شـعـوب خـارج الـعـصـر ...عبد الغني سلامة

الإثنين 10 يونيو 2019 10:25 ص / بتوقيت القدس +2GMT
شـعـوب خـارج الـعـصـر ...عبد الغني سلامة


ما زالت جزيرة "نورث سينتنيل" في خليج البنغال، تعيش خارج الحضارة الإنسانية بالمعنى الحرفي للكلمة؛ فالقبيلة التي تسكنها ما زالت تعيش أنماط الحياة البدائية كما كانت قبل آلاف السنين، بل إنها ترفض بشدة أي اتصال مع العالم الخارجي، وبمجرد أن يقترب منها أي أحد تهاجمه على الفور، حتى طائرات الإغاثة هاجمتها بالرماح، ومنذ مئات السنين لم يطأ أرض الجزيرة سوى سكانها الأصليين.
ومثل هذه الجزيرة، يوجد على هذا الكوكب شعوب وقبائل كثيرة، ما زالت تعيش الحياة البدائية، تماماً كما تخيلها عقلنا لحياة الإنسان الأول في عصور ما قبل التاريخ، أي قبل الحضارة الإنسانية.
في حوض الأمازون مثلا، تعيش قبيلة "ياولاىبيتشي" عصر المشاع، هذه القبيلة لا تعرف الملابس، رجالها ونساؤها عرايا طيلة الوقت، للقبيلة بيت كبير، مبني من أوراق وسيقان النباتات، يتسع لمعظم أفرادها، فيه وفي ساحته يمارسون طقوسهم ورقصاتهم الفلكلورية، والتي تعتمد أساسا على الجسد، لا توجد لديهم تفرقة بين الجنسين، ونظامهم الاجتماعي ينتمي لمرحلة ما قبل الأسرة. 
وأيضا، قبيلة "كواهيفا"، وهم السكان الأصليون للبرازيل، وقبائل "مالوكا"، و"باسيه" في كولومبيا، وقبيلة "تارومينان" في الإكوادور.. ما زالت تلك القبائل وغيرها تعيش في عمق الأدغال، منعزلة كلياً عن العالم الخارجي، تعيش بطريقة العصر الحجري.. وقد تمكن المصور البرازيلي "ريكاردو ستاكيرت" من تصوير بعض تلك القبائل من طائرة هليكوبتر حلقت على ارتفاع منخفض قرب البيرو، في غابات الأمازون.
وفي جزر شمال أستراليا في المحيط الهادئ، ثمة قبائل تعيش أبسط أنواع الحياة، لدرجة أنهم لا يحسون بالوقت، ولا يعرفون أي تقويم، وليس في ثقافتهم ما يعرف بأيام الأسبوع، لا يعدون السنوات، ولا يؤرخون لأي حدث.. الزمن لا يعنيهم بشيء.. يعتمدون على صيد الأسماك، حياتهم برمائية. 
وفي الحيد الإندونيسي تعيش قبائل "الباجاو"، حيث تسكن العائلات في أكواخ من البوص، مثبتة فوق أعمدة خشبية عند خلجان المحيط، على مسافة بعيدة من اليابسة، وقسم منهم يعيشون داخل قواربهم المتنقلة، يولدون، فيها، وعليها يمضون جل حياتهم، ومن النادر أن تطأ أقدامهم اليابسة.
وفي غينيا الجديدة، في الجزء التابع لإندونيسيا، تعيش قبائل "الكورواي"، تسكن ما يشبه الأعشاش على قمم الأشجار، على ارتفاعات شاهقة (لتفادي الفيضانات والبعوض)، لا يستخدمون أي شيء من الأدوات الحديثة، بل إن أدواتهم تنتمي للعصر الحجري، بالكاد يرتدون بعض الأسمال التي تغطي عوراتهم.. وهم مسالمون وطيبون، لكنهم لا يكتفون بقتل من يعتدي عليهم، بل يأكلونه مشويا. 
وفي غابات جزيرة سومطرة، تعيش قبائل "المنتواي"، وهي قبائل مضيافة، تدور عقيدتها حول الأرواح، يؤمنون أن لكل شيء في الطبيعة روحا، وأنه يحرم عليهم إغضاب تلك الأرواح، كما يحرمون صيد أكثر من طريدة واحدة في اليوم، وهكذا يعبرون عن حبهم للطبيعة، واحترامهم للبيئة.
