خبر : "الشعب يريد..": صرخةٌ غاضبة أم صحوةُ وطن؟!!..د. أحمد يوسف

الأحد 29 يوليو 2012 02:40 م / بتوقيت القدس +2GMT
"الشعب يريد..": صرخةٌ غاضبة أم صحوةُ وطن؟!!..د. أحمد يوسف


إن الحقيقة التي لا تغيب شمسها هي أن الشارع الفلسطيني بدأ يفقد الأمل في قياداته السياسية، وأن الحديث عن المصالحة الوطنية أصبح الناس يتداولونه من باب التندر والاستهزاء.. فالقناعات الآخذة في الترسخ بين الناس هي أن الطرفين - فتح وحماس - لديهما أجندات خاصة، وأن كل طرف لديه وسائله الخاصة التي يحاول بها تعطيل المصالحة وتحميل الأسباب للطرف الآخر، هروباً من أسئلة الغاضبين وردّات أفعالهم. إن أحاديث البيوت والمجالس المجتمعية والديوانيات والصالونات السياسية – اليوم - لا تخرج عن توجيه الاتهام للطرفين، والتشكيك بالادعاءات ومكنون النوايا والتكتيكات التي يعتمدها كل منهما لتبرئة نفسه من مسؤولية استمرار الانقسام وغياب المصالحة. إن واقعنا المأسوي في الضفة الغربية وقطاع غزة مسؤول عنه بالدرجة الأولى القيادات السياسية والأمنية المتنفذة، والتي تفتقر إلى إرادة سياسية تدفعها للتراجع خطوة أو خطوتين للخلف من أجل ألف قفزة "وطنية" للأمام. لم تعد شكوى الناس هذه الأيام أن الوطن أوشك على الدخول في متاهة الضياع وعين العاصفة، فحركة الاستيطان التي تجري على قدم وساق لتهويد المدينة المقدسة، وصهينة كل فضاءاتها العمرانية والتراثية ليست أولوية على ألسنة العامة أو الخاصة، كما أن عملية ابتلاع الضفة الغربية - مع مطلع كل شمس - لتثبيت حقائق استيطانية عليها، ثم شرعنتها إسرائيلياً، بعيدة كذلك عن اهتمامات ولاة الأمر وإنشغالاتهم.. إن غزة اليوم ليس لها من حديث إلا معاناتها بسبب انقطاع الكهرباء، وعدم وفرة المياه الصالحة للشرب، وتراكم النفايات التي تزكم الأنوف صبح مساء، والروائح الكريهة المنبعثة من تفجر قنوات الصرف الصحي، وكل ما انفلت من عقال مجاريه واتخذ سبيله للبحر سربا، ملوثاً الشواطئ والهواء القادم منها. أما الضفة الغربية فلها مأساة من طعم آخر، حيث كرّس الاحتلال واقعاً يجعل الناس في معاناة دائمة وكرب عظيم؛ فالحواجز تحرم الناس من حرية التنقل بين مدنهم وقراهم، وتمنعهم من الوصول إلى مزارعهم التي هي بمثابة شريان حياتهم، حيث التجمعات الاستيطانية المتداخلة بين مدن الضفة الغربية وقراها، وحيث الجدار العازل الذي يفصل صاحب الأرض عن أرضه، والطالب عن مدرسته، والمزارع عن مزرعته، والأخ عن أخيه، إضافة لكافة أشكال الملاحقة الأمنية والاعتقال التعسفي التي يقوم بها الاحتلال من جهة وأجهزة السلطة الأمنية من جهة أخرى. كما أن الانتهاكات الإسرائيلية التي لا تتوقف عند حدِّ مصادرة أراضي المواطنين وثرواتهم المائية والحياتية. لقد تساءلنا في أكثر من مرة: هل إلى خروج من سبيل؟! ونادينا - بألم ومرارة ورجاء – يا قوم أليس فيكم رجل