خبر : استقطاب الحقل السياسي الفلسطيني .. جميل هلال

الأحد 10 أكتوبر 2010 08:56 م / بتوقيت القدس +2GMT
استقطاب الحقل السياسي الفلسطيني .. جميل هلال



يرى الكاتب أنَّ استقطاب الحقل السياسي الفلسطيني لم يبدأ مع استيلاء حماس على قطاع غزّة عام 2007, ولذلك فهو يحلّل العوامل التي فَتّت تماسك البنيان السياسي الفلسطيني وحيويته: شلل المؤسسات السياسية الفلسطينية, والتفتّت المناطقي والاجتماعي, والتدخّل الخارجي الفاحش. ويبيّن الكاتب في هذا السياق, وفي ظلِّ غيابِ نقاشٍ فلسطيني داخلي حول الغايات المُنتَظَرَة من إجراء انتخابات في ظلّ الاحتلال, أنّ توقيت الانتخابات التشريعية في العام 2006 وظروفها كان لا بدّ أن يعجّل في قيام حالة الاختلال الراهنة. وأخيراً, فإنّ الكاتب يستكشف الطريق, ملقياً الضوء على ما ينطوي عليه الضغط العام من قدرة على دفع المصالحة الوطنية إلى الأمام.    ما من أحد يسائل اليوم ما يعاني منه الحقل السياسي الفلسطيني  من اختلالٍ مُستَحْكِمٍ, حيث نجد كيانين منفصلين يحكمهما فصيلان متنافسان أشدّ التنافس متربّعان في الضفة الغربية وقطاع غزّة, الأول تحت الاحتلال الإسرائيلي, والآخر تحت الحصار الإسرائيلي الخانق. ولكلّ واحدةٍ من الحكومتين, الأولى العلمانية في الأصل (والتي تسيطر عليها فتح), والثانية "الإسلامية" (وتسيطر عليها حماس)، قواتها الأمنية وتمنع قَدْر المستطاع ما يقوم به أعضاء الفصيل المنافس من أنشطة في منطقتـ "ـها" (إِنْ لم تعتقل أو تسجن أولئك الأعضاء). وهذان "الكيانان" السياسيان يعتمدان كلاهما أشدّ الاعتماد على التمويل الخارجي (الذي يأتي من مانحين مختلفين) ويقيمان تحالفات مع قوى إقليمية مختلفة تعارض بعضها بعضاً في السرّ أو في العلن. وبمرور الوقت, يزداد ابتعاد هذين الكيانين واحدهما عن الآخر, مما يهدّد بتكرار تجربة باكستان-بنغلادش بصورةٍ من الصور.   لم تبدأ حالة الاستقطاب هذه في حزيران 2007 حين نصّبت حماس نفسها سلطةً سياسيةً, وعسكريةً, وإداريةً مسيطرةً في قطاع غزة في حين اتّخذت فتح خطوات لتعزيز سيطرتها على الضفة الغربية. والأحرى، إنَّ هذه الأحداث قد عمّقت اتجاهات كانت قائمة منذ زمن, وزادت من تضعضع الحقل الفلسطيني الذي كان قد رُضَّ منذ أوائل تسعينيات القرن العشرين بتغيّرات وأحداث كثيرة, على المستويين الاقليمي والدولي.   وما تسعى إليه مقالتنا  هذه هو إلقاء الضوء على العوامل التي تشكّل أساس الضعف والانكشاف في البنيان السياسي الفلسطيني وما أعقب ذلك من استقطاب, وشلل في المؤسسات الوطنية, وتدخّل خارجيّ فاحش. ولقد لوحظت أوضاع مشابهة في دول أخرى من المنطقة تعاني الغزو والحرب (مثل لبنان, والعراق, والصومال, وأفغانستان, والسودان, وغيرها), لكن الاختلال يبدو اكثر وضوحاً في الوضع الفلسطيني لأسباب تتعلق بالتاريخ, والسياق الإقليمي والدولي الخاص, وخضوعه المتواصل منذ عقود لاستعمارٍ استيطاني وتَشَظٍّ مناطقي. سمات الحقل السياسي الفلسطيني   يختلف الحقل السياسي الفلسطيني عن معظم الحقول السياسية الأخرى في أنّه يشتمل على تجمعات فلسطينية ذات بنى اقتصادية اجتماعية, ودولانية, ومجتمعات مدنية متباينة, ليس في فلسطين التاريخية وحسب بل كذلك في الشتات الذي خلقته نكبة العام 1948. وكان قد تشكّل أيضاً خارج أرض الوطن، ليس من قِبَلِ دولة بل من قبل حركة تحرّر وطني نشأت في الشتات الفلسطيني. ومنذ تلك البداية فصاعداً, كان الحقل السياسي الفلسطيني, المفتقر إلى دولة ذات سيادة, عرضةً لتأثيرات وضغوط خارجية قوية. فقد أُنشئت مؤسسته القيادية, منظمة التحرير الفلسطينية, بمبادرة من الدول العربية في العام 1964 وكانت في البداية تحت سيطرتها. ولم تَغْدُ منظمة التحرير حركةً جماهيرية شعبية إلا بعد حرب 1967، حين سيطرت عليها بصورة ديمقراطية منظمات المقاومة الفلسطينية بقيادة فتح, لتغدو بعد ذلك بسنوات الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. وخلال ما يقارب العشرين عاماً التالية، مارست منظمة التحرير ومنظماتها المكوِّنة أنشطتها السياسية, والعسكرية, وسواها من قواعد في البلدان المحيطة بإسرائيل ولاحقاً في تونس. وفي حين جعلها هذا الوضع عرضةً لضغوط ومكائد القوى الإقليمية المختلفة الساعية إلى تحديد صورة الشرق الأوسط السياسية والاقتصادية، فقد ساعد تنازعُ هذه الضغوط فيما بينها منظمةَ التحرير في الحفاظ على درجةٍ محسوسة من الهيمنة على حقلٍ سياسي فلسطيني مستقل نسبياً طوال سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته.    بدأ تحدّي هيمنة منظمة التحرير الفلسطينية على الحقل السياسي الفلسطيني في أواخر عقد الثمانينيات مع ظهور الإسلام السياسي في الأراضي المحتلة عام 1967، مُجَسَّدَاً بصورة أساسية في منظمة حماس التي تأسست في بداية الانتفاضة الأولى عام 1987، وفي الجهاد الإسلامي، المنظمة الأصغر قبل ذلك بعدة سنوات. وكلتا المنظمتان من أهل البلد, إذ نمتا من فروع محليّة للإخوان المسلمين, وبرزتا في الانتفاضة الأولى كقوة يحسب حسابها. غير أنّ حجم النهديد الذي طرحه الاسلام السياسي تحوّل الى شكله الظاهر بوضوح بعد توقيع اتفاقات أوسلو عام 1993، تلك الاتفاقات التي حددت المراحل التي يُفتَرَض بها أن تفضي في نهاية العَقْد إلى سلامٍ موّقع مع إسرائيل.   