انطباعات من زيارة خاطفة الاسطنبول: تركيا والمستقبل المطلوب..كمال الهلباوي

الجمعة 17 مايو 2019 03:42 م / بتوقيت القدس +2GMT
انطباعات من زيارة خاطفة الاسطنبول: تركيا والمستقبل المطلوب..كمال الهلباوي


كانت الانتخابات المحلية الأخيرة فى تركيا نجاحا كبيرا للديموقراطية. رغم أن الحزب الحاكم خسر فى أكبر بلدتيين وهما (أسطنبول ، وأنقرة)، وخرج بعض أنصاره فى مظاهرات عبثية إذ أن هذه  الخسارة أشرف من النجاح بالتزوير حتى لو كان بنسبة  99.9%. تقدم الحزب الحاكم بطلب اعادة الانتخابات البلدية فى اسطنبول، وقد وافقت هيئة الانتخابات على الطلب مما أحدث بعض التحديات الجديدة منها انسحاب بعض الأحزاب وإعلان حزب السعادة الترشح لانتخابات الاعادة.
الحمد لله تعالى كانت رحلة تركيا الاخيرة ممتعة، رغم ما فيها من متاعب وتنقلات، خفف من حملها العديد من الذكريات. تركيا فيها بركة مهما كان توجه الحكام. بركة من قبل الخلافة ، وبركة بعد الخلافة. يكفى أن فيها آثاراً من آثار الصحابة، ففيها قبر سيدنا أبو أيوب الانصارى الذى هاجر فاتحا مع الصحابة، وفى قبرص التركية، يوجد قبر الصحابية الجليلة أمنا أم حرام، التى ركبت البحر مع الفاتحين أيام حكم سيدنا عثمان بن عفان رضى الله عنهم جميعا وأرضاهم.
أقول لمن يكرهون الخلافة، إن الخلافة نظام حكم وقوة، والتحرر من القوة ليس إلا ضعفا. وعندى الخلافة تعنى أمرين؛ الأمر الأول: هو خلافة الله فى الأرض وهذا ما نستنبطه من قوله تعالى ” وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً  قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ  قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ “. وهذا القول القرآنى الكريم للعالمين حتى يوم القيامة.
والأمر الثانى: هو كيفية إدارة الدولة أو الأمبراطورية أو القوة، وهذا نظام إدارى قابل لكل ما يطرأ عليه من تغيير وفق السفن الكونية التى لا تظلم أحدا ، ولكن علينا أن نتذكر بأن الخلافة رغم تسميتها بالرجل المريض، إلا أن هذا الرجل المريض رفض إعطاء فلسطين – مهما كانت المغريات آنئذ- لإقامة وطن قومى لليهود، على عكس أوضاع الأمة اليوم بعد مائة سنة أو أكثر ، فالمغريات حتى الضئيلة تكفى لسحب بعض الساسة والحكام العرب خصوصا على وجوههم فى صفقة القرن أو صفعة القرن، قل فيها ما تشاء. وهذا الموضوع فيه تفصيل كثير أوضحه لنا الاستاذ عبد البارى عطوان وآخرون بشكل جيد.
تركيا اليوم تحاول أن تقوم بما يليق بها من تحرك وحركة، ورسم لمستقبلها وتأمين لحدودها، فى عصر كثرت فيه التحديات محليا وإقليميا وعالميا. محليا؛ هناك القاعدة العسكرية الأمريكية وهناك إرتباطات ونظام حلف الناتو، حيث تركيا من أهم أعضائه لموقعها الجيواستراتيجى فى آسيا واوروبا، ولأنها دولة مسلمة وسط محيط ينتمى إلى المسيحية، وكذلك مشكلة حزب العمال الكردستانى داخليا، ومنها كذلك للأسف الشديد، التنافس الشديد بين أبناء وتلامذة المجاهد والمعلم الزعيم أربكان رحمه الله تًعالى. ذلك التنافس الذى بدأ فى أواخر سنوات أربكان، وترك – للاسف الشديد – تنافسا وكراهية بدلا من الاتحاد والتماسك فى وجه التحديات الخطيرة. وهناك على المستوى الاقليمى، تحديات فى مقدمتها العلاقة مع سوريا والعراق والتحالف التركي الاستراتيجى القديم مع اسرائيل.
وقد جمع النظام الأردوغانى على نفسه مجموعة من التحركات والتحديات، فى السعى نحو امتلاك القوة، فى إطار التوجهات الجديدة ومنها: التقارب الروسى والايرانى وهو توجه جدير بالاحترام والتقدير، يرفضه الناتو وأمريكا رفضا قاطعا، ولا يرضون عنه رغم تهنئة أردوغان لليهود فى تركيا فى عيد الفصح. ومن تلك التحديات إحتلال أو السيطرة على الجزء الشمالى الغربى من سوريا بحجة تأمين الحدود ومواجهة الارهاب، ومن تلك التحديات؛ تعميق الصراع بفعل عوامل خارجية مع الأكراد بدلا من الحوار والتنمية لمناطق الجنوب والجنوب الشرقى عموما.
ومن التحديات العالمية حاليا، أن أمريكا لن ترحم أحدا فى عهد الترامبية المجنونة،لا إيران ولا روسيا ولا تركيا ولا الخليج، بل هى هيمنة خشنة بعد أن كانت ناعمة أيام أوباما لسنوات قليلة. فرق هائل بين إدارة خريجى هارفاد وبين إدارة رعاة البقر والغجر. تسعى إدارة أردوغان الى تجاوز كل تلك التحديات أحيانا بالحوار وأحيانا بالقوة العسكرية. تركيا بصرف النظر عن الحاكم، مفخرة ودروس وعبر لكل المسلمين فى العالم.
أما فيما يتعلق ببناء المستقبل فى تركيا، وهو الأمر الأهم، فإننى أرى ضرورة السعى للخروج من أى – سلبيات – حيث أن معظم النار من مستصغر الشرر. وقد صادفت مؤخرا كلاما منسوبا إلى الاستاذ أحمد داوود أوغلو، وبعضه عن عبدالله جل،عن أوضاع الحزب الحاكم فى تركيا بعد الانتخابات المحلية الاخيرة، وخسارة بلدية كل من أنقرة واسطنبول أكبر البلديات فى تركيا.
وإذا صح ما قاله داوود أغلو، فإنه يستحق وقفه ومراجعة وتصحيح، حتى يصح المسير، ويستكمل الإصلاح والدور المرتقب. كما يستحق تعاونا وتنسيقا ليس فقط بين من كانوا أعضاء فى الحزب وأركانا فى الحكومة مثل داوود أغلو وعبدالله جل، بل حتى بين جميع من كانوا فى مدرسة أربكان، وتخرجوا منها وحملوا هموم تركيا وهموم الأمة كلها. أقصد حزب السعادة كذلك، وكم فيه من المخلصين لتركيا والأمة تماما مثل العدالة والتنمية. وهنا ينبغى التكامل والتعاون حتى مع وجود التنافس. الدور المطلوب من تركيا كبير، وهذا الدور يحتاج من المخلصين فى الداخل والخارج، السعى للتوافق وبناء المستقبل بعيدا عن الصراع القائم فى العالم العربى والاسلامى. كم أتمنى أن تتحسن العلاقة بين مصر وتركيا وايران والسعودية وغيرها من بلدان الأمة حتى تفرغ الأمة للعدو الحقيقى وليس العدو المتوهم. والطريق هو الحوار وليس الاستعانة بالأجانب كما حدث مع العراق فى ٢٠٠٣
حملت العريضة التى نسبت إلى داوود أغلو بيانا بالتحديات التى تواجه  تركيا عموما وحزب العدالة والتنمية خصوصا. وهى تدور تلخيصا، حول ثلاثة محاور: تراجع شعبية الحزب، وتهميش العناصر القيادية الناقدة للاوضاع فيه، وأداء الحزب السيئ فى الانتخابات المحلية الأخيرة، مما تسبب فى خسارة أكبر البلديات التركية ، أنقرة وأسطنبول.
أما فى تفسير تلك التحديات فالقائمة طويلة ، لا تجتمع على أحد أو حزب فيصنع المستقبل أو حتى يشارك فيه إلا بصعوبة بالغة. وأرى أن التحديات التى تحدث عنها داوود أوغلو، كانت سببا فى ضياع ملكيات وامبرطوريات وأحزاب وحكومات، وهى لا تعنى حزب الحرية والعدالة فحسب، بل هى نقاط ضعف تستوجب المراجعة سواء قيلت أم لم يذكرها أحد، تقويما للأداء، وتصحيحا للمسار، وتنقية للصفوف، واستقامة على الطريق.
من أهم ما أشار إليه داوود أوغلو فى نصيحته أو نقده أو عريضته أو ورقته النقاط الآتية.