رشيد؟! للأسف، ظلت كل جهودنا مراوحة في المكان، وصرخاتنا ضاعت في مثابة "لا حياة لمن تنادي"، وعدونا – وأسفاه - يكسب مع الزمان، وخطانا – وحسرتاه - لا تمضي قدماً للأمام..!! إن لقاءات المصالحة وجلساتها والوثائق والاتفاقات الصادرة عنها تملأ محاضرها مجلدات، فلم تبق شاردة أو واردة عن سبل تحقيق المصالحة إلا أحصيناها، فالمخرجات التي جاءت بها الأطر الرسمية لكل من فتح وحماس تحجب عين الشمس، والأفكار التي أوردتها مداخلات الوسطاء ومراكز البحث والدراسات ولقاءات المائدة المستديرة، والتي شارك  فيها أساطين الفكر السياسي الفلسطيني والعربي والإسلامي والدولي لم تبق حجة لأحد للتهرب أو الرفض، ولكن وهنا جوهر المأساة - كما يقول المثقفون الفلسطينيون - أننا أصبحنا مختطفين لفصيلين، يعتقد كل منهما أنه الأحرص على الشعب والقضية، وأنه يمتلك بيده طوق النجاة، ولديه خريطة الخلاص، وأن علينا الإذعان له والتسليم لحساباته وأوهامه دونما شكوى أو اعتراض.!! مرسي ومصباح علاء الدين لاشك أن الآمال معقودة على الرئيس مرسي للتخفيف من معاناة أهل غزة الذين أنهكهم الحصار، وكبلهم الاحتلال، وأرهقتهم تداعيات كل ذلك على حياتهم اليومية.. إن الحكومة في غزة لها طموحات عريضة أن تضع مصر والرئيس مرسي حدَّاً لمعاناتهم، وارتهانهم لمزاجية دولة الاحتلال اليمينية المتطرفة. في الحقيقة، ليس لدينا أدنى شك بأن الرئيس مرسي سيبذل كل جهده لتحسين أشكال التعامل المصري مع قطاع غزة، وسيعمل على التخفيف من القيود التي كانت مفروضة على الفلسطينيين، وخاصة في حرية تحركاتهم عبر المطارات المصرية ومن وإلى معبر رفح الحدودي، إضافة إلى الحاجة لفتح مجال للتبادل التجاري مع مصر أو من خلالها للأسواق العربية والدولية. في الواقع، إن مصر – رئاسة وحكومة وشعباً - ستقدم كل ما في وسعها عمله لتسهيل حياة الفلسطينيين في القطاع المحاصر لتعزيز صمودهم وثباتهم في وجه المحتل الغاصب، ولكن في الوقت نفسه فإن الرئيس مرسي يعلم أن حجر الزاوية وبيت القصيد لدعم الفلسطينيين في قطاع غزة هو العمل على إنهاء انقسامهم وتحقيق المصالحة بينهم، أما الاستمرار في تأبيد الحالة القائمة من الخلاف بين فتح وحماس، وتعطل الحياة السياسية، وتشرذم المجتمع الفلسطيني وبقائه على وضعية الاصطفاف الحزبي والاستقطاب الفصائلي فهي الحالقة، والتي لن تجدي مع استمرارها كل التسهيلات وأشكال الدعم الذي يمكن لمصر تقديمها. استراتيجياً، من الواضح أن جوهر مشاكلنا سياسية، وأن حالة الانقسام لن توفر الحماس الكافي داخل الشارع العربي للقيام بالواجب المطلوب تجاه قضيتنا، والتي تعتبر هي القضية الوطنية الأولى لمعظم شعوب أمتنا العربية والإسلامية.. إن واقع الحقيقة - اليوم - هو أن هناك أولويات كثيرة استجدت في منطقة الشرق الأوسط، جعلت الأنظمة العربية التي انبثق بعضها من رحم الربيع العربي مشغولة بقضاياها