الأقليات والثورة السورية.. (1)..عبير بشير

السبت 04 مايو 2019 06:45 م / بتوقيت القدس +2GMT
الأقليات والثورة السورية.. (1)..عبير بشير


حرص الفرنسيون خلال فترة عشرينيات القرن الماضي على إنشاء ما سُمي جيش الشرق الذي اعتمدت فرنسا في تشكيله على الأقليات السورية ومن بينها العلويون الذين كان لهم نصيب الأسد في هذا الجيش.
وفي خلال فترة الوحدة المصرية – السورية، جرى استهداف الضباط البعثيين والعلويين ونقلهم من سورية، إلى مصر، وشكل هذا قوة دفع للضباط السوريين التابعيين للأقليات لتشكيل لجنة عسكرية سرية، ثلاثة منهم من الطائفة العلوية هم: محمد عمران، وصلاح جديد، وحافظ الأسد، واثنان من الطائفة الإسماعيلية هما: عبد الكريم الجندي وأحمد المير. ولعبت اللجنة السرية دوراً مركزياً في انقلاب «البعث» في عام 1963، الذي جعل العلويين يشكلون القوة الرئيسية في الجيش السوري، كما سيطر الضباط العلويون على مجلس قيادة الجيش، وذلك بعد تصفية بقايا الضباط الناصريين.
وتبلغ نسبة العلويين في سورية قرابة 12% من نسبة سكان سورية ويتمركزون في محافظتي اللاذقية وطرطوس بشكل رئيسي، مع أجزاء من محافظتي حماة وحمص الغربية تحديداً، فيما نسبة المسيحيين 10%، وينتشرون في دمشق وحلب وحمص وحماة والحسكة. أما الدروز فهم 3%، ويتمركزون في محافظة السويداء في الجولان السوري، في حين تشمل الأقليات الأثنية في سورية :الأكراد  والسريان والأرمن والشركس.
في الأيام الأولى لدراما الثورة السورية، برزت قضية الأقليات في سورية، حيث استخدمها النظام السوري ببراعة لإجهاض أي تحرك دولي يهدف للإطاحة به. وأظهر بشار الأسد نفسه بأنه حامي الأقليات الوحيد، وأنه في حال سقوطه سترتكب مجازر بحق الأقليات في سورية – المسيحيين والعلويين-. 
وتوقع سفير الولايات المتحدة السابق في يوغسلافيا، بيتر غالبرايث، ان «الإبادة الجماعية المقبلة ستكون ضد العلويين في سورية بسبب سياسة العقاب الجماعي الذي تتبعه قوات الأسد ضد معاقل المعارضة»، الأمر الذي ربما يولد ردود أفعال انتقامية من جانب المعارضة.
وقف العلويون منذ اللحظة الأولى لانطلاق الثورة السورية واعتبروا هذه المعركة هي معركة وجود، فالأسد الأب الذي وصل للسلطة منذ السبعينيات عبر انقلابه العسكري المعروف باسم الحركة التصحيحية، نقل العلويين من التهميش والانسحاق، إلى استلام معظم المناصب النافذة والحساسة في الدولة السورية والجيش، وكان بمقدور مساعد أول علوي بالجيش تجاوز لواء سني. لقد شعر العلويون أن خطر العودة إلى لعب شخصية المرابع، الصانع، الخادم باتت قريبة، خاصة أن هناك فهماً جمعياً داخل الطائفة يذهب إلى أن بداية الخلاص من حقبة الانسحاق، كانت مع وصول حافظ الأسد إلى سدة الحكم، وبالثورة عليه وتهديم أركان سلطته، ستذهب الطائفة العلوية إلى الإبادة والسحق كعملية ثأرية قديمة حديثة.
وما عزز قراءتهم هذه، أن المسجد هو القاسم المشترك بين الثورات على نظام الأسد جميعها، منذ إعلان الشيخ مروان حديد الجهاد عبر مئذنة جامع السلطان بحماة عام 1964 بعد تسلم حزب البعث السلطة في سورية، مروراً بالشيخ عدنان عقلة الذي استخدم المئذنة منصة لثورة الطليعة المقاتلة في تنظيم الإخوان المسلمين في المدينة نفسها، وانتهاء بالجامع العمري في محافظة درعا، الذي كان مركز بداية الثورة السورية.