في ظلّ اتفاق أوسلو، عادت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من منفاها الطويل إلى الأراضي الفلسطينية, ونقلت بذلك مركز ثقل السياسة الفلسطينية إلى "الداخل" لأول مرّة منذ العام 1948. وهناك أقامت السلطة الوطنية الفلسطينية، كشكل من أشكال الحكم الذاتي الذي يرسم المحتل الإسرائيلي حدود سلطاته، لكنه اعتبر، من القيادة الفلسطينية التي وقعت الاتفاق، الخطوة الأولى على طريق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. ولقد عارض الإسلام السياسي الاتفاقات بشدّة, شأنه شأن عدد من فصائل منظمة التحرير العلمانية, وعلى رأسها الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. ووجد هذا الإسلام السياسي في معارضة أوسلو قضية كبرى يمكن أن يعبِّئ حولها أتباعه المتنامين, خاصةً أنّه كان قد تميّز أصلاً بدرجةٍ كبيرة من الانضباط ومركزية التنظيم.   أمّا فتح, بوصفها التنظيم السياسي الأكبر في منظمة التحرير والقوة الفلسطينية الأساس وراء اتفاقات أوسلو, فقد سيطرت على مؤسسات السلطة الفلسطينية (الحكومة، الرئاسة، وأجهزة الأمن، والقضاء، والمجلس التشريعي الفلسطيني) بأشدّ ما كانت قد سيطرت على مؤسسات منظمة التحرير، خاصةً حين رفضت الجبهتان الشعبية والديمقراطية, بين فصائل أخرى, المشاركة في السلطة الجديدة. وكانت هذه الفصائل أيضاً, إلى جانب حماس والجهاد الإسلامي، قد قاطعت (من غير فاعليّة) الانتخابات الرئاسية والتشريعية الديمقراطية التي جرت عام 1996 وأعطت فتح شرعية أن تحكم، منفردة، تلك الأجزاء من الضفّة الغربية وقطاع غزّة التي خصّتها بها اتفاقات أوسلو. استندت سيطرة فتح على الحركة الوطنية الفلسطينية إلى قيادتها منظمة التحرير وإلى تاريخها كتنظيم مقاوم. غير أنّها ما إن غدت الطرف الحاكم في السلطة الفلسطينية، حتى تلقّى الإسلام السياسي مزيداً من الدَّفْع كحركة منافسة، جرّاء انشغال فتح بأجهزتها البيروقراطية والأمنية, وقبله انشغالها بالمفاوضات السياسية مع إسرائيل, تلك المفاوضات التي كانت سبب انخفاض شعبيتها المطرد بسبب النكول الإسرائيلي المتواصل. كما استغلّت حماس بفعالية فائقة ما ازدهر في ظلّ السلطة الفلسطينية (التي تتولاها فتح) من محسوبية وواسطة وزبائنية وظّفتهما في توسيع دائرة أنصارها. وهذا ما كانت عليه الحال بشكل خاص عند اندلاع الانتفاضة الثانية في أيلول 2000، حين أثارت عمليات حماس والجهاد الإسلامي داخل إسرائيل انشداد جمهور  متحفز وغاضب من فظائع ممارسات إسرائيل العقابية والوحشية في وقتٍ كانت قدرة فتح على الردّ المسلّح قد أحبطها دورها النقيض المتمثّل بالسعي وراء مفاوضات غير مجدية مع إسرائيل.   تحوّل الحقل السياسي الفلسطيني، خلال الانتفاضة الثانية، بصورةٍ حاسمةٍ إلى حقل يحكمه فريقان متنافسان. أمّا وفاة ياسر عرفات الغامضة عام 2004 فقد جرّدت السياسة الفلسطينية من شخصيتها القيادية الوحيدة التي لا خلاف على سلطتها. وجاء انسحاب إسرائيل بدون اتفاق مع السلطة الفلسطينية من قطاع غزة عام 2005 ليغذّي هذا التنافس. فقد حاولت كلّ من الحركتين أن تنسب إلى نفسها الفضل في ذلك الانسحاب. وانفجر الاستقطاب في صراع مفتوح بعد هزيمة فتح المدوية أمام حماس في الانتخابات التشريعية في كانون الثاني عام 2006 (تلك الهزيمة التي نجمت جزئياً على الأقل عن إصرار فتح على تغيير القواعد الانتخابية) وبعد تشكيل حكومة حمساوية بالكامل في ربيع ذلك العام، مما دفع القوى الدولية المؤثرة سياسيا، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى فرض عقوبات مالية ومقاطعة سياسية وإلى تعليق كلّ معونة مباشرة للسلطة الفلسطينية. لم يستطع تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الحمساوية–الفتحاوية قصيرة الأمد في آذار 2007 أن يسدّ الفجوة بين الطرفين, فتصاعد نزاع مسلح بينهما أخذت في بعض الأحيان أوجهَ حربٍ أهلية، إلى أن بلغ ذروته في استيلاء حماس على قطاع غزة في حزيران 2007. ومنذ ذلك الوقت وغزة خاضعة لحصار إسرائيلي شامل, بل وتزايدت العمليات العقابية الإسرائيلية, وبلغت ذروتها في عملية "الرصاص المصبوب" شتاء 2008-2009. أمّا ما قامت به كلٌّ من السعودية واليمن ومصر وسواها من محاولات المصالحة بين الطرفين فقد فشلت جميعاً.   هكذا، كان الاستقطاب قد تجسّد مؤسساتياً ومناطقياً، منذ حزيران 2007، بحكومة السلطة الفلسطينية التي تقودها فتح في الضفة الغربية، والتي عيّنها رئيس السلطة إنما من دون أن يصادق عليها المجلس التشريعي الذي كان مشلولاً آنئذٍ، وبحكومة حماس في غزّة, المعيّنة بصورة شرعية وفقاً لانتخابات العام 2006 إنما التي عزلها رئيس السلطة الفلسطينية، وشكل بديلا لها. وقد احتفظت كلّ حكومة من هاتين الحكومتين بوزارتها, وشرطتها, وقواها الأمنية. وفي حين حصرت كلٌّ منهما حمل السلاح واستخدامه بأولئك الذين يعملون تحت سيطرتها المباشرة, فإنَّ حكومة الضفة الغربية قصرت مقاومة الاحتلال الإسرائيلي على الأشكال السلمية واتّخذت المفاوضات إستراتيجية وحيدةً لإقامة الدولة وتحقيق الأهداف الوطنية، أمّا حكومة غزّة فتسوّغ المقاومة المسلحة ضد إسرائيل – وإِنْ كانت تحدد متى يمكن ممارستها، وكيف, ومن قِبَل من- وتعلن المقاومة المسلحة استراتيجيةً وحيدةً لإحقاق الحقوق الفلسطينية. والحال، إنَّ هذين المفهومين المتعاكسين للمقاومة يوفّران أساساً إيديولوجياً للاستقطاب المناطقي-السياسي- المؤسساتي. ومن الواضح, أنّ كلتا الحركتين تميّزان نفسيهما من خلال رؤيتها الأساسية في السياسة والاقتصاد والاجتماع، حيث تطرح حماس الإسلام كإيديولوجيتها الهادية في حين تتّبع فتح تراث منظمة التحرير العلماني إلى هذا الحدّ أو ذاك. عوامل تعزيز الانكشاف   الأسئلة التي تُطرَح، على هذه الخلفية، هي