عرب وفرس وأتراك..عريب الرنتاوي

الجمعة 19 يوليو 2019 04:27 م / بتوقيت القدس +2GMT
عرب وفرس وأتراك..عريب الرنتاوي


تمضي طهران في دفاعها عمّا تعتقده حقاً ومصلحة لها، غير آبهة بحشد لأساطيل ولا استنفار الجند في قواعدهم المنتشرة حولها، وتقاوم العقوبات وتعمل من أجل الالتفاف عليها، ولا تكف عن توجيه الرسائل الخشنة، بالأقوال والأفعال، كما حصل في مياه الخليج وجنوب السعودية (الحوثيون). ترفض المفاوضات مع واشنطن، ما لم تتأكد من "سلامة" نتائجها مسبقاً وتخوض غمار حوارات صعبة ومريرة مع الاتحاد الأوروبي حول الاتفاق النووي وآليات التبادل التجاري البديلة. تلتقي مع روسيا وتختلف معها، وتنفتح على الصين، وتوسّع علاقاتها مع أفريقيا وأميركا اللاتينية. تحتفظ بأوراقها قريبة من صدرها، ولا تكشف عن أي منها، إلا بمقدار وفي الوقت المناسب. هكذا تفعل الدول المسكونة بهاجس السيادة، بصرف النظر عن اختلاف المواقف وتباين التقديرات بشأن منسوب الصواب والخطأ هذه السياسات.
على مقربة منها، تفعل تركيا شيئاً مماثلاً... تمضي حتى نهاية الشوط في صفقة "إس 400"، غير آبهة بتهديدات الأميركي التي لا تتوقف، وتمضي قدماً في التنقيب عن النفط في شرق المتوسط وشمال جزيرة قبرص غير مكترثة بالعقوبات الأوروبية، بل ومُستخفة بها. تحاول في سورية تنفيذ أجندتها بالضد من روسيا وإيران والولايات المتحدة سوية، وتسجل اختراقات في علاقاتها مع دول العالم أجمع. تتجه شرقاً من دون أن تفقد أفضليتها في الغرب، وتبقى في "الناتو" من دون أن تهتز علاقاتها مع طهران. تحتفظ بأوثق العلاقات التجارية والسياحية مع إسرائيل من دون اكتراث بما يمكن أن يترتب على ذلك من "انفعالات" في أوساط بعض حلفائها. السياسة التركية تنبع مما تعتقده أنقرة حقاً ومصلحة لها، شأنها في ذلك شأن إيران، أياً كانت العواقب والنتائج، وأياً بلغت درجة رضا أو غضب هذا الحليف أو ذاك الخصم.
إلا نحن العرب، نذهب غير راغبين إلى حيث يريدنا "الحلفاء" أن نذهب. ندفع أضعاف أثمان البضائع التي نستوردها، سيما العسكرية منها؛ لأن أصحابها هم وحدهم من يقرر السعر ودول المنشأ. هم يقررون ما الذي يلزمنا وما الذي لا يتعين علينا امتلاكه. ونحن مضطرون لاسترضاء هذه المراكز. لا نملك قرار الحرب والسلام، ونخوض معارك الآخرين في كل مكان. لا مشروع عربياً محدداً أو واضح المعالم لدينا... خلافاتنا البيْنية أقوى من خلافاتنا مع خصومنا وأعدائنا. دولنا مزروعة بالقواعد والأساطيل والجنود متعددي الجنسيات، وقرارات مؤسساتنا القومية على مختلف المستويات، حبر على ورق، لا أحد يتوقف عندها ولا أحد يأخذها على محمل الجد.
ومع ذلك، نشكو تغوّل إيران في دواخلنا، ونحمّلها وزر زعزعة الأمن والاستقرار، ونهجو صبح مساء مشروعها "الفارسي/الصفوي". نشكو "طورانية" تركيا و"عثمانيتها الجديدة"، ونحمّلها وزر الخراب المقيم في بعض دولنا ومجتمعاتنا، متناسين حقيقة أن "غيابنا" هو الذي أفسح في المجال لـ "حضورهم"، وأن المجتمعات كما الطبيعة، تكره الفراغ. نحن من خلق الفراغ، وهم من ملؤوه، وها نحن اليوم نشكو حضورهم المهيمن، ولا نجد وسيلة للخلاص منه.
من يتتبع المعارك الكبرى التي تخوضها طهران وأنقرة، يشعر بالخجل من الحال الذي آل إليه العرب في مفتتح القرن الحادي والعشرين، ويتمنى لو أن عقارب الساعة تعود لأكثر من نصف قرن للوراء، عندما كان يحسب لنا بعض الحساب على أقل تقدير.