إذاً، الجامع مرة أخرى، ولكن بخطاب مختلف تماماً، فقد أُثقل بمفردات لم تنفتح عليها الثورات السابقة كالحرية والقانون والاختلاف واحترام الآخر ودولة المواطنة، فبدا شارع الأقليات -وليس العلويين وحدهم- مرتاباً من أن تكون مخادعة أجادها الفصيل السني الجديد، وتواطأ معه المفكرون والكتاب. 
ومع توسع الاحتجاجات ضد حكم الأسد وتحول الثورة إلى العسكرة، انخرط معظم الشباب العلوي للتطوع في صفوف الجيش الأسدي مع تشكيلهم لميلشيات متعددة  بأسماء مختلفة: الدفاع الوطني-  صقور الساحل- صقور الصحراء . ونتيجة لذلك فقدت الطائفة العلوية عدداً كبيراً من شبابها للإبقاء على حكم الأسد خاصة مدينة طرطوس التي يقول عنها أهلها إنها أخليت من شبابها، وكثيراً ما حصلت حالات احتقان بسبب هذه الأمور كان آخرها عندما احتج أهالي طرطوس على أعداد القتلى الكبيرة فكتبوا، أولادنا إلى المقابر وأولاد آل الأسد في القصور.
وكان من اللافت تصريح رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي ان العلويين في سورية رجالاً ونساء يقاتلون من أجل البقاء، وان النظام في سورية سوف يقاتل حتى النهاية لأنه محكوم بوضعه الداخلي. واضاف المالكي ان في سورية «صراعاً طائفياً قديماً بين من العلويين والسنة»، وبعد ان وصل العلويون إلى الحكم، «أصبحت عملية التخندق ليس من السهولة تجاوزها، وهذا يعني خطأ من كان يفكر بأن النظام سوف يسلم وينسحب».
ومع بروز دور الجماعات الاسلامية المسلحة في الصراع المسلح، واتساع رقعة نفوذها مثل «جبهة النصرة لاهل الشام»، طفت على السطح الشعارات ذات الصبغة الاسلامية والدعوات الى إقامة دولة اسلامية، وحتى الخلافة. هذا الوضع سعر مخاوف الاقليات الدينية والعرقية في سورية من المستقبل الذي ينتظرها في حال سقوط النظام وعلى رأسها الاقلية العلوية، والمسيحية.
وبشكل عام، وقف المسيحيون، إلى جانب النظام، بوصفه مدافعاً عنهم كأقلية. والحال أن النظام كرس طوال سنوات حكمه للبلاد، شعوراً لدى المسيحيين بأنهم طائفة ذات امتيازات خاصة. فباستثناء بعض القرارات المجحفة التي طالتهم كالاستيلاء على المدارس الخاصة العام 1967 في حلب وغيرها، ضمن النظام لهم امتيازات، هي في الأصل حقوق، بعكس طوائف ومذاهب أخرى، مثل حرية العبادة والاحتفالات الدينية واستمرار نشاط المنظمات شبه الأهلية الملحقة بالكنيسة كالأخويات وأفواج الكشافة، وتعامل النظام مع المسيحيين باعتبارهم جماعات لا أفراداً، وهو أمر مألوف لدى الأنظمة الشمولية حيث يستمد الفرد نقاط قوته من انتمائه إلى الجماعة، لا من اعتباره مواطناً في دولة تحترم مفهوم المواطنة، فضلاً عن غض النظر عن بعض الأنشطة كالكشاف المسيحي التابع للكنائس، بعكس الأنشطة المماثلة لدى بقية الطوائف والأديان في البلاد، والتي تكفلت بها منظمات الطلائع والشبيبة التابعة لحزب البعث، عبر تجربة المخيمات العسكرية.
واستمر الأسد باللعب على وتر حماية المسيحيين في سورية وكان آخر تصريح له عن المسيحيين في عام 2017 عندما استقبل وفداً من المسيحيين السريان فقال : إن المسيحيين ليسوا ضيوفاً أو طيوراً مهاجرة في سورية، بل هم أساس وجود الوطن ومن دونهم لا وجود لسورية المتنوعة التي نعرفها.