الحكم الذاتي لفلسطين: نموذج لا ينطبق..علي الجرباوي

الخميس 02 مايو 2019 11:41 ص / بتوقيت القدس +2GMT
الحكم الذاتي لفلسطين: نموذج لا ينطبق..علي الجرباوي


تتوالى التصريحات الوافدة من واشنطن عن قرب الإعلان عن «صفقة القرن»، ومعها تسريبات أن هذه «الصفقة» لا تتضمن إقامة دولة للفلسطينيين، بل ستمنحهم حكماً ذاتياً على أجزاء في الضفة الغربية التي ستتبقى بكاملها تحت السيطرة الإسرائيلية. هذه التسريبات تتسق مع خطة نتنياهو المعروفة بـ «الدولة المنقوصة» (state minus)، والتي تعطي الفلسطينيين حكماً ذاتياً، قد يصل إلى درجة «الحكومة الذاتية»، على الأجزاء من الضفة الغربية التي لا يُريد ضمّها للسيادة الإسرائيلية، بسبب الكثافة السكانية الفلسطينية العالية فيها، والتي تشكّل خطراً ديموغرافياً على مستقبل إسرائيل. في هذا الشأن تتفق أطياف اليمين الإسرائيلي مع بعضها، فهاجسها المشترك هو أن تنساب هذه الكثافة العددية الفلسطينية إلى داخل إسرائيل، وتصبح جزءاً قانونياً منها، وتؤدي بالضرورة إلى انهيار يهودية الدولة وإقامة الدولة الواحدة. ولكن لأن هذا اليمين لا يريد التنازل عن أي جزء من «أرض إسرائيل» من النهر إلى البحر ليتخلص من «الحمولة الفلسطينية الزائدة»، وبالتالي هو يرفض حلّ الدولتين، أصبح هدف هذا اليمين يتركز على ضمّ الأجزاء من الضفة قليلة السكان الفلسطينيين إلى إسرائيل، ومنح الفلسطينيين في الأجزاء المتبقية والكثيفة بهم حكماً ذاتياً يبقى تحت السيطرة، ولكن ليس السيادة، الإسرائيلية. إنها رؤية تُهندس لاستيلاء إسرائيل على أكبر كمية من الأرض المحتلة عام 1967، مع التخلص من «العبء القانوني» لأكبر عدد من الفلسطينيين بهدف تحييد إمكانية مشاركتهم المستقبلية في النظام السياسي الإسرائيلي، مع إبقائهم تحت السيطرة الإسرائيلية الدائمة.
لطالما أثار موضوع طرح إسرائيل الحكم الذاتي للفلسطينيين ليُشكّل الركيزة النهائية للتسوية الدائمة حفيظتي واهتمامي، لذلك بحثت علمياً في الموضوع. السؤال المركزي الذي قاد اهتمامي وبحثي تركّز حول إذا ما كانت إسرائيل تمتلك الحق، قانونياً، لطرح وتنفيذ مشروع حكم ذاتي للفلسطينيين؟! وكان هذا هو السبب الذي أدى بي لأن أبحث في الأصول الفلسفية الكامنة خلف فكرة الحكم الذاتي، والاشتراطات القانونية اللازمة لتطبيقه والضرورة لإنفاذه. وقد قادني البحث في الموضوع لاكتشاف أن الفكرة الفلسفية الكامنة خلف الحكم الذاتي تعود في الأصل إلى الحفاظ على الكينونة الفردية وحقوق الفرد من أن تنتهك من قبل المجموع أو الدولة. فلكل فرد قيمته وذاتيته التي تستحق أن يُحافظ عليها وأن تصان أمام إمكانية العَسف بها. وقد اتسعت هذه الفكرة مع الوقت لتشمل حقوق الأقلية في مواجهة إمكانية عَسف الأغلبية، حتى في النظم السياسية الديمقراطية، خصوصاً عندما تكون الأقلية دائمة، تتشكل وفق أسس عرقية أو دينية أو لغوية/ثقافية، ولا مجال أمامها لتتحول إلى أغلبية. معنى ذلك أن الأغلبية المختلفة عنها تستطيع التحكم بها، وبحياة أفرادها بالكامل، وذلك باتخاذ قرارات «ديمقراطية» مبنيّة على أساس التفوق العددي. ولكي يتم تخطي إمكانية التحكم الدائم، تُمنح الأقلية حُكماً ذاتياً كي يتم ضمان إشراك أفرادها في تقرير مصير حياتهم. وبالتالي يعمل الحكم الذاتي كوسيلة لإشراك الأقليات وأفرادها في العملية السياسية، والتي دونه يمكن أن تُحتكر من قبل الأكثرية التي بإمكانها إقصاء الأقلية واستثناءها من المشاركة في العملية السياسية. لذلك يُعتبر الحكم الذاتي وسيلة إشراك، وليس إقصاء، للأفراد، خصوصاً إن كانوا ضمن أقلية دائمة بحكم نسبتها العددية الضئيلة.