الأمنية، واستقرار أوضاعها السياسية والاقتصادية، وربما ليس لديها - الآن - ما يمكن أن تقدمه للفلسطينيين تحت الاحتلال غير الوعود والكلمة الطيبة. وفي المقابل، فإن هناك من الأنظمة العربية من ينتظر - بتوجس وخوف - طلة الربيع عليها، وبالتالي فاهتماماتها وهمومها ليست في مساحة الفضاء الفلسطيني.. وهذا معناه، أننا أمام تحديين يتطلبان منا سرعة التحرك والمواجهة، أولهما؛ الإسراع بالخروج من حالة الانقسام، والتواصل مع العمق العربي والإسلامي لتشكيل رأي عام ضاغط على الحكومات العربية للقيام بواجبها حيال الفلسطينيين وقضيتهم، ودفعها لاتخاذ مواقف مشتركة للتأثير على الرأي العام الغربي والمجتمع الدولي لغرض ايجاد حل سياسي يمنح الفلسطينيين حقهم في إقامة دولتهم الحرة المستقلة، وإلا فإننا سنجد أنفسنا أمام التحدي الثاني وهو تكريس "الواقع القائم – Status Quo"، وتثبيت أرضية الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة بالشكل الذي يسمح للبعض بالحديث عن دولة محررة في قطاع غزة، واعتبار الضفة الغربية منطقة تحت الاحتلال.!! وبذلك، تنتهي أحلامنا بالدولة الفلسطينية الحرة والمستقلة إلى بقعة جغرافية على أطراف الوطن، غارقة في أزماتها التي تتعاظم ولا يبدو أن هناك نهاية لها. إن الكلمة القوية التي أوصلها الرئيس مرسي إلى أسماع كلٍّ من طرفي الأزمة - فتح وحماس – هي: إذا أردتم لمصر أن تقف إلى جانبكم فلا تأتوا لها إلا متوحدين، عليكم أن تنهوا خلافاتكم أولاً، وسنأخذ بأيديكم ونجمع شمل العرب والمسلمين خلف قضيتكم، وسوف نستعيد - بوحدة صفكم - لفلسطين مكانتها، باعتبارها القضية المركزية للأمة. لقد أعجبني موقف الرئيس مرسي عندما قال: إننا سنكون على مسافة متساوية من الطرفين، وهذه رسالة قوية لطرفي الأزمة؛ فتح وحماس، وباقي فصائل العمل الوطني والإسلامي أن لا تنتظروا من مصر أن تكون جزءاً من المشكلة القائمة بينكم، بل هي عامل الحل لها، وإذا كان البعض يعزو تعطل المصالحة لسبب أن مصر مبارك كانت – في السابق – منحازة إلى جانب أحد الطرفين، فإن مصر مرسي ستكون للفلسطينيين جميعاً. قطاع غزة برميل بارود عاد ابني من رحلة قصيرة إلى تركيا، فسألته: كيف وجدت استانبول؟ فقال: إنها تسبقنا بمائة سنة ضوئية..!! فقلت له: وما هي دلائل ذلك؟ فأخذ يعدد لي مشاهداته ويقارن بين هنا وهناك. إذا كانت هذه هي ملاحظات شاب لم يبلغ عمره الخامسة عشر عاماً، فما هي ملاحظات شبابنا الموجوع في كل أركان حياته، والذي يعيش فراغاً قاتلاً وينظر بيأس إلى أفقٍ لم يتشكل فيه أمله الموعود.؟ ماذا نقول لحوالي 80 ألف خريج جامعي عاطلين عن العمل؛ يتسكعون في الشوارع وفي استراحات الشواطئ، ولا حديث لهم إلا كل ما يبعث على الاحباط والألم؛ فلا وظيفة متاحة، ولا شقة مأمولة، وبالطبع فإن تقاليدنا تقول: لا زوجة لرجل لا يملك بيتاً، ويعيش عالة على كاهل والديه.؟!!