كيف غدا الاستقطاب والانكشاف سمتين مميّزتين لحقلٍ سياسي فلسطيني عُرف بتماسكه وحيويته في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، وما السيرورات والعوامل المسؤولة عن هذا الوضع. والحال، إنَّ العوامل كثيرة، ومتشابكة إلى حدٍّ يصعب معه الفصل بينها. غير أنَّ من بينها ثلاثة بارزة: شلل المؤسسات السياسية, التفتّت المناطقي والاجتماعي, والتدخّل الخارجي الحاد في تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية، سواء من طرف المحتلّ أم من طرف سواه من القوى, الإقليمية والدولية. تهميش المؤسسات الوطنية   من المتوقع أن يعرض إضعاف المؤسسات الوطنية الحقل السياسي الوطني (سواء كان ممثلا في دولةً, أم في سلطة حكم ذاتي, أم في حركة تحرّر وطني) إلى التكسّر والتخلّع،  مما يجعله عرضةً للاستقطاب داخلياً والتلاعب خارجياً. وفي الحالة الفلسطينية, أسهم شلل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية بشكل كبير – خاصةً المجلس الوطني الفلسطيني ومؤسسات منظمة التحرير الأخرى, التي غدت عملياً امتدادا أدواتيا للسلطة الفلسطينية- في إضعاف الحقل السياسي الوطني. ويعود شلل مؤسسات السلطة الفلسطينية (الهيئات التنفيذية والمجلس التشريعي الفلسطيني) إلى الآثار التي ترتّبت على الاستقطاب المتنامي وتأثيرات السياسات الاستعمارية الإسرائيلية وسياسات مراكز القوى الإقليمية والدولية.   كانت منظمة التحرير الفلسطينية, منذ قيامها وخاصةً بعد سيطرة منظمات المقاومة عليها رسمياً في العام 1968, تجسيداً للحركة الوطنية الفلسطينية (ومرادفاً لها). وتمثل حضورها في شبكتها القوية من مؤسسات الرعاية الاجتماعية والمنظمات الجماهيرية والاتحادات المهنية حيث  شكلت فروعا حيثما وجدت تجمعات فلسطينية كبيرة في أرجاء العالم العربي وخارجه. وعلى الرغم من أنَّ منظمة التحرير تضمّ نحو عشر منظمات مستقلة لها رؤاها السياسية الخاصة التي تراوحت من الماركسية–اللينينية إلى القومية اليمينية, إلا أنّها كانت تعمل بالتوافق واستطاعت أن تتخطّى الكثير من الخلافات السياسية الحادة. وحتى حماس, التي رفضت مرجعية منظمة التحرير الفلسطينية، والميثاق الوطني، واتفاقات أوسلو جميعاً، كانت تحرص على الاعتراف بالنجاحات الوطنية التي حققتها منظمة التحرير (خاصةً قبل أن تدخل مفاوضات السلام). وإلى هذا اليوم, فإن إحدى القضايا المطروحة على الطاولة بين حماس وفتح هي شروط انضمام حماس إلى المنظمة.   ويمكن تتبّع بداية ضعف منظمة التحرير الفلسطينية إلى حصار إسرائيل بيروت في العام 1982, حيث اتّخذت المنظمة مقرّها الرئيس, وإلى ما تلا ذلك من إجبارها على الخروج من لبنان. ففي حين نقلت بعض فصائلها المكوِّنة, خاصة الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين, مقرّاتها إلى دمشق, فإنَّ الجسم الأساس لمنظمة التحرير الفلسطينية أعاد بناء نفسه في تونس, وبقيت مؤسساته الأساس سليمة إلى حدٍّ بعيد على الرغم من ضعفها الناجم عن غياب التفاعل الوثيق بين فصائلها التي كانت تتمتّع بها قبل الخروج من لبنان. كما تلقّت منظمة التحرير ضربة موجعة بإيقاف مواردها المالية عندما قطعت دول الخليج عنها التمويل عقاباً على موقفها في أزمة الخليج 1990-1991. وجاءت الضربة الأخرى مع انهيار الاتحاد السوفييتي، الحليف الدولي الأكثر تأثيرا. غير أنّ تهميش المنظمة الفعلي لم يبدأ الا بعد قيام السلطة الفلسطينية، في ظلّ اتفاقات أوسلو التي وقّعتها منظمة التحرير الفلسطينية ذاتها. وفي العام 1996, راح ياسر عرفات –رئيس منظمة التحرير، وزعيم فتح, ورئيس السلطة الفلسطينية في آنٍ معاً- يعمل بصورة منهجية على وضع منظمة التحرير جانباً كي، أو هكذا اعتقد، يقوّي عود السلطة الفلسطينية. وتبين لاحقا كم كانت هذه إستراتيجية قصيرة النظر نظراً لقيامها على اعتقادين خاطئين: أنّ قيام دولة فلسطينيا بات مرئيا في الأفق، وأنّ السلطة الفلسطينية قادرة على الحلول محلّ منظمة التحرير بوصفها القوة المسيطرة في الحقل السياسي الفلسطيني الجديد.   وبمعنىً ما، فإنّ تهميش منظمة التحرير الفلسطينية كان نتيجة سعيها وراء قيام الدولة. ففي حين كان هدف الحركة الوطنية في السنوات الأولى هو تحرير فلسطين، تحول الهدف في أواسط سبعينيات القرن العشرين إلى إقامة دولة على أيّ جزء يمكن تحريره من فلسطين. أمّا اتفاقات أوسلو فقد سرّعت االاندفاع باتجاه الدولة عبر إقامة السلطة الفلسطينية وبناء ما يشبه مؤسسات الدولة على الرغم من مواصلة إسرائيل استعمارها الاستيطاني بكلّ ما أوتيت من قوّة. ولقد أسهم السعي غير النقدي والتمحيصي وراء إقامة الدولة في شروط أوسلو- تلك الشروط المحكومة باختلال كبير في ميزان القوى - في تصديع الحقل السياسي الفلسطيني إذ شرّخ منظمة التحرير الفلسطينية كما لم يحدث من قبل. بل إنَّ التركيز الأحادي الجانب على إقامة الدولة يمكن أن يفسّر أيضاً لماذا بدا عرفات أشدّ اهتماماً بتعزيز سلطاته "الرئاسية" (ذات الطبيعة الرمزية في معظمها) منه بتأمين سيطرة فلسطينية فاعلة على الأرض, والموارد الطبيعية, والاقتصاد.   تجلّى تهميش منظمة التحرير الفلسطينية، على المستوى العيانيّ, في تجميد مؤسساتها القيادية، خاصةً المجلس الوطني الفلسطيني، الذي عُقِدَت آخر جلسة له بكامل أعضائه في العام 1996 بضغط من الولايات المتحدة وإسرائيل لإلغاء البنود التي لا تتوافق مع اتفاقات أوسلو في الميثاق الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية. أمّا مؤسسات المنظمة الأخرى, مثل المجلس المركزي الفلسطيني واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية -التي احتلّ معظم أعضائها (أي اللجنة التنفيذية) مواقع رفيعة في بنى السلطة الوطنية و/أو جنوا منها امتيازات- فلم تَعُدْ تُفَعَّل إلا عندما تحتاجها "الرئاسة" كي تدعم سياسات السلطة الفلسطينية.   