اللاعقلانية في السياسة الأميركية واحتمالات الحرب! محمد ياغي

الجمعة 17 مايو 2019 03:38 م / بتوقيت القدس +2GMT


في مقال سابق قلت إن سياسات الرئيس الأميركي ترامب قائمة على دفع الخلاف مع خصومها الى حافة الهاوية وبالتالي إجبارهم على التفاوض أو على إعادة التفاوض على شيء كان متفقاً عليه، بمعنى ابتزازهم. 
هذه السياسة قائمة على فكرة أن الإمكانيات المادية والتقنية لدى الولايات المتحدة أكبر من تلك الموجودة لدى خصومها، وبالتالي أقنعت إدارة ترامب نفسها بأن خصومها لن يقبلوا بسياسة حافة الهاوية حتى لا يسقطوا فيها وسيقبلون التفاوض وتقديم التنازلات التي تريدها منهم.
حدث هذا مع كندا والمكسيك عندما اضطرتا لإعادة التفاوض على اتفاقية «نافتا» التجارية مع ادارة ترامب. وهو يأمل تكرار ذلك مع الصين بشأن التبادل التجاري، ومع ايران بشأن برنامجيها النووي والصاروخي ودعمها لحلفائها في المنطقة، ومع السلطة الفلسطينية التي يريد إجبارها على تسوية يتم من خلالها إسقاط كل ما كَفله لها القانون الدولي.
في العلاقات الدولية، عندما يكون الخصم عقلانيا، يمكن توقع سلوكه وبالتالي يمكن وبدرجة عالية من اليقين القول بأن الخطوة اللاحقة لهذا الطرف أو ذلك ستكون هذا الخيار أو ذلك. 
اليوم توجد ادارة أميركية أحد اهم صفاتها عدم العقلانية وبالتالي انعدام اليقين بنتائج سياساتها.
للتدليل: من يمكن مثلاً أن يختار ديفيد فريدمان سفيراً لأميركا لدى إسرائيل وهو يمثل اليمين اليهودي المتطرف في أميركا، كما وصفه على الأقل دانيال كيرتزر وهو يهودي وسفير أميركي سابق لدى إسرائيل. 
بكلمات أخرى، هل يمكن أن تكون الإدارة الإميركية الحالية عقلانية وتعين السيد فريدمان سفيراً لها وهو من دعاة الاستيطان في الضفة الغربية ويتبرع بالأموال دائما للمستوطنين. فريدمان الذي يقول بأنه ليس فقط أميركا بكامل قوتها تقف مع إسرائيل ولكن الله ايضا يقف الى جانبها. ماذا أبقى هذا الرجل لنتنياهو وليبرمان وغلاة المستوطنين في اسرائيل! 
هذا سلوك إدارة فاقدة لأي منطق ولا تؤمن الا بلغة إخضاع خصومها مهما كلف الامر. 
اللاعقلانية ايضاً هي ما نشاهده في صراع أميركا مع الصين بهدف اعاقة النمو الاقتصادي فيها وتحسين مكانة الاقتصاد الأميركي عالميا. 
فرض ضريبة بنسبة 25% على ما قيمته 200 مليار دولار من المنتجات الصينية التي تدخل الأسواق الأميركية يعني عملياً الغاء دخول هذه البضائع لها لأن أسعارها ستصبح اعلى من تلك الموجودة في تلك الأسواق، وبالتالي لن تجد من يشتريها.
ولأن هذه البضائع اصلاً، تقوم بإنتاجها شركات أميركية انتقلت للعمل في الصين بسبب رخص الايدي العاملة فيها، فإن هذه الشركات اذا استمرت الأزمة مع الولايات المتحدة ستضطر الى الرحيل من الصين وهو ما سيتسبب في أزمة اقتصادية لذلك البلد. 
أمام وضع كهذا لا يمكن للصين أن تقف مكتوفة الايدي، وفرضها لرسوم جمركية تحديداً على المنتجات الأميركية الزراعية سيؤدي الى ضرب هذا القطاع في أميركا والى منعه من النمو. 
لكن الصين قد لا تكتفي بذلك ايضاً، وقد تعمل على استنزاف الولايات المتحدة من خلال مساعدة خصومها مثل ايران. 
السياسات اللاعقلانية لإدارة ترامب نتائجها غير متوقعة. الصين قد ترى بأن التصعيد أفضل لها من التنازل لإدارة ترامب وأنها على المدى الطويل قد تكون الرابح الأكبر من الحرب الاقتصادية مع الولايات المتحدة، خصوصاً وأن نظامها السياسي غير خاضع للانتخابات وبالتالي هي اقل عرضة لضغط جمهورها عليها كما إدارة ترامب. وأنها ايضاً تمتلك إمكانيات عسكرية لا تتيح للولايات المتحدة ولا لغيرها ابتزازها بقوة السلاح.
لكن اللاعقلانية في سياسات ترامب والتي قد تشعل الحرب هي تلك التي تستهدف ايران. 
تجفيف إمكانيات ذلك البلد اقتصادياً من خلال حظر صادراته النفطية تحديداً لن يدفع ايران الى الخضوع كما تريد أميركا ولكن الى التصعيد.
وعلى عكس ما يقوله الإمام خامنئي، مرشد الجمهورية الإيرانية، بأن الحرب غير واردة، ايران تعلم بأنها محتملة جداً لكنها لا تريد أن تكون هي الطرف الذي يبدأها، لكنها قد تطلب من جميع حلفائها التصعيد لإرسال رسالة واضحة لإدارة ترامب بأن الحرب اذا ما بدأت لن تقتصر على ايران ولكن على امتداد المنطقة من غزة وحتى طهران.
ليس من قبيل الصدفة أن يتم إعطاب اربع سفن تجارية عملاقة، اثنتان منها ناقلات نفط للعربية السعودية، في ميناء الفجيرة الإماراتي، ولا من قبيل الصدفة قصف محطات لتصدير البترول في العربية السعودية من قبل حوثيي اليمن. 
التزامن بين وصول الأسطول الحربي الأميركي للخليج العربي و»التصعيد» أكثر من واضح. وقد نشاهد تصعيداً في العراق وسورية ضد الوجود الأميركي فيهما.
إيران كما أوضح وزير خارجيتها تقول بأن هنالك اتجاهين في الإدارة الأميركية: اتجاه لا يريد الحرب يقف على رأسه ترامب ولكنه راغب بالتصعيد حتى يجبر إيران على التفاوض. 
واتجاه مؤلف من مستشاريه مثل جون بولتون، رئيس مجلس الأمن القومي ومعه مايك بومبيو، وزير الخارجية، ومعهم قادة من الشرق الاوسط مثل نتنياهو، يصعدون لأنهم راغبون في الحرب ويسعون لها.
في الحسابات الإيرانية، التصعيد من جانبها من خلال الرسائل التي ارسلتها والتي سترسلها، قد يدفع ترامب لضبط «رجاله». 
هنا تبدو اللاعقلانية في السياسة شديدة الوضوح لأن فرضية أن ترامب لا يريد الحرب قد لا تكون في محلها وان هذه الرسائل بالضبط هي ما ستشعل الحرب. 
ترامب قد يرغب في إظهار أن أميركا لا تتراجع أمام أحد وقد يدفع بالتصعيد أملاً ان تتراجع إيران، وقد تشتعل الحرب بسبب خطأ في تقدير قوة عبوة ناسفة وضعت في مكان ما لتنفجر وكان من المفروض لها أن لا تؤدي الى مقتل أحد لكنها أدت لمقتل عدد من الجنود.