هذا ما ناحية الخريجين، فماذا عن حال المستنكفين؟! أكثر من سبعين ألفاً من الموظفين كانوا قبل الأحداث الدامية في يونيو 2007 لهم مؤسسات تحتضنهم، ومكاتب تأويهم، وجهات تديرهم وتوجههم.. الآن، هم إلى حياة الشوارع أقرب، يقضون في المقاهي والاستراحات معظم أوقاتهم، وأحاديثهم تغذي حالة الاحتقان والانسداد داخل الشارع الفلسطيني، وهم أشبه ببرميل بارود بانتظار لحظة الصفر للانفجار. إن أجهزة الشرطة – أعانها الله - مشغولة يومياً بملاحقة مشاكل الشوارع بين الشباب، وتداعيات الفراغ الذي ملأه تعاطي الأترمال والحشيش وانحرافات أخرى نتعفف عن ذكرها. وفي ظل غياب الفعاليات الوطنية، وتراجع وتيرة الفعل المقاوم للاحتلال، واستمرار الملاحقات الأمنية بسبب أو غير سبب، أصبح شبابنا في هويته الوطنية أقرب إلى الضياع، وفي انتمائه الإسلامي يمشي مكباً بلا بوصلة أو مسار. لقد غدا الوطن اليوم – واحسرتاه - يتحرك بعقيدة "دعوها فإنها مأمورة..!!"؛ أي أننا نمضي إلى واقع نتمناه ونحن إليه مسيّرون أو أننا نلهث خلف سراب بقيعة بلا رؤية وهدف..!! سياسات ووجوه هي عقبة المصالحة إننا نفهم أن هناك قلة من السياسيين وأصحاب المصالح والامتيازات لا تريد للمصالحة أن تتحقق، ومبتغاها أن يبقى الوطن بالشكل الذي عليه من التشرذم والتشظي والانقسام. ولكن أليس من حق شعبنا - بقامته العالية ووعيه الناضج - أن يتجاوز الحسابات القاصرة والعاثرة لكل هؤلاء وأولئك؟ إن الواجب الوطني والأمانة الدينية والمسئولية التاريخية تقتضي أن يجتمع الشمل وأن ينتهي الخلاف بين فتح وحماس، وأن نعيد موازنة سلوكياتنا العامة كأبناء وطن واحد، حيث إن ما بيننا من الولاء لمشروعنا الوطني أكبر مما يضعه بعض المتحجرين من السياسيين هنا أو هناك. إن علينا كأبناء وطن واحد يتربص بنا عدوٌ واحد، ويهددنا خطرٌ واحد، أن نرفع عقيرتنا بصوت واحد: لا للانقسام .. نعم للمصالحة. إن هناك رزمة من الأنشطة والفعاليات علينا القيام بها لخلق حراك شعبي يصدع رؤوس كل من يعمل على تعطيل المصالحة سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة. أقول للشباب الذين هم عمادة ظهر هذا الوطن وعنوان صحوته الوطنية، إن عليكم يقع عبء تحمل المخاطر والأذى لاستعادة وحدة الوطن وجبر الكسر الذي تسبب به الانقسام، وجهل القادرين على التمام. مصالحات شبابية ومصارحات حوارية في سهرة حكي بالغة الامتاع، كان لقاؤنا في مخيم "يجمعنا الوطن والمستقبل" مع قيادات العمل الطلابي في جامعات غزة من مختلف الاتجاهات السياسية، والتي قام بتنظيمها المركز الفلسطيني للديمقراطية وحل النزاعات، بتاريخ 14 يوليو 2012، بمنتجع الربيع في مدينة دير البلح، حيث وجدت نفسي أمام مجموعة من الشباب الممتلئ حماسة ثورية وحيوية وطنية، ويتمتع بحالة متميزة من الوعي والفهم متقدمة في رؤيتها للأمور على كثير من القادة الحركيين، الذين