في فيلم وثائقي صور العام 1970، تظهر فيه مجموعة من قبائل "التولومبي"، في بابو غينيا الجديدة، وهي تقابل رجلا أبيض لأول مرة.. في البداية، يتجمع الرجال من حوله، وينظرون إليه بدهشة، كما لو أنه كائن فضائي، ثم يقتربون منه بحذر وخوف، وبعد وقت طويل، يطمئنون إليه، بعد أن تأكدوا أنه بشر، ولكنهم يستغربون من لونه الباهت، كما لو أن جلده مكشوط.. وبدهشة أكبر، يرون أنفسهم في المرآة، لأول مرة في حياتهم، وكذلك يندهشون من المعدات التي بحوزة طاقم التصوير، حتى من أبسط الأدوات كالصحون والأواني.
وبالطبع، هنالك أيضا قبائل أخرى في مناطق متفرقة من العالم، تعيش إما في ظروف بيئية قاسية جدا، أو في جزر نائية وسط المحيط، أو في مجاهل الأدغال، وفي الغابات المطيرة عند خط الاستواء، وفي قلب الصحارى المقفرة، وعند أطراف القطب الشمالي، أو في أعالي قمم الجبال، في هضبة التبت.. بعضهم يعيش في خيام، أو في أعشاش على رؤوس الأشجار، أو في كهوف منعزلة، أو في أكواخ عائمة فوق المياه، أو في بيوت طينية في أفقر المناطق الإفريقية، وفي عشوائيات في الهند، وفي المناطق المهمشة وسط وشرق آسيا. 
بعض تلك القبائل ما زالت تمارس أنماط الحياة البدائية الأولى، كما لو أن الزمن قفز عنهم، ونسيهم متروكين، يحملون فؤوسا حجرية حادة، مثبتة بجدائل نباتية على أعوادٍ خشبية، يشعلون نيرانهم بالاحتكاك، وتقريبا لا يرتدون أي ملابس.. وقبائل أخرى أكثر تطورا، لدرجة أنهم استبدلوا الفؤوس الحجرية بأخرى حديدية، وغطوا عوراتهم ببعض الأقمشة، لكنهم لا يعرفون شيئا عن مكونات العصر الحديث.. لا يخططون لحياتهم، يعيشونها يوما بيوم، كل همهم تأمين قوت يومهم، بالصيد، وجمع الثمار.. يقبلون بأقل القليل.. زاهدين متقشفين، إما بإرادتهم، وإما لاعتقادهم أن هذا هو نمط الحياة الوحيد، والأفضل.
هذه القبائل موجودة بالفعل، وما زالت في موطنها.. وهنالك عشرات الأفلام الوثائقية التي تظهر جوانب مختلفة من حيواتهم ومجتمعاتهم.. وهنا تثور الأسئلة: هل هؤلاء فعلا بدائيون، وهمج، وأكلة لحوم البشر؟ أم تلك مجرد توصيفات عنصرية، أطلقتها قوى الاستعمار، من منطلق الاستعلاء والتكبر، ولتبرير عمليات غزو أراضيهم، ونهب خيراتهم، واستعبادهم؟ ومن هم الهمج؟ تلك الشعوب النقية، التي تعيش في الغابات البكر، والجزر العذراء بانسجام مع الطبيعة، وسلام داخلي، واحترام كامل للبيئة؟ أم الدول الاستعمارية التي قتلت الملايين منهم، واستعبدتهم، ونهبت مواردهم؟
وبالتالي، ما هي الحضارة؟ ومن يمثلها حقاً؟ من هم الأكثر سعادة، والأهدأ بالاً؟ نحن، من ندعي الحضارة، ونعيش كل تعقيداتها؟ أم هؤلاء؟ الذين اختاروا أبسط أشكال الحياة؟
لقد أفرزت حضارتنا ما لا حصر له من الأيديولوجيات، والنظريات الاقتصادية والاجتماعية، والأديان، والعقائد، والفلسفات، والأفكار المعقدة.. فهل أفادتنا حقا؟ أم أنها كانت السبب في الصراعات السياسية، والحروب الدينية، والفتن الطائفية، وفي استغلال الإنسان لأخيه، واستغلال الشعوب الأقوى للأضعف، وفي نشوء الدكتاتوريات والأنظمة الشمولية، وقهر الناس بذريعة الشعارات والأيديولوجيات؟!
بالطبع، لا يمكن إعادة الزمن للوراء، ولا أحد يدعو للتخلي عن التطور والتحضر، ولا للعودة إلى الغابة.. فهذا مستحيل، وغير مطلوب.. وعلينا أن ندرك أنَّ عملية التطور الإنساني كان لها أعراضها الجانبية، وأثمانها الغالية.. وضحاياها.. وهذه فرصة لإعادة تقييم مفهومنا للحضارة، على ضوء مشاعل تلك الشعوب التي يعتبرها البعض بدائية ومتخلفة.