بين ترامب والمرشد..عبير بشير

الثلاثاء 14 مايو 2019 04:44 م / بتوقيت القدس +2GMT
بين ترامب والمرشد..عبير بشير


للمرة الأولى منذ انتصار الثورة الإيرانية قررت واشنطن قلب الطاولة بوجه طهران، وغادرت المساحة الرمادية التي استخدمتها مطولاً لربط النزاع معها والتي نجحت في الحفاظ على علاقة مريبة بين البلدين على مدى 40 سنة، استطاع خلالها الطرفان تجاوز الأزمات وتجنب المواجهة المباشرة. 
وذلك مع تصعيد إدارة ترامب من عقوباتها ضد طهران، وإعلانها عن قرارها بتصفير الصادرات الإيرانية النفطية، والذي ردت عليه طهران، بالتهديد بإغلاق مضيق هرمز، وأبلغت الأطراف الموقعة على الاتفاق النووي أنها ستتوقف بشكل جزئي أو كلي عن التزاماتها في الاتفاق. وجاء الحشد العسكري الأميركي في المنطقة ليدخل الأزمة في مرحلة أكثر حساسية، حيث أعلنت واشنطن أنها حركت قوتها العسكرية استناداً إلى معلومات استخبارية أفادت بأن إيران كانت تستعد لاستهداف مصالح أميركية في الخليج، وذهب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، للقول: وإذا فعلوا ذلك من خلال وكلاء لهم، فإننا سنحاسب طهران وسنعد القيادة الإيرانية مسؤولة مسؤولية مباشرة عن ذلك.
وقد عبرت حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن قناة السويس متجهة إلى الخليج، فيما أعلنت القيادة المركزية الأميركية أن طائرات بي 52 وصلت إلى القاعدة الأميركية في قطر، وأن السفينة الحربية «يو أس أس أرلينغتون»، التي تضمّ قوات من المارينز وعربات برمائية ومعدات ومروحيات، إضافة إلى منظومة باتريوت للدفاع الجوي، في طريقها إلى الشرق الأوسط.
ولكن على الرغم من كل هذا التحشيد، والشحن، يمكننا القول، إن اندلاع نزاع عسكري في المنطقة، هو الاقل ترجيحاً، في المديين القريب والمتوسط. فالهدف الرئيسي لإدارة ترامب يبقى التوصل إلى صفقة شاملة ومستدامة مع إيران، تتمحور حول وقف إيران لمشروعها النووي، والحد من برنامجها للصواريخ الباليستية.
وفي الوقت نفسه، تواصل الإدارة الأميركية، إرسال إشارات متناقضة إلى الإيرانيين. ففي حين يؤكد الرئيس الأميركي ترامب أن هدف بلاده هو الضغط على النظام الإيراني لتغيير سلوكه، ودفعه إلى التخلي عن سعيه لامتلاك سلاح نووي، تحمل تصريحات رئيس مجلس الأمن القومي جورج بولتون، ووزير الخارجية بومبيو، مضامين أيديولوجية تؤشر إلى توجه لدى طاقم الرئيس ترامب، إلى زعزعة استقرار إيران بهدف تغيير النظام القائم.
وبين كل ذلك، يبقى استعراض القوة الأميركية من قبيل الردع الاستباقي، هو الأرجح، وقد لا يخرج عن الخط المرسوم منذ فترة في البيت الأبيض، أي الامتناع عن التورط في مغامرات عسكرية، والاكتفاء بالتهويل باستعمال القوة . مع الاستمرار بحرب اقتصادية شنيعة ضد طهران عنوانها العقوبات، وهي تأتي بثمارها.