تبوؤا – للأسف - صدارة المشهد السياسي وهم اليوم اللاعبون الأبرز فيه. لقد تحدثنا في سهرتنا الطويلة مع هؤلاء الشباب عن المصالحة الفلسطينية، باعتبارها فريضة شرعية وضرورة وطنية وحتمية تاريخية، وتناولنا ما تم التوقيع عليه من اتفاقيات في القاهرة وصنعاء والدوحة، في مسيرة لا تنتهي من اللقاءات بين مستويات مختلفة من القادة والسياسيين، إضافة لمئات الجلسات والمؤتمرات التي عقدتها الفصائل ومنظمات المجتمع المدني بحثاً عن المخارج والحلول.. ولكن – للأسف - عاد الجميع بخُفيّ حنين، وأسوء من ذلك معاودة جدل المناكفات والمماحكات السياسية، وتبادل الاتهامات والملاعنات اللاأخلاقية.!! قدم معظم الشباب مداخلات طيبة، وطرحوا أسئلة محرجة ولكنها بكل وجوهها مشروعة، وقد حاولت بدوري استيعاب الجميع، لأننا حقيقة بحاجة لمثل هذا الحماس والتمرد على واقع الانقسام البغيض.في نهاية اللقاء قدمت للشباب بعض الوصايا والاقتراحات العملية، والتي أجملتها في النقاط التالية: 1-  ضرورة تكثيف المشاركة في المناشط الوطنية والمناداة – بإصرار - بإنهاء الانقسام.2-  عقد اللقاءات التي تجمع القوى الوطنية والإسلامية في الجامعات والمعاهد، والمطالبة بتجميع الصفوف وتحقيق المصالحة الفلسطينية.3-  كتابة العرائض التي تعكس الروح الوطنية وتُذكّر بالخطر الإسرائيلي.4-  إقامة تحالفات شبابية لكسر حالة الاستقطاب والاصطفاف الفصائلي.5-  إعطاء الأولوية في الفعاليات الوطنية والأنشطة الثقافية في الجامعات للشخصيات الاعتبارية التي لها توجهات وحدوية وأجندة وطنية.6-  الابتعاد عن مظاهر التخريب والعنف واللجوء إلى أساليب حضارية في الاحتجاج.7-  استخدام آليات الانترنت كـ"Facebook" و"Tweeter"، لإيصال مطالبكم للمسئولين وأصحاب القرار.8-  تبادلوا الرأي والحوار حول القواسم المشتركة بروح أخوية ووطنية، وأعلموا بأن الحقيقة لا تنتشر بدون وجهات نظر مختلفة.9-  ابتعدوا عن التعصب الحزبي المقيت، فالانتماء الحركي ليس عقيدة أو دين، بل هو وسيلة ناظمة للجهد البشري والعطاء الإنساني.10- في الوطن الواحد تتعدد أشكال العمل وطرائقه، ولكن رؤيتنا واحدة؛ وهي التحرير والعودة. الاحتجاج ظاهرة وطنية اعتاد شعبنا طوال مسيرته النضالية منذ العشرينيات أن يخرج في وجه سلطات الانتداب البريطاني، محتجاً على سياساتها التعسفية وممارستها القمعية وتواطؤها مع الغزاة الصهاينة، ثم كان التصدي لقوات الاحتلال الغاشم في أروع انتفاضة شهدتها ساحات المواجهة مع جيش العدو الإسرائيلي في ديسمبر 1987، وأخرى في عام 2000، وقد عجّلتا برحيله عن قطاع غزة في سبتمبر 2005.. وكذلك كانت هناك احتجاجات متكررة في وجه السلطة الوطنية، بسبب التجاوزات التي كانت تقوم بها أجهزتها الأمنية. واليوم، وبسبب استشراء حالة الانقسام وتأخر تحقيق المصالحة، فإن من الطبيعي أن نتوقع حدوث حراكاً شعبياً ينادي بتغيير