الدولية المانحة. ومن الجدير ذكره، الإشارة إلى أن المانحين في الدول الغربية لا يتعاطون مع بلديات لا تجرى فيها انتخابات كل أربع سنوات؛ لأن ذلك يعتبر مغايراً لمعايير الشفافية والنزاهة المطلوبة في مثل هذه المؤسسات. وغني عن القول التذكير، أن آخر انتخابات بلدية تمَّ إجراؤها في قطاع غزة كانت عام 2005؛ إي قبل حوالى خمسة عشر عاماً!!

إن فكرة إجراء انتخابات بلدية وتحييد الفصائل والتنظيمات عن قيادتها سوف يفتح باب الدعم الأممي لها، وسيؤدي إلى توافر القناعة لدى الآخرين بأن حركة حماس ليست متمسكة بالحكم، وأنها جاهزة للمشاركة في أية انتخابات رئاسية أو تشريعية ضمن السياقات والتفاهمات الوطنية.

في الحقيقة، إن هناك شبه إجماع وطني حول مسألة الانتخابات البلدية، ولم أشهد أية اعتراضات وجيهة لا من قوى اليمين أو اليسار بخصوص هذا الأمر، بل سمعت من قيادة التيار الإصلاحي في حركة فتح أنه عرض على حركة حماس إجراء مثل هذه الانتخابات للبلديات والمجالس المحلية، وأن رؤيته تدفع باتجاه عدم تصدر أية وجوه حزبية مؤدلجة، والتوافق على شخصيات وطنية مستقلة يمكن دعمها من الجميع، والابتعاد عن سياسة المزاحمة والاستحواذ وقبضة التنظيمات على المفاصل الحيوية في البلاد، حيث إن خياراً كهذا سيجلب الدعم الدولي والمشاريع الإنمائية إلى قطاع غزة من ناحية، وسيخفف من غائلة الاتهامات الإسرائيلية بأن هذا القطاع هو حاضنة للتطرف والإرهاب من ناحية أخرى!!