ولقد طُبِّقَت سياسة التهميش ذاتها على جميع الاتحادات والمنظمات الشعبية، والمهنية، والنسوية، والعمالية المنضوية في منظمة التحرير الفلسطينية، حيث فقدت دورها الحاسم كمؤسسات وطنية قادرة على تعبئة فئات واسعة من الشعب الفلسطيني في تجمّعاته الرئيسة (على القضايا الوطنية في الغالب). ومعظم هذه الاتحادات والمنظمات الشعبية والمهنية لم تعقد مؤتمراتها منذ أواسط ثمانينيات القرن العشرين, وتلك التي فعلت (مثل الاتحاد العام للنساء الفلسطينيات, والاتحاد العام للكتّاب واتحاد الصحفيين الفلسطينيين في 2009 و2010, على التوالي) إنّما فعلت على أساس "كوتا" أقصت حماس والجهاد الإسلامي ولم تُعِرْ كبير اهتمام لتمثيل التجمّعات الفلسطينية خارج الضفة الغربية وقطّاع غزّة .   ولا شكّ أنّ منظمة التحرير الفلسطينية تبقى (ولو أنّ ذلك بات الآن نظريا دون تماس يذكر مع الواقع السياسي) المؤسسة الفلسطينية الأبرز, التي منحت السلطة الوطنية شرعيتها الوطنية ولا تزال الجهة الفلسطينية الوحيدة المخوّلة بالتفاوض مع إسرائيل. لكن شلّ مؤسساتها ترك التجمّعات الفلسطينية في الشتات دون تمثيل مؤسساتي وترك الفلسطينيين في إسرائيل يتّكلون على أنفسهم، لأن اتفاقات أوسلو لم تترك لهذين الطرفين الفلسطينيين أيّ رأي فعلي في أيّ تسوية سياسية مستقبلية ممكنة. وهكذا كانت سياسة وضع مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية على الرفّ قصيرة النظر إلى أبد حدود إذْ قوّضت وحدة الشعب الفلسطيني السياسية الممأسسة.لم يعد صنع القرار في مؤسسات السلطة الفلسطينية قائما على التوافق (كما كان الحال في مؤسسات منظمة التحرير) بل صار حكرا على طرفٍ واحد، وممارسة محصورة برجل واحد، هو ياسر عرفات، في لحظات حاسمة معينة. ولعلّ هذا الوضع قد جعل اتّخاذ القرارات أمراً أسلس وأسرع,، لكنه أحبط في الحقيقة كلّ الجهود الرامية إلى بناء مؤسسات وكنية قابلة للحياة. وفيما يخصّ المجلس التشريعي الفلسطيني، فإنّ مقاطعة حماس وأطراف المعارضة الأخرى لانتخابات العام 1996 التشريعية الذي تمخّض عنها قد أضعفته منذ البداية بجعله أقلّ تمثيلية. وقد شكل قرار حماس خوض انتخابات كانون الثاني 2006 التشريعية تحولا نوعيا في موقفها من المشاركة في مؤسسات السلطة الفلسطينية، لكن فوزها في تلك الانتخابات أدّى في النهاية إلى تعطيل دور المجلس التشريعي الفلسطيني تماماً حين قامت إسرائيل، في أواخر حزيران 2006، باعتقال نحو ثلث أعضائه وسجنهم، ومعظمهم من أعضاء حماس المقيمين في الضفة الغربية. وحتى قبل ذلك, وابتداءً من اندلاع الانتفاضة الثانية, كان عمل المجلس التشريعي قد تقوّض إلى حدٍّ بعيد جرّاء القيود الشديدة التي وضعتها إسرائيل على حرية تنقّل أعضاء المجلس واجتماعاتهم. استغلّت إسرائيل الانتفاضة الثانية كي تشدد من اضعافها للسسلطة الفلسطينية عبر استهدافها المنهجي وتدمير بنيتها التحتية ومؤسساتها في الضفة الغربية، بما في ذلك البنية الإدارية الأساسي التابعة للرئاسة, ومكاتب الوزارات, ومنشآت القوى الأمنية, ومقرّات المجتمع المدني, وسوى ذلك, أثناء غزوها الكثيف لمدن الضفة الغربية في ربيع العام 2002. وجاء دور غزّة بعد بضع سنوات، خاصةّ مع تلك السلسلة المتواصلة من الهجمات على المؤسسات والبنى التحتية الفلسطينية التي تلت قرار إسرائيل الانسحاب أحادي الجانب من القطاع في ربيع العام 2004 وبلغت ذروتها في الدمار الكثيف الذي خلّفته عملية الرصاص المصبوب.تجزأة الأرض والمجتمع1. خلق المعازل الجغرافية   لطالما كان التشتيت السكاني الناجم عن الطرد, والتطهير العرقي سمةً أساسية من سمات المشهد الفلسطيني منذ نكبة العام 1948، التي دفعت ثلاثة أرباع المليون من الفلسطينيين إلى المناطق الفلسطينية التي لم تستولي عليها إسرائيل، وإلى الدول العربية المجاورة وإلى مناطق أبعد منها. وقد دشّنت النكبة أيضاً ضروب الانقسام السياسي والجغرافي في تلك الأجزاء من فلسطين التي بقيت بأيدي العرب, حيث أُلحِقَت الضفة الغربية بالأردن ووضع قطاع غزّة تحت الإدارة المصرية.   كان لاحتلال إسرائيل للأجزاء الباقية من فلسطين في حرب 1967، نتيجة إيجابية وحيدة للفلسطينيين كونها أعادت في البداية بعض الصلات التي تقطعت عام 1948، وأتاحت للاجئين والمقيمين في الضفة الغربية وقطاع غزّة أن يعيدوا وصل ما انقطع مع عائلاتهم وأصدقائهم الذين بقوا فيما غدا إسرائيل بعد النكبة. وخلال العقدين التاليين كانت الحركة عبر الخط الأخضر وبين الضفة الغربية وغزّة سهلة نسبياً، فضلاً عن إمكانية السفر إلى الخارج عبر الأردن ومصر. وفي الوقت ذاته، كان لصعود منظمة التحرير الفلسطينية بعد عام 1967 كإطار لحركة تحرر وطني أثر إيجابي على الفلسطينيين داخل الخط الأخضر ( داخل إسرائيل)، كونه أعطاهم إحساساً بالقوة وأشعرهم أنّهم جزء من مشروع وطني آخذٍ بالبروز.   بلغ هذا الوضع نهايته مع حرب الخليج الأولى عام 1991، حين بات على الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزّة لأول مرّة أن يحصلوا على إذن خاص لعبور الخط الأخضر. وتوسّعت هذه القيود وتشددت وتحولت إلى استراتيجية واضحة بعد اتفاقات أوسلو. كما فتحت أوسلو الطريق أمام مزيد من التجزأة الجغرافية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، حيث لم تفرض الاتفاقات على إسرائيل وقف بناء المزيد من المستوطنات ذلك الوقف الحاسم، وعملت إسرائيل على قطع الصلات بين الضفة الغربية وقطاع غزّة وبين كليهما والقدس الشرقية.   