من جانبهما، يقرأ المرشد الإيراني، والحرس الثوري، هذه المواقف ويبنون عليها. فهم يدركون جيداً خشية واشنطن، كما دول الإقليم الرئيسية، من الفوضى التي قد تنتج عن تفكك دولتهم، ومن الدخول في مغامرة عسكرية ضد إيران، لا أحد يمكن التكهن بخواتيمها، وسيخرج منها الجميع خاسر. وتدرك طهران أن حرباً مباشرة ضدها تشكل خطراً وجودياً على نظامها، ولذلك نشهد في هذه المرحلة الحرجة أداءً حذراً ومدروساً من المرشد الأعلى علي خامنئي. ففي اجتماع مع قادة عسكريين قال خامنئي: «كل ما يزعج العدو هو جيد، وكل ما يجعل العدو يقاتل هو جنون وأمر سيئ وغير مقبول». إن الهدف الأول للمرشد في هذه المرحلة هو انتقال سلس للسلطة، من بعده يؤمن استمرارية نظام ولاية الولي الفقيه.
غير أننا لا يمكننا أن نتوقع أن تنقلب إيران على نفسها، مهما بلغ حجم الضغوط عليها. فالنظام الإيراني قد ينأى بنفسه عن خوض مغامرات انتحارية، لكن دون المساس بالثوابت التي قام عليها، لأن ذلك يعني القضاء الحتمي عليه. ومن هذه النقطة المحورية، لا يرغب المرشد وأركان نظامه، في إجراء تغييرات راديكالية، تتلاقى مع مطالب أميركا الـ12 التي أعلنها وزير خارجيتها، وستتمسك القيادة الإيرانية، بسعيها المتواصل إلى امتلاك قدرات نووية وتعزيز برنامج الصواريخ الباليستية، وتقوية أذرعها في المنطقة، فهي لا تستطيع التفريط بالجهد الهائل والمهول الذي بذلته لعقود من أجل إحياء الإمبراطورية الفارسية.
ومنذ دخول العقوبات الاقتصادية والمالية مرحلة تصفير الصادرات النفطية، تتصرف القيادة الإيرانية بانفعال شديد، يعكس مدى الارتباك الداخلي في كيفية معالجة تداعيات الأزمة التي وصفها الرئيس الإيراني حسن روحاني بأنها «حرب تُعتبر سابقة في تاريخ الثورة الإيرانية». فيما يلجأ النظام إلى الترويج لحلول شعبوية شعاراتية، بالحديث عن الانتقال إلى «الاقتصاد المقاوم» الذي دعا المرشد خامنئي إلى تطبيقه رداً على الأعداء الذين يريدون تركيع الشعب الإيراني من خلال التركيز على الضغوط الاقتصادية. وقد اعتبر الجنرال قاسم سليماني التفاوض الآن مع الولايات المتحدة تحت ظلال السيوف، استسلاماً محضاً، ردا على إشارات جاءت على لسان الرئيس حسن روحاني الذي قال إن «الإيرانيين رجال مفاوضات كما هم رجال حرب».
وبعيداً عن التهديدات الإيرانية الفارغة، بإقفال مضيق هرمز، وضرب القطع البحرية الأميركية المنتشرة في الخليج، فإن طهران اليوم ليست كما كانت عشية فرض العقوبات الأميركية بداية عليها عام 2006، فالموقف الإيراني منهك اقتصادياً، ومتراجع سياسياً، ومنذ وصول ترامب لسدة الرئاسة، فقدت طهران قدرتها على المبادرة والهجوم، وانتقلت إلى الدفاع وتلقي الضربات، كما أنه يبدو أن افتعال إيران لنزاع  محدود في المنطقة، لخلط الأوراق أقرب إلى الرقص على حافة الهاوية، والمناخ الحالي يوحي أن الضربات بالواسطة لن تكون سهلة هي الأخرى، مع وجود رئيس أميركي يصعب التكهن بردود أفعاله.
الجديد هو اعتراف القادة الإيرانيين بأن العقوبات الأميركية موجعة وغير مسبوقة. والجديد أيضاً هو أن ترامب لا يستطيع التراجع إذا ما أقدمت إيران على أي تحرش عسكري بقواته. خطوة من هذا النوع ستنال من صورته وحظوظه في ولاية ثانية ما لم يعقبها رد تأديبي صارم.