شهر الصوم عن التصعيد ! رجب أبو سرية

الجمعة 03 مايو 2019 11:26 م / بتوقيت القدس +2GMT
شهر الصوم عن التصعيد ! رجب أبو سرية


رغم أن الاحتكاك بين إسرائيل و"حماس" كان قد وصل ذروته على الحدود الشرقية لقطاع غزة، عشية الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية الأخيرة، إلا أن كسراً لأدوات اللعبة بين الطرفين لم يحدث، ما يرجح الاعتقاد القائل إنه بالقدر الذي أعلن فيه بنيامين نتنياهو أيام الانتخابات أن إسرائيل رعت الانقسام الفلسطيني الداخلي، ولهذا فهي ليس لها مصلحة في إسقاط حكم حماس الانقسامي في قطاع غزة، بالقدر نفسه الذي يبدي فيه نتنياهو حرصه على حكم حماس، تبدي حماس حرصها على بقاء الليكود واليمين الإسرائيلي وبنيامين نتنياهو بالتحديد في مقعد الحكم وفي منصب رئاسة الحكومة الإسرائيلية.
وحماس التي وزعت الحلوى يوم استقال وزير الدفاع السابق أفيغدور ليبرمان، كانت قد اكتفت بذلك "الإنجاز"، ولم تصعد من حدة التوتر على الحدود بينها وبين نتنياهو، خشية أن يسقط الرجل ويسقط حزبه وائتلافه اليميني الحاكم، في الانتخابات، لدرجة أن تمر الذكرى السنوية لمسيرات العودة، ويوم الأرض الذي جاء قبل عشرة أيام بالضبط من يوم إجراء الانتخابات الإسرائيلية، دون أي تصعيد يذكر، بل وبالتزام واضح من جانب حماس بعدم استخدام ما تسمى الوسائل الخشنة، وكان كل ذلك مقابل، التقدير بأن نتنياهو خلال فترة الانتخابات غير قادر على تنفيذ ما هو مطلوب منه في اتفاق التفاهمات والخاص بالمرحلة الثانية منها.
وبالطبع حماس تظهر قدرا كبيرا من "التعقل" والانضباط حين تسمع النصح من قطر على وجه الخصوص، لكنها في الوقت ذاته تحرص على الشراكة مع حركة الجهاد، ليس بدافع الحرص على شراكة في الحكم لا تؤمن بها أصلاً، ولكن مقابل أن تبقي لها الجهاد على أبواب الولوج للبوابة الإيرانية مفتوحة، ومقابل أن لا تظهر حماس كفصيل منبوذ وحيد في الساحة الداخلية.
المهم هو أنه حتى تشكيل الحكومة الإسرائيلية قد تعثر وما زال غير واضح متى سينتهي نتنياهو من تلك المهمة، وعلى الأغلب فإنه سيحرص على تزجية الوقت ليمر شهر رمضان، دون أي تصعيد على جبهة غزة بالتحديد مقابل التسريع بالإجراءات الاحتلالية في القدس والضفة، وحتى في مواصلة الضغط على السلطة الشرعية، بما يثلج صدر حماس، ويضاعف أوهامها باقتراب الوقت الذي تتوج فيه بديلا عن (م ت ف) وعن السلطة.
ومعروف أن كل هذا منوط بالتخطيط الأميركي/الإسرائيلي بالوصول إلى موعد إعلان صفقة العصر المشبوهة، حتى يمر الإعلان كما مر الإعلان الخاص بالقدس والجولان، دون أن تقوم الدنيا ولا تقعد، بما شجع الشريكين على مواصلة السياسة ذاتها، لتحقيق نتائجها المرجوة والنهائية.
لكن شريك حماس ونقصد به الجهاد، يدفع إلى أن يظل ملف التفاهمات قائما، لذا فإنه وكما جرت العادة، شهد يوم الأربعاء إطلاقا للبالونات الذي قابلته إسرائيل بقصف بعض المواقع في غزة، طبعا دون تجاوز للخطوط المرسومة، خطوط الهدنة الوهمية بين الطرفين.