وفي هذه الأثناء, باتت الحركة داخل الضفة الغربية وقطاع غزّة مقيدة بشدّة. ووضعت أوسلو II الأساس لتقسيمات داخلية عزلتْ السكان في معازل، أو "بانتوستانات", في الضفة الغربية, التي صُنِّفَت إلى مناطق "أ" و"ب" و"ج" (وفق درجة سيطرة إسرائيل الأمنية عليها), وقَسَمَتْ قطاع غزّة من الداخل بواسطة التجمعات الاستيطانية, والمناطق الأمنية، مع طرق يسهل قطعها بين الشمال والجنوب. وفي الضفة الغربية خاصةً، زحف النمو المتواصل للمستوطنات على المواقع الفلسطينية المأهولة، وفاقم من التجزأة الداخلية بفصله تجمّعات القرى والبلدات الفلسطينية عن بعضها بعضاً.لقد فرضت إسرائيل سيطرة كاملة على المعازل الفلسطينية من خلال نظام مُحْكَم من نقاط التفتيش العسكرية والبوليسية، ونظام الفتح والإغلاق، وعبرالطرق الالتفافية (الخاصة بالمستوطنين والإسرائيليين)، واستكملت السيطرة من خلال  جدار الفصل الذي بدأ بناؤه في 2002 في الضفة الغربية  ومعة استكملت إسرائيل تشييدها لنظام متكامل من الفصل العنصري (الأبرتايد). ومع التوسّع الكبير في ضمّ القدس الشرقية المعزولة تماماً, قُسِم ما تبقى من الضفة الغربية إلى أربعة معازل كبرى –شماليّ (نابلس وجنين), وأوسط (رام الله-البيرة)، وجنوبي (الخليل) وشرقي (وادي الأردن) . ومؤخّراً, في صيف 2009, أزيلت بعض نقاط التفتيش الثانوية وخُفِّفَت القيود على الحركة داخل الضفة الغربية باستثناء القدس لكن البنية التحتية التي تتيح إعادة فرضها بسرعة لا تزال قائمة. وفي غزّة, انتهت الإغلاقات الداخلية عندما أزال انسحاب إسرائيل أحادي الجانب عام 2005 جميع المستوطنات والمنشآت العسكرية, غير أنَّ القطاع غدا معزولاً عن العالم الخارجي بسدٍّ مُحكَم. 2. التجزأة المجتمعية   يولّد التفتّت الجغرافي تفتّتاً اجتماعياً, ويعزّز الفروق الاجتماعية والاقتصادية بين المناطق، والمحافظات، والمجتمعات المحلية (وبين البلدات, والقرى, والمخيمات) بتأثيره على فرص العمل، والأسواق، والخدمات الأساسية. ومن وجهة نظر مؤسساتية، فإنّ القيود الإسرائيلية المفروضة على الحركة من خلال التصاريح, ونقاط التفتيش, والحواجز العسكرية  قد حدّت كثيراً من اتصال السكّان بمنظمات المجتمع المدني ذات الصلة. أمّا الضعف اللاحق الذي اعترى المؤسسات الوطنية المركزية فقد ساهم في بعث الحياة في روابط القرابة والنزعات المحلية القائمة على الانتماء المحلي كي تقوم ببعض الوظائف التي لم يعد بمقدور المؤسسات الوطنية المعطّلة القيام بها. وعلى سبيل المثال، فقد لوحظ لجوء متزايد إلى دواوين العشائر والعوائل (وهي ملتقيات قرابية تجري فيها اجتماعات وأنشطة رسمية)، حتى في المدن وبين المتعلمين تعليماً عالياً . وباختصار, فإنّ سيرورة خلق "البانتوستانات" قد شجّعت على بروز "سياسات المحلّة", التي تغتذي على العلاقات البطريركية وتقلل من قيم المواطنة والمساواة أمام القانون.   وفي مثل هذه الظروف، لا يعود مدهشاً أن يتنامى عدم التكافؤ في توزيع الثروة والدَّخْل في المجتمع الفلسطيني. والفجوة اللافتة أكثر من سواها هي بين الضفة الغربية وقطاع غزّة. وهي فجوة كانت واسعة على الدوام، لكن طالما كان بمقدور الفلسطينيين أن يعبروا الخط الأخضر بأعداد كبيرة للعمل، أو التسوّق, أو سوى ذلك من الأغراض، كانت مستويات المعيشة الأعلى بكثير في إسرائيل تفلح في التقليل بعض الشيء من التباينات داخل المجتمع الفلسطيني ذاته. لكن هذا الأثر راح ينحسر مع تشديد القيود على حركة الفلسطينيين، إلى أن اتّسعت الفجوة بين المنطقتين بصورة دراميّة، مما سهل لحماس فرض سيطرتها على غزّة في حزيران 2007. وفي العام 2008، بلغ نسبة العائلات التي تعيش تحت خط الفقر (الذي يُقاس بالاستهلاك الفعلي وليس بالدخل) 51,8 % في قطاع غزة مقابل 19,1 % في الضفة الغربية . ولقد عمل الحصار المتواصل، وخاصةً الدمار الواسع الذي أحدثته حرب إسرائيل على غزّة في شتاء 2008-2009، على تسريع السير في هذه الوجهة تسريعاً شديداً. بل إنّ الغزّيين لا يزالون (صيف 2010) يعيشون وسط خرائب تلك الحرب، من دون أن يُسمَح لهم بإدخال أيّة مواد لترميم البنية التحتية والمنازل ومن دون أيّ تخفيف للحصار يسمح للاقتصاد بأن يستأنف سيره بما يكفي للحدّ من الفقر والبطالة المستشريين. ومثل هذه الفروق بين المنطقتين إنما تفاقم مظالم أخرى: فالغزّيون, الذين يدركون أنّهم يتحمّلون معظم أشكال العقاب الجماعي، يمضّهم ما يعتبرونه شعوراً بـ "التفوّق" يمارسه عليهم أبناء وطنهم في الضفة الغربية. والحال، إنَّ عزل غزّة, والانفصام بين غزّة والضفة الغربية المُجسَّد في حكومتين متوازيتين, يعزّزان الانقسام, الذي لا شكّ أنّه يشتدّ أيضاً من جرّاء الشعور بأنّ السلطة الوطنية بقيادة فتح لا تحتجّ بما يكفي على عدوان إسرائيل المستمرعلى القطاع.   