في انتظار الحدث السعيد...رجب أبو سرية

الجمعة 19 يوليو 2019 04:25 م / بتوقيت القدس +2GMT
في انتظار الحدث السعيد...رجب أبو سرية


بعد تعثر واهتمام بدا أنه متقطع أو في أفضل حالاته متوازن بين ملفي التهدئة والمصالحة، يبدو وحسب تسريبات هنا وهناك، بأن اختراقا ما قد حدث في ملف المصالحة الداخلية، تؤكد ذلك إيحاءات تشير بها بحذر أوساط الأطراف الثلاثة المعنية بالملف، بما في ذلك بعض المتابعين للجهد الأمني المصري المكلف الملف، والذين كانت تقديراتهم في السابق دائما، قريبة جدا من حقيقة الأمر.
قد نذهب نحن إلى هذا التقدير بحكم الرغبة التي ما غادرت عقولنا ولا قلوبنا، بأن يتم حل ملف الانقسام الداخلي، بأسرع وقت ممكن، وفي حقيقة الأمر، ووفق منطق الحذر الذي تشيعه الأطراف، لابد لنا من طرح الأمر ومحاولة قراءته، والاقتراب منه بدقة وهدوء، حتى لا نشيع تفاؤلاً في غير محله، ولا إحباطاً نحن بغنى عنه، نقول، إنه لو صدقت النوايا فإنه يمكن هذه المرة تجاوز تلك العقبة الكأداء، وأنه يمكن وبعد تلك التجربة الطويلة والمريرة تجاوز العقبات، بهدوء ووفق جدول زمني، وهناك أكثر من عامل يدفع حالياً بهذا الاتجاه، بل يبدو أن الأمور قد نضجت جداً، ولم يعد هناك لا ما يغري ولا ما يمنع إنهاء الانقسام، بحل داخلي وسط، يرضي الطرفين ويسعد كل الشعب الفلسطيني.
أولا كان الموقف الموحد على الصعيدين الرسمي والفصائلي والشعبي الرافض لصفقة القرن، بل والذي كافح ضد أول ظهور لها، متمثلا بورشة المنامة، حافزا لتحقيق المصالحة، وما ظهر من قدرة العامل الفلسطيني على التأثير رغم كل شيء، قد أشاع  مناخاً ايجابياً دافعاً، حيث وحد الخطاب ودفع به، ربما بشكل واضح وصريح وجلي تجاه العدو الإسرائيلي والخصم الأميركي، ويمكننا هنا أن نقول بأن انعقاد "ورشة المنامة" قد أثر على طرفي المعادلة الداخلية باتجاهين: الأول من حيث أنه أظهر بأن قصة الصفقة حقيقية وأن موعد إعلانها قد اقترب، بما يفرض على طرفي الخصام الداخلي أن يفكرا جدياً في مخاطر ذلك على الجميع، هذا من جهة ومن جهة ثانية، أثبتت وحدة الموقف العام مع صلابة الموقف الرسمي، أن العامل الفلسطيني يمكنه أن يؤثر جدا على الحالة الإقليمية خاصة فيما يخص الملف الفلسطيني.
ولعل الشعور الفلسطيني بالرضا، أو حتى بالزهو حين فرض انحسار التمثيل الرسمي على الورشة، وأن تخرج بأقل الخسائر، بل بما هو أقرب للفشل منه إلى النجاح، قد أقنع بدوره فريقي الخصام السياسي الفلسطيني إلى أنه يمكن بالوحدة الداخلية تحقيق ما قد يبدو الآن أمرا صعب المنال، وشجع حتى الراعي المصري على التقدم بالملف، حيث اتضح بأن الوحدة كفيلة بتحقيق الإفشال النهائي للصفقة الأميركية.
مع كل هذا لا بد من الإشارة إلى أن الطرف الرسمي، أو الجانب الذي تمثله حركة فتح هو الذي تنازل هذه المرة، فبعد أن أثقلت واقعة تفجير موكب رئيس الحكومة السابق رامي الحمد الله، في آذار من العام الماضي كاهل ملف إنهاء الانقسام، وقطعت الطريق على تنفيذ اتفاق تشرين أول 2017، وما تبعها من موقف رسمي قال باختصار: إما تسليم كل شيء أو حمل كل شيء، ها هو يعلن تجاوز ذلك الموقف، واستعداده للعودة إلى خطوات تنفيذ ذلك الاتفاق التي كانت قد بدأت بعد توقيع ذلك الاتفاق، أي خلال نحو أربعة أشهر، ثم توقفت بسبب ذلك الحادث.