التآكل غير المسبوق لاسيما على مستويات القيادات فى الحزب الحاكم.

صعود العناصر المحافظة والأقل خبرة إلى المناصب القيادية مع بعض الاقارب وأهل الثقة دون أهل الكفاءة والخبرة.

تقويض آليات الشورى والتفكير الجماعى والعمل المؤسسى.

الخلل بين مبادئ الحزب والشعارات المرفوعة أو الخطاب وبين الأداء والعمل.

إستغلال الأمور المقدسة (النابعة من الدين ) لتحقيق مكاسب سياسية .

ظاهرة التعالى والتكبر والأنانية وحب الظهور والحملات الاعلامية الافترائية لتشويه الآخرين ممن لهم وجهات نظر مخالفة للسلطة.

أقول إن هذه التحديات أو السلبيات أو المشكلات إذا اجتمعت على أمة فى الشرق أو الغرب، مسلمة أو غير مسلمة أنهكتها، وإنحدرت بها من القمة. وقد رأينا ذلك فى حياتنا أكثر من مرة، فما بالكم لو إجتمعت على حزب أو مؤسسة. هذه الاشارة الاصلاحية من داوود أوغلو، تستوجب إعادة النظر فيما هو قائم، وهى لا تخص تركيا وحدها ولا حزب العدالة وحده، وإن كانت تركز عليهما. وأرى أنها تتسع فتشمل جميع الاحزاب والمؤسسات فى الأمة بل فى الشرق والغرب.  والعقلاء هم الذين يستبصرون بما يقال لهم أو ينصحون به، حتى تتلاشى السلبيات وتكثر الايجابيات ويقوم المستقبل الرشيد.
والله الموفق فى القول والعمل.
كاتب وسياسي مصري