ولقد تنامت الفروق في الثروة والدّخل في الضفة الغربية وقطاع غزّة عموماً منذ قيام السلطة الوطنية. والسبب الأساسي في ذلك هو ظهور طبقة وسطى واسعة نسبياً بفضل توفر العمل لدى مؤسسات السلطة الفلسطينية,، ولدى الكثير من المنظمات غير الحكومية التي ازدادا عددها  بشكل ملحوظ بعد اتفاقات أوسلو، ونتيجة بروز دور لقطاع  خاص حديث (بنوك، اتصالات، تأمين...). غير أنَّ هذه الطبقة الوسطى الفلسطينية ذاتها بقيت منقسمة ومجزأة ليس بسبب المعازل التي سبق أن أشرنا إليها وحسب بل أيضاً تبعاً لقطاع العمل (العام, الخاص, المنظمات غير الحكومية, إلخ)، والتوجّه السياسي، والمستوى التعليمي (بما في ذلك ما إذا كان التعليم الجامعي قد حُصِّل في فلسطين, أم في العالم العربي, أم في الغرب, أم في البلدان الاشتراكية سابقا). وهذا الانقسام أو الانفصام المناطقي والاجتماعي إنّما يسهّل عملية الاستقطاب ويقوّض فاعلية المجتمع المدني . ففي داخل الضفة الغربية, تبدو فروق الدَّخل والثروة على أشدّها بين المنطقة الوسطى والمنطقتين الشمالية والجنوبية. كما تبدو هذه التباينات واضحةً بين المدن والقرى ومخيمات اللاجئين.   وثمّة انقسامات تباينات معينة تغدو أشدّ وضوحاً لدى التدقيق  فيما هو خارج الاجماع القائم حول المشروع الوطني (الدولة، تقرير المصير والعودة). فإلى جانب ضروب التمايز بين سكّان الضفة الغربية والغزّيين أو بين الأغنياء والفقراء، ثمة تمايز (بدرجات مختلفة من الأهمية) بين سكّان القرى والمدن وبين سكّان المخيمات. كما أنّ هنالك انقساماً آخر هاماً بين "العائدين" (فلسطينييّ الشتات الذين سُمِح لهم بأن يعودوا إلى المناطق المحتلة بعد أوسلو) والمقيمين المحليين. ولقد تعزّز الإحساس بالفارق بين المجموعتين بالمواقف الثقافية المختلفة نوعاً ما التي يحملها العائدون (الذين عاشوا حياةً مدينيةً في مدن مثل بيروت, دمشق, وتونس, وسواها),، لكنّه يتجلّى أيضاً في أمور مثل سيطرة العائدين في الحكومة والمناصب السياسية القيادية وسيطرة "المحليين" في المنظمات غير الحكومية.   ومنذ أوسلو، غدا الانقسام ملموساً بشدة بين الفلسطينيين الذين يعيشون في المناطق المحتلة من جهة أولى وأولئك الذين يعيشون في إسرائيل والشتات من جهة ثانية. فعندما كانت القيادة متركّزة في الشتات العربي، وعلى الرغم من أنَّ تركيزها كان على فلسطين التاريخية بما فيها الأراضي المحتلة, ظلّ الفلسطينيون في الشتات (ليس اللاجئون في المخيمات وحسب, بل فلسطينيو الشتات عموماً) يلمسون أنهم جزء من المشروع الوطني. لكن اتفاقات أوسلو خلقت حقولاً سياسية منفصلة للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة, وداخل الخط الأخضر، وفي الشتات, دون روابط مؤسساتية أو رؤية موحّدة أو استراتيجية جامعة. كما عزّزت اتفاقات أوسلو نظرة موجودة مسبقاً داخل الحركة الوطنية الفلسطينية ولدى النخب في معظم الدول العربية مفادها أنّ المسألة الفلسطينية هي شأن الفلسطينيين. وبالمثل, فقد اختزلت اتفاقات أوسلو القضية الفلسطينية إلى واقع الاحتلال الإسرائيلي في العام 1967، و فصلته عمليا عن نكبة العام 1948 وقضية اللاجئين. وقد أشار ذلك إلى استعداد ضمني لعزل مصير الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة عن مصير الفلسطينيين في الشتات وداخل الخط الأخضر. السيطرة الخارجية,، التدخّل المباشر، والمانحون   مثل سواه من الحقول شديدة الاستقطاب والانقسام، في لبنان والعراق مثلاً، فإنّ الحقل السياسي الفلسطيني كان عرضةً للتدخّل والتلاعب الخارجيين المباشرين. ومن الواضح أنَّ سيطرة إسرائيل هي العامل المحدِّد. فالضفة الغربية, بما فيها القدس الشرقية، هي تحت الاحتلال الإسرائيلي الاستيطاني المباشر، وقطاع غزة تحت الحصار الإسرائيلي، والفلسطينيون في إسرائيل عرضة لتمييز منهجي يهضم حقوقهم كمواطنين وكجماعة قومية. غير أنَّ قوىً خارجية أخرى, تعمل أحياناً وليس دائماً بالترادف مع إسرائيل, تتدخل أيضاً بدرجات وأشكال مختلفة. 1. الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والحصار الإسرائيلي لقطاع غزّة   تسيطر إسرائيل على أرض هاتين المنطقتين الفلسطينيين المحتلتين، وجوّهما، ومواردهما الطبيعية، ومعابرهما، وحدودهما فضلاً عن الحركة بينهما وبين كلٍّ منهما والعالم الخارجي. وهي قادرة، مثلاً، أن تمنع إجراء انتخابات عامة في الضفة الغربية وقطاع غزة إذا ما رغبت. وتستطيع أن ترفض احترام نتائج تلك الانتخابات بفرض العقوبات، وشلّ مؤسسات السلطة الفلسطينية من خلال الاعتقال، وفرض القيود على السفر، وفرض حصار شامل على كامل قطاع غزّة في تحدٍّ للرأي العام العالمي وفي محاولة لتجويع الغزّيين لإخضاعهم, وإبقاء ياسر عرفات, رئيس السلطة الفلسطينية المُنتَخَب، رهينة حصار عسكري ظلّ متواصلاً سنوات حتى وفاته في نوفمبر (تشرين ثاني) عام 2004.   ويمكن لإسرائيل, بصورة روتينية, أن تمنع دخول الأفراد والبضائع إلى أيّ من هذه المناطق أو خروجها منها (وهذا ما تفعله). وما من مطار أو ميناء يمكن أن يُبنى أو يُسمَح له بالعمل من دون موافقتها الصريحة. ولا بدّ أن ترخّص إسرائيل (وهي غالباً جداً ما تمنع) أيّ بناء, بما في ذلك البناء على الأملاك الفلسطينية الخاصة، في كلّ مكان من القدس الشرقية أو في 61% من الضفة الغربية التي لا تزال تمارس عليها سيطرة كاملة (ولا تزال تحافظ على سيطرتها الأمنية فوق النسبة الباقية). وبالمقابل، فقد سرّعت إسرائيل وتيرة التوسّع الاستيطاني منذ أوسلو؛ ففي العام 2007, بلغ عدد المستوطنات في الضفة الغربية (بما فيها القدس الشرقية) 144 مستوطنة، تضم نحو نصف مليون من المستوطنين اليهود الإسرائيليين ، أي أكثر من خمس السكّان الفلسطينيين في الضفة الغربية . وكانت إسرائيل, في سياق احتلالها الذي دام ثلاثة وأربعين عاماً إلى الآن، قد أعادت تماماً صياغة البنية الاجتماعية والاقتصادية في الضفة الغربية وقطاع غزّة عبر عمليات نزع الملكية، ومنع التنمية الصناعية، وتهميش الزراعة، والسيطرة على الموارد الطبيعية, والاقتصاد والتجارة، وما إلى ذلك. ولقد سبق لي في غير مكان أن تناولت سلطة إسرائيل بنوع من التوسّع وهي ليست موضوع هذه المقالة. 