هل أميركا دولة عنصرية؟ محمد ياغي

الجمعة 19 يوليو 2019 04:26 م / بتوقيت القدس +2GMT


عندما يدعو ترامب أربعة أعضاء من مجلس النواب الأميركي إلى مغادرة بلدهم والرحيل إلى "الدول" التي جاؤوا منها ولا تجد من يدينه إلا نواب الحزب الديمقراطي فإن هذا يشير إلى تصاعد غير مسبوق للعنصرية في المجتمع الأميركي. 
هنالك أميركا المحبة للحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والقائمة على التعددية والتي سعى رؤساء مثل لينكولن وكنيدي وجونسون وكارتر وكلينتون وأوباما لتسويقها. 
وهنالك أميركا "القوية" و"المخادعة" في نفس الوقت لاستخدامها مصطلحات وكلمات كبيرة مثل أهمية الحرية والديمقراطية للسلام العالمي والتي سعى رؤساء من أمثال ترومان ونيكسون وريغان وبوش الأب والابن على حد سواء لتسويقها. لكن حتى هؤلاء ورغم خداعهم يمكن ضمهم للمجموعة الأولى.
وهنالك أميركا "العنصرية" التي لا تحب إلا الرجل الأبيض، البروتستانتي، ولا تحترم غيره ولا تريد غيره.
الإبداع الجديد للرئيس ترامب هو كشف هذا البعد "العنصري" في المجتمع الأميركي والبناء عليه برامج واستراتيجيات للسباق الرئاسي القادم الذي قد يعيده إلى البيت الأبيض لأربع سنوات أخرى ابتداء من نهاية العام القادم.
ما نسبته 25% من الأميركيين ليسوا من أصول أوروبية. ترامب قرر أنه لا يريد أصواتهم لأن النواب الأربعة الذين طالبهم بالرحيل إلى "دولهم الفاسدة" التي حضروا منها يمثلون المسلمين وأميركا اللاتينية وأفريقيا وهؤلاء هم الغالبية الساحقة من غير "الأميركيين البيض".
السباق الرئاسي القادم سيكون إذا بين من يؤمن بأن أميركا "دولة لجميع مواطنيها" وبين من يؤمن بأن أميركا هي دولة "لسكانها البيض - البروتستانت". 
بمعنى الانتخابات ستكون بين من يؤمن من الأميركيين بأن بلده عليها أن تتمسك بقيمها المعلنة كدولة ديمقراطية وبين من يؤمن منهم بأن عليها أن تكون عنصرية وأن تتخلص من العرق غير الأوروبي الموجود على أرضها.
العنصرية في أميركا ليست جديدة ولها جذور ضاربة في عمق تاريخها. 
الأميركيون الأوائل، هؤلاء الذي حضروا من أوروبا للاستقرار في أميركا المكتشفة قبل أربعة قرون، قاموا بسحق وقتل ملايين الأميركيين الحقيقيين الذين أطلقوا عليهم لقب "الهنود - الحمر". 
والأميركيون هم من استخدموا العبودية على نطاق واسع ومن أعطوها معنى لم يكن له وجود سابق في التاريخ. 
العبودية في عصر الامبراطوريات السابقة من روما وحتى العثمانية، كان العبيد فيها من جميع الاثنيات البشرية. 
كان صاحب البشرة البيضاء حتى لو كان قائد جيش، يتحول إلى عبد إن وقع في الأسر مثله تماماً مثل أي شخص أخر. 
في أميركا، العبودية اقتصرت فقط على من أحضروهم من أفريقيا رغما عنهم إلى أميركا ليعملوا في مزارعهم ومناجمهم. 
ولم يكن بالإمكان تحريرهم نسبياً وإعادة جزء من كرامتهم إليهم دون حرب أهلية بين الأميركيين أنفسهم قبل ما يقارب 150 عاماً راح ضحيتها أكثر من نصف مليون أميركي.
يمكننا بالطبع الحديث عن أميركا "ابراهم لينكولن" الذي خاض الحرب الأهلية دون تردد ودفع حياته ثمناً لمنع العبودية. 
أميركا هذه تختلف بالطبع عن أميركا التي كرست وشرعنت رغم الحرب الأهلية التمييز ضد الأميركيين الأفارقة حتى وقت قريب (نهاية ستينيات القرن الماضي): منعهم بالقوة من التصويت، حرمانهم من الدراسة والعلاج ومن استخدام وسائل النقل والمرافق الاقتصادية التي يستخدمها "البيض"، وحتى قتلهم دون رحمة من قبل عصابات الكو كلاكس كلان.
وأميركا "ابراهم لينكولن" تختلف بالطبع عن أميركا التي حرمت الصينيين من الهجرة إليها في القرن التاسع عشر، ومن أميركا "روزفلت" التي جمعت اليابانيين في عهده في مراكز اعتقال خلال الحرب العالمية الثانية وهم مواطنون أميركيون خوفاً من أن يكونوا "جواسيس" يخدمون البلد الذي حضروا منه. 
وأميركا "ودرو ويلسون" التي أقرت بحق الشعوب في تقرير مصيرها تختلف عن أميركا اليوم التي تشرعن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. 
وهي تختلف عن أميركا "أيزينهاور" التي جرى في عهده وصم كل ناشط سياسي "بالشيوعية" بهدف تصفية كل من يحمل أفكاراً عن العدالة الاجتماعية فيها.
المناصرون للعنصرية والمعارضون لها كانوا دائماً موجودين في أميركا. 
لكن الجديد في الأمر أنه وبخلاف سعي جميع الرؤساء منذ الحرب العالمية الثانية لإخفائها، الرئيس ترامب يظهرها ويستخدمها كأداة لإقصاء خصومه ولحشد التأييد له. 
ويبدو أنه ينجح في ذلك بدليل أن أعضاء حزبه الجمهوري لم يدينوا خطابه العنصري ضد أعضاء في مجلس نواب بلدهم، وبدليل أن ترامب يتم استقباله في اجتماعات جماهيرية تهتف بكلماته وتطالبه بالعمل على تنفيذها مثل ترحيل النواب الأميركيين ذوي الأصول غير الأوروبية وترحيل المهاجرين.
الأشهر القادمة وحتى الانتخابات الأميركية ستظهر الكثير من المشاهد العنصرية في المجتمع الأميركي وستكشف لنا مجتمعا منقسما على نفسه، بين من يؤمن حقاً بالقيم الديمقراطية والحرية وبين من يؤيد الفاشية والقمع والاستبداد حتى داخل بلده.
لعل في ذلك ما يضيء طريق العرب للاهتمام بمصالحهم ومصالح شعوبهم.