وبدلا من أن تهرول حماس لمواجهة الإعلان المرتقب لصفقة العصر، بتحصين الجبهة الداخلية، كما فعلت السلطة، من خلال تشكيل حكومة (م ت ف)، أو من خلال رفض أموال المقاصة منقوصة رواتب الأسرى والشهداء، باتجاه المصالحة، فإنها ما زالت تركض وراء وهم تفاهمات التهدئة مع إسرائيل!
وها هو الوفد الثنائي، المشكل من حماس والجهاد يذهب إلى القاهرة من أجل هذا الغرض، في الوقت الذي كشفت فيه المصادر الإسرائيلية عن توصية أمنية بإعادة إنشاء المنطقة الصناعية في معبر كارني، وواضح أن هذا الكشف يهدف إلى احتواء أي احتمالات "للتطرف" في الإصرار من جانب حماس/الجهاد في مباحثاتها بالقاهرة التي ستتركز على المرحلة الثانية من التفاهمات، والتي تتضمن إنشاء المدن الصناعية ونقل المواد الخام التي كان ممنوعا دخولها القطاع.
على الأغلب فإن إسرائيل لن تغلق الباب على هذا الملف، وستظل تقدم استعدادها اللفظي دون الالتزام الفعلي، بل إنها وبين فينة وأخرى ستظل تطالب من أجل الضغط والتعطيل في التنفيذ بالتقدم في ملف تبادل الأسرى، وما هي إلا أيام وتظهر حدود اللعبة بين الجانبين حين تحل ذكرى اغتصاب فلسطين، بل والذكرى السنوية الأولى لنقل السفارة الأميركية إلى القدس، والتي ستحل هذا العام في رمضان، ولو كان الأمر قد حدث في ظل برنامج مقاوم حقيقي، لكانت الذكرى مناسبة خاصة لإطلاق روح الكفاح الشعبي، حتى تؤدي مهمة التشويش على الأقل إن لم يكن الانكفاء على البيت الأبيض ليتراجع عن إعلان صفقة العصر المشبوهة.
في تراث الكثير أو العديد من الأنظمة التي كانت ترفع شعارات العداء لأميركا وإسرائيل ما يعتبر درسا أو قاعدة استناد لحماس لتسير عليه، ففيما سبق من أعوام كانت هنالك أنظمة عربية تدعي ليل نهار أنها في حالة حرب مع إسرائيل دون أن تشن حربا عليها، بل دون أن تطلق المقاومة الشعبية في أرضها المحتلة، إلى أن جاء الوقت وظهر أن كل ما كانت تعده من "توازن استراتيجي" ضد إسرائيل، لم يكن في الحقيقة إلا إعداداً للقوة اللازمة من أجل إحكام قبضة الحكم والتسلط على الشعب، وهكذا ستتحول الحال مع حماس مع مرور الوقت، حيث كلما بقيت جالسة على كرسي الحكم، تحولت "جماعات المقاومة" إلى قوة لحماية النظام وتكريسه، حتى وهو نظام حكم انقسامي وانقلابي في الأصل وفي الصيرورة.
تكتفي إذا حماس بإطلاق شعارات "المقاومة" دون الدفع بهذه المقاومة في مهمة تحرير الأرض أو الوطن، بل وفي أحسن الأحوال حتى تشكل رادعا ضد إسقاط الحكم، من قبل أي كان، وليست حماس ولا إسرائيل ولا حتى أميركا بحاجة إلى إعلان صريح من حماس بالموافقة على صفقة القرن، بل تقدم في المفاوضات بينهما يؤدي ميدانيا وعمليا، إلى "استقلال" قطاع غزة، منفردا حتى يكون قادرا على العيش وحده، دون الضفة الغربية، وعلى الاتصال بالعالم الخارجي حتى لو ضمن إطار إقليمي، وعلى إقامة اقتصاد مستقل، لعل مدماكه الأول هو هذا المعلن الخاص بالمدن الصناعية وهذه الترتيبات الخاصة بالطاقة، والتي لا تمر عبر السلطة الفلسطينية المركزية.