2. المانحون والقوى الخارجية   منذ إقامة السلطة الفلسطينية ومجريات عملها الداخلية تخضع لتمحيص دقيق ليس من طرف القوة الاستعمارية وحسب، بل أيضاً من طرف القوى الدولية والإقليمية والبلدان المانحة، وذلك نظراً لافتقارها إلى أدنى قدر من السيادة على أراضيها، ومواردها، واقتصادها، ودفاعها. ومنذ العام 1994 فصاعداً، وتدخّل الدول المانحة في شؤون السلطة الوطنية الفلسطينية الاقتصادية يشتمل على مشاركة مباشرة في تخطيط الميزانيات، وتقرير حصص التمويل، ووضع الخطط المالية والاقتصادية وسواها، وتحديد الأهداف والأولويات. ويوفّر المانحون ما يُدعى بـ "المساعدة التقنية" من خلال خبراء دوليين في مشاريع لا بدّ أن تعكس أجنداتهم الخاصة. وقد أقاموا أيضاً علاقات ثنائية مباشرة مع الوزارات كلٍّ على حدة، وتمثّلت النتيجة في التعامل مع المجتمع الفلسطيني بالقطعة والمفرّق وليس ككلّ ، وفي أنَّ مؤسسات السلطة الفلسطينية والمنظمات غير الحكومية الفلسطينية باتت مسؤولة أمام المانحين وليس أمام جمهورها الفلسطيني. وتمثّلت نتيجة التبعية حيال المانحين في خَفْض القدرة على التخطيط والعمل المستقلين إلى أبعد حدود الخَفْض (خاصةً أنّ تدفّق التمويل ليس منتظما) ؛ وتمثّلت أيضاً، في دفع قدرة السلطة الفلسطينية على السيطرة الشاملة إلى التآكل. بل إنّ التدخّل المباشر اشتدَّ خلال العقد الأول من هذا القرن، إذ بات يشتمل على تدريب القوى الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية وتحديد عقيدتها  فضلاً عن إجراءات عديدة استهدفت منع الاقتصاد الفلسطيني (إذا جازت التسمية) من الانهيار التام.   كان لعدم تنفيذ إسرائيل بروتوكولات 1994 الاقتصادية، وسيطرتها التامة على الصادرات والمستوردات، والتخفيض الشديد في عدد العمال الفلسطينيين الذين يُسمَح لهم بالعمل في إسرائيل – فضلاً عن سياسات ضرب التنمية التي مارستها إسرائيل منذ العام 1967 فصاعداً، دع عنك توقّف التحويلات المالية من الفلسطينيين العاملين في الخليج بعد أزمة الخليج 1990-1991- كان لكلّ ذلك أن يجعل الأراضي الفلسطينية المحتلّة شديدة الاعتماد على المساعدات الخارجية. وبغية تخفيف البطالة المتنامية الناجمة عن الإغلاقات الإسرائيلية وسواها من الاختلالات، ضخّمت السلطة الفلسطينية من المستخدمين في القطاع الحكومي (العام)، الأمر الذي ترك آثاراً واضحة على الميزانية. ومع الدمار المادي والخسائر الاقتصادية التي وقعت خلال الانتفاضة الثانية، تحولت معونة المانحين من مشاريع "التنمية" إلى تغطية النفقات الجارية، بما في ذلك الرواتب الحكومية. ونتيجةً لكلّ ذلك، وجدت السلطة الوطنية نفسها منذ البداية - وخاصةً منذ الانتفاضة الثانية - أسيرة المعونة الخارجية واتّخذت وجهتها إعادة إنتاج الشروط التي يتوقف عليها الآن وجودها ذاته.   ومن الطبيعي أن تؤثّر مثل هذه الدرجة من التبعية على موقف السلطة الفلسطينية السياسي. فخلال المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، كانت الولايات المتحدة تتكّئ بصورة تكاد أن تكون دائمة على الطرف الفلسطيني الأضعف كي يقدّم التنازلات ويخفّض مطالبه السياسية كي يجعلها أشدّ قبولاً لدى إسرائيل. ومع انهيار عملية التفاوض بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، تركّزت الضغوط السياسية بمزيد من الإلحاح على "إصلاح" الحكم الفلسطيني، ذلك "الإصلاح" الذي كان آنئذٍ كناية ملطّفة عن تهميش سلطة عرفات لرفضه الاستسلام للشروط الإسرائيلية. ومن الأمثلة على التدخّل الخارجي في "الإصلاح" السياسي إستحداث منصب رئيس الوزراء في آذار 2003، استجابةً للضغط الخارجي في الغالب، بغية الحدّ من قدرة عرفات على المناورة بنقل بعض سلطاته كرئيس للسلطة الفلسطينية إلى رئيس وزراء يؤمل له أن يكون أكثر انصياعاً للرغبات الأميركية–الإسرائيلية. ولقد جرى تشكيل اللجنة الرباعية, المؤلّفة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة، في هذه المرحلة ذاتها لتلعب بعد ذلك دوراً بارزاً في وضع الخطط لتسوية الصراع, مثل خارطة الطريق (التي لطالما وجدت فيها إسرائيل ما تريده من منافذ)، وفي وضع الشروط وفرض العقوبات، كالتي فرضتها على حكومة حماس التي تشكّلت بعد انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني الحرّة والنزيهة في كانون الثاني 2006 (في حين أحجمت عن ممارسة أي ضغط ملموس على إسرائيل، على الرغم من خرقها المتكرر قرارات الأمم المتحدة). ولقد تدخّل الغرب أيضاً, وخاصةً الولايات المتحدة، في تشكيل قوى الأمن الفلسطينية في الضفة الغربية وفي عملها وعقيدتها, خاصةً بعد استيلاء حماس على قطاع غزّة في حزيران 2007. ويُعْتَقَد على نطاق واسع أنَّ دعم الولايات المتحدة العسكري الخفيّ لفتح بعد انتخابات 2006 قد عجّل في وقوع الصدامات المسلحة التي أدّت إلى طرد فتح من غزّة والانقسام الفعلي بين المنطقتين. 