هذا الواقع الذى أعطى للاحتلال الفرصة لتكريس المزيد من الحقائق الاستيطانية على الأرض الفلسطينية.. إن حق التظاهر والاحتجاج هو حق مكفول في كل الديمقراطيات، وحيث أننا لسنا دولة بوليسية بل دولة مؤسسات، فإن من حق شعبنا الغاضب على انقطاع الكهرباء وشُحِّ المياه – مثلاً - أن يتظاهر وأن يحتج، كما أن من حقه الاعتراض على الخدمات المتدنية للبلديات، وأن يطالب بإقالة رؤسائها والدعوة إلى إجراء انتخابات محلية، ومن حقه كذلك أن يصل ممثليه في الاتحادات والنقابات المختلفة إلى كل المسؤولين وصنّاع القرار لعرض مظالم الناس وشكواهم ومناشدتهم الإصلاح والتغيير، كما أن على الوزراء اعتماد سياسة "الباب المفتوح"، فنحن شعب موجوع، وتكفينا أحياناً "الكلمة الطيبة" والوضوح ليتم تنفيس الاحتقان وتهدئة المرجل المضطرب. لقد قيل: إن الحكومة التي تتوقف عن غرس الأمل في نفوس مواطنيها، وتعجز في التخفيف من معاناتهم، تكتب شهادة وفاتها. وإذا كان هذا هو واقع الحال الفلسطيني، فلماذا لا يتم التغيير بغرض الإصلاح والتجديد.؟!!إننا نطالب بإجراء تغييرات وزارية جادة، حيث إن استمرار عمل بعض أصحاب المعالي بالرغم من حالات الإخفاق والعجز المشهود في أداء وزاراتهم ليس سياسة حكيمة ولا رأي سديد، كما أن سرمدة هؤلاء الوزراء – من أصحاب الولاء - في مواقعهم تحت دعاوي الانتظار حتى ينتهي الانقسام وتتحقق المصالحة هو حق يراد به باطل.. فحين تغيب الرؤية، وينعدم الأفق، ويتلاشى حساب الزمن، وتمضي سفينة الوطن إلى مجهول بحر الظلمات، ينبغي التحرك والاستدراك. لذلك، فإن صرخة "الشعب يريد..!!"، يجب أن لا تتوقف؛ لأنها عنوان الصحوة لضمير هذا الشعب العظيم وطوق النجاة لمسيرته النضالية. إن الاجتماع والتظاهر والمسيرات هي ظاهرة صحيّة في كل الدول الديمقراطية، وأن التعبير عن الغضب والمظالم التي يشعر بها الناس لا يعني التمرد والرفض للحكم القائم، إنما هو مجرد "جرس إنذار" أو "تيرموميتر" لتنبيه المسؤولين بأن هناك توترات ومشاكل بحاجة إلى معالجات وإجراء عمليات إصلاح وتغيير، كما أنها بمثابة المكابح لتغولات رجال السلطة والحكم. إن على الجميع أن يدرك أن الثورات العربية انفجرت بسبب تراكم الأخطاء واستبداد عمل الأجهزة الأمنية، التي "لا تُسأل عما تفعل"، وكذلك لغياب الحريات وقمع الحياة السياسية، وامتهان الكرامة الإنسانية، فيما الزعيم غارق في العسل لا يسمع ولا يرى..!! افتحوا النوافذ، واسمحوا لهذا الشعب العظيم أن ينشر أشرعته، ويبسط جناحيه، ويقول كلمته التي قد تغضب البعض، ولكنها في النهاية يجب أن تصل إلى أسماع من بيدهم مقاليد الأمور، ومن هم في موقع "وقفوهم إنهم مسؤولون". كلمة أخيرة، أوجهها لإخواني العاملين في الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية وقطاع غزة: لا تراهنوا على سياسة إرهاب الناس وتخويفهم، فهذه السياسة أثبتت