خبر : قراءة في حرب الأنفاق بين الفلسطينيين والاحتلال....عمر قاروط

الأربعاء 06 نوفمبر 2013 08:44 ص / بتوقيت القدس +2GMT
قراءة في حرب الأنفاق بين الفلسطينيين والاحتلال....عمر قاروط



خلال أيام معدودات تكشفت أمامنا حقيقة نفقين تربطان قطاع غزة مع الأراضي المحتلة على طول الشريط الحدودي، وتكشفت الكثير من المعلومات حول ماهية وملامح هذه الأنفاق، والقيمة التكتيكية لها، والأهداف التي صممت لأجلها، وبدا واضحا أن هذه الأنفاق تثير أمرين متعارضين تماما:

 الأول بالنسبة للفلسطينيين ويتمثل في أنه كشف عن وجود مخططات وسياسات للمقاومة الفلسطينية للأهداف المرحلية التي تعمل عليها، وأنها منشغلة في التفكير والتخطيط لبناء قوة ردع وهجوم في مواجهة عدوان الاحتلال على قطاع غزة والأراضي الفلسطينية ضمن الظروف والاماكانات المتاحة، وأنها تتقدم بصورة مدروسة بعيدا عن الارتباك السياسي الذي يسيطر على الحياة السياسية الفلسطينية.

والثاني  بالنسبة للاحتلال ويتمثل في أنه كشف عن قدرات لدى المقاومة الفلسطينية تؤهلها إلى الإمساك بقدرات للمناورة والمواجهة والاختراق ستغير من طبيعة المواجهات القادمة، وتعيد الحسابات لدى الاحتلال إزاء الإستراتيجية الأمنية على الحدود مع قطاع غزة.

الحديث عن الأنفاق في تكتيكات المقاومة ليس جديدا، فقد استخدمت الأنفاق في المواجهة مع الاحتلال حتى قبل انسحابه من قطاع غزة، وكلنا يتذكر نفق موقع محفوظة، لكن الجديد في هذا الأمر أنه تحول من البعد التكتيكي إلى البعد الاستراتيجي، ومن البعد الوظيفي إلى البعد المهدف، أي أنه تحول من أداة وظيفية لتنفيذ عمليات للمقاومة إلى أداة إستراتيجية في إدارة المواجهة مع الاحتلال، ومن هنا جاءت نقطة التحول في فكر المقاومة، والخطر والقلق بالنسبة للاحتلال، والذي وجد نفسه مضطرا لأن ينشئ وحدات هندسية وفنية للبحث عن الأنفاق وكشفها.

وبالنظر إلى الموجهة الأخيرة التي شهدها نهاية الأسبوع بين قوات الاحتلال والمقاومة الفلسطينية على الحدود الشرقية لمحافظة خانيونس والتي لعب النفق نقطة الصدام والاشتباك الرئيسية فيها تشير إلى الأثر الملموس الذي بدأ الاحتلال يتحسبه لدور الأنفاق في تكتيكات المقاومة، ومخاطر ذلك على جنوده، وتخوفه من أن تنجح المقاومة في تحقيق تفوق على الاحتلال، وتسجيل فوزا بالضربة القاضية من خلال نجاحها في اسر بعض الجنود في المواجهات المحتملة أو في عمليات خاصة، وعندها سيجد الاحتلال نفسه أمام تغيرات جوهرية في طبيعة المواجهة مع المقاومة الفلسطينية قد لا يكون بالضرورة عنوانها مواجهة مفتوحة مع غزة والمقاومة ولكن بالضرورة ستفرض عليه تغيير في قواعد اللعبة، وعندها لا يعرف إلى أين سيقوده ذلك التفكير.

وإذا كنا قد رأينا في حرب الأنفاق مؤشرات تغيير وتطور لدى المقاومة الفلسطينية في إدارة المواجهة مع الاحتلال لكن ذلك لا يجب أن يكسبنا مبالغة في الثقة، وإسراف في النشوة، لأنه في هذه المواجهة ليس المهم أن تسجل نقاط ولكن المهم أن تحسب، ولذلك عملية تسجيل النقاط قد تكون أحيانا خادعة، لذا لا بد من الانتباه في مثل هذه الحالات إلى التأني والتروي في تسجيل النقاط والتركيز على تحقيق الحسم أو الفوز، لأنه في نهاية المطاف كل النقاط والمكاسب المرحلية أو التراكمية إذا لم تفلح في الصعود بنا إلى مرحلة الحسم تكون نوع من الهدر.

ووهنا أود أن ألفت الانتباه إلى الخطاب الإعلامي الموازي إلى ما تحققه المقاومة من نجاحات أو تفوق أو تقدم، لا بد أن يخلو من المبالغة والتهويل، والتضخيم ، لأن ذلك يرتد عكسيا ليس على المقاومة فحسب بل وعلينا جميعا، خصوصا إذا أدى ذلك إلى استفزاز الخصم في الوقت غير المناسب، وبصورة غير مبررة بالقدر الكافي، وهنا لا أريد من ذلك توجيه نقد أو لوم لتصريح هنا أو تعليق هناك أو مشاركة على مواقع التواصل الاجتماعي مشبعة بالعواطف والاندفاع، ولكن أريد أن أذكر، والتذكير فقط، باعتبار أن التذكير ينفع أصحاب العقول والبصيرة.

ومما يلفت الانتباه في حرب الأنفاق بين الاحتلال والمقاومة هو التوقيت والهدف، فأنا أعتد ان كلا الطرفين يهدف في هذه المرحلة من هذه الحرب هو الحيلولة دون وقوع المواجهة الشاملة، أو الصدام المفتوح، باعتبار أن التكلفة لأي مواجهة قادمة ستكون عالية جدا، ومن الصعب على أي طرف تحمل مسئوليتها، أو تبريرها أو تحمل تبعاتها، ولذلك هو يجد نفسه مضطرا للمناورة في المساحات الواسعة، والحدود المحتملة، حتى لا يضطر للتفكير أو الذهاب إلى الخيارات الصدامية أو الصفرية كما يقولون. وهذه مسألة معروفة في التكتيكات العسكرية، والصراعات الطويلة الأمد، حيث يقوم كل طرف من أكراف المواجهة بتجنب الصدامات البعيدة عن تقديراته وتوقيتاته عبر تنفيسها في مواجهات أو عمليات محدودة تقنع كل طرف بضرورة التوقف عند هذا القدر من الاختبار أو الاستكشاف زتجنب الاستدراج للمواجهة الشاملة أو المفتوحة باعتبار أن ذلك يتكون تكاليفه وعاقبته فوق طاقته.