3. القوى الإقليمية   يمكن تعريف الاستقطاب بأنّه اصطفاف القوى السياسية في حزبين متصارعين أو حركتين متصارعتين, دون أن يشتمل الحقل على قوة ثالثة قوية بما يكفي لأن تمارس تأثيراً على أيّ منهما. وفي مثل هذا الوضع, يمكن للطرفين المتصارعين أن يغدوا بسهولة بيادق في صراع القوى الإقليمية على النفوذ في سياق حساباتها الدولية الخاصة. وفي الحالة الفلسطينية, فإنَّ فتح تتلقّى دعماً (علنياً أو سرّياً) من الدول العربية "المعتدلة", خاصةً مصر والسعودية والأردن, في حين تتلقّى حماس دعماً (علنياً أو سرّياً) من سوريا وإيران وقطر (التي يضيفها بعضهم). ولقد رعت دول عربية عديدة (مصر والسعودية وسوريا واليمن) محادثات المصالحة بين فتح وحماس, من دون نجاح. ولا يعود الإخفاق في التوصّل إلى نتائج إلى عناد الطرفين الفلسطينيين وحسب بل أيضاً، وربما بدرجة أكبر، إلى مواقف القوى الإقليمية المتشددة. فقد أشارت التقارير الإعلامية، بعد إحدى المحاولات, إلى أنّ الخلافات السياسية بين سوريا وإيران من جهة ومصر والسعودية من جهة أخرى هي التي حالت دون المصالحة ، التي لا تزال الخلافات بين سوريا ومصر تؤثر سلباً عليها. الانتخابات تحت الاحتلال   لا شكّ أنّ صعود حماس كحركة سياسية جماهيرية ذات إيديولوجيا إسلاموية كان واحداً من أهمّ التحولات التي دخلت على الحقل السياسي الفلسطيني منذ الانتفاضة الأولى. ولقد رفضت حماس عملية أوسلو رفضاً قاطعاً، بما في ذلك إقامة السلطة الفلسطينية وما شهده العام 1996 من انتخابات عامة لأجهزة السلطة الفلسطينية التشريعية والتنفيذية. غير أنّ حماس وافقت بعد عشر سنوات على المشاركة في الانتخابات التشريعية الثانية في كانون الثاني 2006, مشيرةً بذلك إلى رغبتها في أن تلعب دوراً في مؤسسات السلطة الفلسطينية وقبولها, في البداية على الأقل "قواعد لعبة" النظام الذي فرضته أوسلو.   وكان محمود عباس ممثلا لحركة فتح قد فاز في انتخابات كانون الثاني 2005 الرئاسية، التي جرت بعد فترة وجيزة من وفاة عرفات،, بنسبة أصوات بلغت 60%. وكان من المتوقّع على نطاق واسع أن تفوز فتح في الانتخابات التشريعية أيضاً. وكان احتمال انتصار حماس المفاجئ في أيّ انتخابات قد لعب دوراً أساسياً فيما أدى إليه الإصلاح السياسي الذي شجّعت عليه الولايات المتحدة عام 2003 من تحويل السلطة الوطنية إلى نظام رئاسي–برلماني مختلط، وإحداث منصب دستوري هو منصب رئيس الوزراء الذي مُنِح سلطات فعلية. ونظراً لفوز حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني، فقد بات لها الحقّ في تشكيل حكومة السلطة الفلسطينية الجديدة, مما جعل التوتر بين مركزي السلطة التنفيذية (رئيس الوزراء ورئيس السلطة)  أمراً لا مفرّ منه. وإزاء الاحتلال، والاستقطاب السياسي، والتدخل الخارجي، لا عجب أنْ أدّت سلسلة الأحداث التي أطلقتها نتائج الانتخابات إلى ظهور حكومتين متعاديتين في رام الله ومدينة غزّة.   وفي حين اعترفت إسرائيل والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بأنّ الانتخابات كانت حرّة ونزيهة, إلا أنّها رفضت التعامل مع نتائجها. وطالبت بأن تنبذ حماس البرنامج السياسي الذي خاضت على أساسه الانتخابات (وفازت بها) وتقبل شروط الرباعية (بما فيها الاعتراف بإسرائيل), وإلا فسوف تُفرض عقوبات على أيّة حكومة تشارك فيها حماس. ولا عجب أنَّ حماس قد رفضت. ولذلك كانت العقوبات ضد حكومة الوحدة الوطنية, والتوترات والصدامات المتنامية بين حماس وفتح, وسيطرة حماس على لقطاع غزة في حزيران 2007, والحصار, وتشديد العمليات الإسرائيلية, وعملية الرصاص المصبوب. ولا يزال التهديد بحربٍ كبيرة أخرى ماثلا.   والحال, إنّه يصعب ألاّ نستنتج أنّ نتائج الانتخابات كانت عاملاً هاماً دفع باتجاه مزيدٍ من استقطاب الحقل السياسي الفلسطيني. ولا شكّ أنّ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كانا متلهفين لإجراء الانتخابات العامة لاختيار أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني, خاصةً أنّه كان من المتوقّع أن تأتي النتائج في مصلحة قيادة "معتدلة". وبالتشجيع على تلك الانتخابات في الظروف السائدة، كانت الدول الغربية تعمل انطلاقاً من مفهوم مُختزَل يساوي الديمقراطية بالانتخابات البرلمانية الحرّة, متجاهلاً أنّ أساس الديمقراطية الناجعة هو المواطنة والقيم التي لا تعمل عملها في ظلّ الاحتلال أو السيطرة الخارجية.   غير أنّ الفلسطينيين يتحمّلون قسطاً من المسؤولية. فالاتفاق على إجراء الانتخابات العامة لم يسبقه أيّ حوار جدّي تنظّمه الأطراف السياسية الفاعلة في الحقل لتحديد أهداف الانتخابات في سياقٍ من استشراء التوسّع الاستيطاني وتطاول جدار الفصل في الضفة الغربية والعمليات العسكرية الإسرائيلية التي لا تكاد تتوقف ضد غزّة،والاعتقالات شبه اليومية في الضفة الغربية، دع عنك المفاوضات المجمّدة ومحو كلّ أفق منظور لدولةٍ فلسطينية ذات سيادة. وكان على النقاش أيضاً أن ينظر في توقيت الانتخابات، التي أجريت في وقتٍ كانت الحركة الوطنية الفلسطينية في أضعف أحوالها داخلياً وأشدّها انكشافا خارجياً. وعلاوةً على هذا، وإضافةً إلى غياب ميثاق مشترك أو اتفاق عام على أهداف الانتخابات، لم يكن ثمة آلية يمكن أن تحلّ الصراعات التي كان من شبه المؤكّد أنها ستنشأ نتيجةً تلك الانتخابات، خاصةً أنّ المجلس التشريعي الفلسطيني ما كان ليتمكّن في تلك الظروف من لعب أيّ دور بنّاء في حل الخلاف بين التنظيمين المتصارعين، حتى لو لم يَحُل الفعل الإسرائيلي بينه وبين عقد جلساته.   وباختصار, فإنّ الانتخابات في مجتمع تحت الاحتلال أو السيطرة الأجنبية المباشرة, ما لم تُجرى بأجندةٍ مسبّقة واضحةٍ ومحدَّدة وباستراتيجيةٍ لاحقة ترمي إلى دفع قضية الاستقلال وتقرير المصير قُدُمَاً, لا بدّ أن تفاقم مشكلات الحقل السياسي الوطني. والأرجح أن تعمل تداعيات الاحتلال الأجنبي وحدها على دفع القوى السياسية إلى الاستقطاب في معسكرين كبيرين: أولئك ال