التجارب والأحداث المعاصرة فشلها، وأن تعاظم الأحقاد والكراهية سوف تدفع الناس لملاحقة الموت والانتقام. إن الواجب يفرض علينا العمل على خلق مجالات تعيد لهذا الشعب وحدته وهويته النضالية، واصطفافه حول ثوابته الوطنية وحقوقه التاريخية، ووقوفه تحت علمٍ واحد؛ يدٌ على البندقية والأخرى تمسك بيد أخيه في الصف الوطني لتؤازره وتحميه. كم أشعر بالأسى - أحياناً - عندما نحاول إيجاد مدخلٍ للعمل المشترك بين فتح وحماس لردم هوة الخلاف القائمة وخلق تطمينات لاستعادة الثقة، وإذا بنا نصطدم بمن يقول لا..!! إن على المخلصين في كل من فتح وحماس بذل الجهد والقيام بخطوات ولو تدريجية تسمح بعودة التآخي والوئام لأبناء الوطن الواحد. إن بعض من يتحدثون عن المصالحة باعتبارها قدر ومصير هم أول المعطلين لها، فكم من مبادرة حاول أهل الخير في الطرفين القيام بها، اصطدمت بلاءآت تمثلها عناوين قيادية.!! لن نيأس، وسنظل نحفر في الجدار حتى نفتح ثغرة للنور، نعيد معها ترميم أركان بيتنا الفلسطيني، غير آبهين برضى البعض أو غضبه. إن الحقيقة المرة التي علينا الاعتراف بها هي أننا لن نستعيد الأقصى، ولن نسترد فلسطين، ولن تعود لنا كرامتنا وما اكتسبناه من احترام لدى شعوب أمتنا إذا ظل ملخص واقع الحال ما هو قائمٌ من كيدٍّ وانقسام. ختاماً: الترياق بأيدينا كم سنة أخرى من المناكفة والانكار والمراوحة في المكان نحتاج أن نكابدها حتى ندرك أن الحل السحري والدواء الشافي بأيدينا، وأن الآخرين مهما بلغت إمكانياتهم ومكانتهم ليسوا أكثر من "عامل مساعد - catalyst"، وأن الزمن الذي يعتقد البعض في الصف الوطني أو الإسلامي أنه يعمل لصالحهم قد تكون مؤشراته غير ذلك.. فالربيع العربي الذي استبشرنا به، علينا الصبر طويلاً حتى تتفتح أزهاره وينتشر عبيره، ويتحقق لدوله الأمن والاستقرار والازدهار. لقد اعتدنا القول بأننا أول من فجر الثورات بانتفاضاتنا الشعبية المجيدة في وجه المحتل الغاصب، وبتضحيات شهدائنا وجرحانا وأسرانا أجبرنا العدو أن يحمل عصاه ويرحل عن قطاع غزة، وبدل أن نقيم مدينتنا الفاضلة وأن نقدم النموذج الديمقراطي في الحكم، وجدنا أنفسنا نمضي في طريق مسدود وسط حشود مكتظة  تتشكل شعاراتها الغاضبة وتتفاعل مع نداءات الشارع العربي "الشعب يريد ..".أتمنى أن تكون كلمات الرئيس مرسي للرئيس أبو مازن والأخوين خالد مشعل وإسماعيل هنية من الصراحة والوضوح بحيث لا تبقي مجالاً للتردد وحسابات الأوهام التي يلجأ لها بعض السياسيين لخداع الشارع وتدجينه. إن الذي يقطع الطريق أمام هبّة "الشعب يريد.." هو العودة إلى ما تمَّ الاتفاق عليه في القاهرة في مايو 2011، والتطبيق العملي له برعاية مصرية لن يشك - اليوم - أحدٌ في جديتها ونزاهتها وقدرتها في التأثير على طرفيّ الأزمة؛ فتح وحماس، وإلزامهم بتنفيذ الاتفاق، وحماية تسويقه إقليمياً ودولياً. اللهم قد بلغت..