بين ورشة المنامة وقمة أوساكا...سامر سلامة

الخميس 11 يوليو 2019 03:35 م / بتوقيت القدس +2GMT


شهد العالم مؤخراً انعقاد مؤتمرين دوليين كان الفاصل بينهما أيام معدودة. المؤتمر الأول أخذ اسم ورشة السلام من أجل الازدهار والذي عقد في العاصمة البحرينية المنامة بتنظيم من الولايات المتحدة ضمن ما أطلق عليه صفقة القرن. والثاني عقد في مدينة أوساكا اليابانية تحت اسم قمة العشرين التي تضم أكبر وأهم عشرين اقتصادا في العالم (قمة الدول العظمى العشرين). وأعتقد أن تزامن انعقاد المؤتمرين لم يأت من فراغ، وخاصة أن الولايات المتحدة هي العراب للمؤتمر الأول واللاعب الرئيس في المؤتمر الثاني تاريخيا. فما علاقة المؤتمرين بعضهما ببعض؟ وما هو هدف الولايات المتحدة من عقد ورشة المنامة قبل أيام من قمة العشرين؟ فقمة العشرين بحثت مجموعة من القضايا الاقتصادية والسياسية، أبرزها النزاع الأميركي الصيني حول الهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية، بالاضافة إلى التصعيد في منطقة الخليج وتداعياته على أمن الطاقة بعد خروج واشنطن من الاتفاق النووي مع إيران. فماذا أرادت الولايات المتحدة من مؤتمر البحرين أبعد من الازدهار المزعوم للفلسطينيين؟.
باعتقادي أن الأميركيين كانوا يتحدثون عن الازدهار في فلسطين وعيونهم مركزة على منطقة الخليج والشرق الأوسط لما لهما من أهمية اقتصادية وجغرافية إستراتيجية في مواجهة الصين بحكم أن الصين هي المنافس الحقيقي للولايات المتحدة اقتصاديا وإستراتيجيا في المستقبل المتوسط والبعيد. فالمتتبع للسياسة الخارجية للولايات المتحدة يلاحظ بوضوح أن الولايات المتحدة سعت وتسعى إلى:
• الهيمنة الكاملة على نفط وموارد الخليج المالية لتعزيز تفوقها المالي والاقتصادي أمام الصين أولا وباقي دول العالم ثانيا،
• السيطرة الكاملة على المضائق في المنطقة (هرمز وباب المندب) ومن ثم قناة السويس لقطع الطريق على مشروع الصين الضخم المعروف بطريق الحرير (مشروع الحزام والطريق).
• الإظهار أمام العالم أنها لا تزال القوة العالمية الوحيدة القادرة على التفرد في معالجة القضايا الدولية وبالتالي إضعاف روسيا والصين ودورهما في المنطقة أقله معنويا،
• الذهاب إلى أوساكا (قمة العشرين) مسلحة بإنجازات اقتصادية وسيطرة كاملة على المنطقة لفرض أجندتها على المجتمعين التسعة عشر.
• الامعان في تعزيز الانقسامات بين الدول العربية لتسهيل السيطرة عليها واللعب على حبال التناقضات فيما بينها لتمرير أي مخططات لها علاقة بالتجارة الدولية والحرب الاقتصادية مع الصين.
ولكن ماذا كانت النتيجة؟ يبدو أن رياح البحرين لم تأت كما اشتهتها السفن الأميركية. فهزالة المؤتمر، وانخفاض مستوى المشاركين فيه، وعدم استطاعة الولايات المتحدة فرض أجندتها على الفلسطينيين (الضعفاء) وإجبارهم على الحضور، وضحالة النتائج وعلى الأقل المعلنة قد حطم صورة الولايات المتحدة كقوة عظمى مسيطرة على العالم أمام المجتمعيين في أوساكا، ما أضعف موقف الولايات المتحدة في العديد من القضايا التي جاءت لأوساكا لفرضها على المجتمعين، وهذا ما برز بشكل واضح في النتائج التي أخرجت الولايات المتحدة ضعيفة أو منعزلة من المؤتمر.
فأول النتائج التي تعبر عن تراجع الولايات المتحدة عن مواقفها المتصلبة تجاه الصين هو تراجعها عن مواجهة شركة هواوي الصينية بالتوصل إلى اتفاق مع الصين برفع العقوبات عن الشركة الصينية ورفع الحظر عن تزويد هواوي بالتكنولوجيا الأميركية وهذا يعتبر نصرا مؤزرا للصين.
كما أن تراجع الولايات المتحدة عن مواجهة الصين تجاريا من خلال التوافق على استمرار المفاوضات التجارية فيما بينهما وتخفيف القيود الأميركية وعدم زيادة الضرائب على البضائع المستوردة من الصين كان التراجع الثاني أمام الصين.
أما على صعيد زيادة عزلة الولايات المتحدة فقد تمثل في توافق الدول التسعة عشر على حماية اتفاق المناخ وتقليل الانبعاث الحراري الموقع فيما بينها بالرغم من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق. وكذلك إعلان الدول الموقعة على الاتفاق النووي مع إيران عن التزامها بالاتفاق بالرغم من انسحاب الولايات المتحدة من ذلك الاتفاق أيضا. وثانيا الاتفاق الصيني الروسي بالتوقف عن استخدام الدولار الأميركي في تعاملاتهما التجارية البينية واستخدام الروبل أو اليوان في تلك التعاملات الأمر الذي سينعكس سلبا على قوة الدولار الأميركي كعملة دولية وسيعيد إحياء مقترح الصين القديم الجديد بإصدار عملة دولية بدل الدولار للتعاملات التجارية الدولية.
ومن جانب آخر فإن الاتفاق الروسي السعودي على تقليص إنتاج النفط سيأتي بالضرر على الولايات المتحدة المستهلك الأكبر للنفط الخليجي لأن الاتفاق الروسي السعودي سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية. كذلك التراجع الأميركي عن معارضة بيع منظومة الصواريخ الروسية إلى تركيا يعبر عن ضعف الموقف الأميركي أمام روسيا. وفيما يتعلق بالقضية السورية فقد أبرزت القمة دور روسيا الحاسم على الساحة السورية وقدرتها على تمرير كافة مصالحها في سورية على حساب الولايات المتحدة وغيرها من اللاعبين الدوليين في المنطقة.
فتمرد الفلسطينيين الضعفاء على الولايات المتحدة في المنامة منح الدول العظمى المجتمعة في أوساكا قوة دفع إضافية لصد الهيمنة الأميركية والذي تجلى بوضوح بتراجع الولايات المتحدة عن العديد من القضايا المذكورة أعلاه. وهذا يعطينا أيضا كفلسطينيين دفعة إلى الأمام للعمل مع العالم باعتبار أن العالم فيه قوى أخرى مؤثرة غير الولايات المتحدة التي تزداد عزلتها الدولية يوما بعد يوم بفعل سياسات إدارتها الحالية. فبعد المنامة وأوساكا أصبح واضحا أن الولايات المتحدة ليست اللاعب الوحيد في العالم وأن العالم يتحول من أحادي القطب إلى متعدد الأقطاب.