صحيح أنه يمكن لمن لا يريد خيراً للمصالحة من بعض الحمساويين القول، إن السلطة و"فتح" قد تراجعتا عن حكومة التوافق، التي كان منوطاً بها مهمة المرحلة الانتقالية التي تتضمن إجراء الانتخابات، وان الحكومة الحالية إنما هي حكومة "فتح" ومن السهل الرد بالقول إن حكومة الدكتور محمد إشتية إنما هي حكومة (م ت ف) وهي لا تختلف كثيراً عن حكومة التوافق، على الأقل من وجهة نظر "حماس" وبتقديرنا فإن الحكومة الحالية لا تشكل عقبة، لا من جهة "فتح" ولا من جهة "حماس" لأن "فتح" لا مانع لديها في تشكيل حكومة أخرى من الفصائل، وهي كانت أصلا قد سعت إلى مشاركة كل فصائل (م ت ف) على الأقل في حكومة اشتية، ولا من حكومة توافق، وكانت حكومة الحمد الله كذلك، ولأن "حماس" كانت تنظر لحكومة الحمد الله على أنها حكومة "فتحاوية" لدرجة أن تحاول عناصر متطرفة منها اغتيال الرجل، العام الماضي.
ما يدعو للتفاؤل هو ما أعلن عن أن السلطة موافقة على استيعاب الثلاثين ألف موظف حمساوي، كذلك مستعدة لأن تبقي على جباية غزة فيها، أي صرف جباية غزة من الكهرباء والضرائب والمعابر على خدمات غزة، والأهم أنها أبدت استعدادا لعقد اجتماع الإطار القيادي ليكون على رأس المرحلة الانتقالية ويشرف على إجراء الانتخابات العامة.
إن إضفاء الحذر والتكتم الإعلامي على ما حدث من اختراق أو ما قيل عن مقترح مصري يتضمن إشرافاً مباشراً من الراعي المصري على التنفيذ، هو عامل ناجح إضافي، ذلك أن خصوم المصالحة على الجانبين لن يكون بمقدورهم التحريض والعرقلة ما داموا لا يعرفون التفاصيل أو حقيقة الأمر، وما دامت ليست بيدهم معلومات مؤكدة.
من الواضح أن المنعطف الحاسم كان في تشكيل الحكومة الوطنية بديلاً عن حكومة التكنوقراط، وقد ثبتت رؤيتنا وتوقعنا بل وتقديرنا بأن حكومة اشتية هي حكومة البرنامج الوطني وليست حكومة التنفيذ الخدمي، وها هي لم يمض على تشكيلها سوى أشهر قليلة، وقد ظهرت كحومة تناضل في المسار السياسي، إن كان على صعيد مواجهة صفقة العصر والسياسة الأميركية/الإسرائيلية في المحافل الدولية، الأوروبية تحديداً، أو كان على صعيد ترجمة خيار الانفكاك عن الجانب الإسرائيلي اقتصادياً (اتفاق النفط مع العراق) أو ما سمي بالتنمية بالعناقيد، بما لا يدع مجالا للشك بأن السلطة قد غادرت أوسلو وأن الحكومة ليست حكومة أوسلو بل حكومة برنامج (م ت ف) وهي صامدة في وجه قرصنة أموال المقاصة، وهي مستعدة لأن تضحي بكل شيء من أجل الوحدة الوطنية بما في ذلك حلها، لو اقتضى الأمر.
يبقى القول بأن "حماس" كانت قاب قوسين أو أدنى من الدخول في حرب مع إسرائيل من أجل توفير رواتب موظفيها، وقد تأكد لها عبث تفاهمات التهدئة خاصة مع أزمة التشكيل الحكومي الإسرائيلي، وهكذا بتنا أكثر من أي وقت مضى إزاء إعلان الحدث السعيد قريباً، إن شاء الله.