من الناحية القانونية يوجد نموذجان للحكم الذاتي. الأول هو الحكم الذاتي الفردي، والذي يُمنح لأفراد الأقلية بغضّ النظر عن مكان سكناهم، ما يعني أن الحكم الذاتي في هذه الحالة شخصي، يُمنح للفرد أينما تواجد. ويختص هذا النوع من الحكم الذاتي بإعطاء أفراد أقلية مُعينة حق المحافظة على خصائصهم اللغوية والدينية والثقافية، وعلى عاداتهم وتقاليدهم، وذلك عبر إقامة مؤسسات خاصة تُعنى بذلك. يُعّرف هذا النوع بالحكم الذاتي غير الإقليمي (Non-territorial)، إذ ليس له ارتباط بالجغرافيا، أي بإقليم محدد، وإنما هو مرتبط بالديموغرافيا، أي بالأشخاص دون علاقة بمكان سكناهم.
أما النموذج الثاني من الحكم الذاتي فهو إقليمي (Territorial)، يُمنح لإقليم محدد يتجمع فيه أفراد الأقلية، ويؤلفون فيه الأغلبية يتم من خلال النموذج منح الإقليم حكماً ذاتياً تتفاوت درجة قوته من حكم وظيفي هو الأضعف، مروراً بحكم إداري، وصولاً إلى حكم تشريعي هو الأقوى إذ يستطيع بموجبه الإقليم أن يسّن القوانين الخاصة به، وأن يفرض الضرائب على المواطنين داخله.
في كلا النموذجين من الحكم الذاتي يتوجب توفر شرطان أساسيان: الأول، أن من يُمنح الحكم الذاتي، أكان شخصياً أم إقليمياً، يجب أن يكون مواطناً من مواطني الدولة، يُمنح بموجب الحكم الذاتي تأكيداً على حقوق المواطنة الكاملة، مضافاً إليها تمييز إيجابي لضمان هذه الحقوق من إمكانية أن يتم انتهاكها والعَسف بها من قبل الأغلبية. والثاني، أن الإقليم، في حالة الحكم الذاتي الإقليمي، يجب أن يكون جزءاً أصيلاً من الدولة، يخضع لسيادتها، ولا يمكنه الانفصال عنها. من هذا المنطلق، لا يمكن لدولة، أياً كانت، أن تمنح حكماً ذاتياً لإقليم ما ليس من أقاليمها، ولا يخضع لسيادتها. كما لا يمكن لها أن تمنح مجموعة من الناس حكماً ذاتياً وهم ليسوا من مواطنيها أصلاً. باختصار، الحكم الذاتي ترتيب يتم داخل الدول، لجزء من مواطنيها وجزء من إقليمها، ولا يمكن أن يتحقق إلا بتفاهم واتفاق بين طرفين: الحكومة المركزية وأقلية من المواطنين، إما مبعثرين داخل الدولة، ويأخذون حكماً ذاتياً شخصياً، وإما يعيشون كأغلبية في جزء من إقليم الدولة، فيُمنحون حكماً ذاتياً إقليمياً على ذلك الجزء. وفي كلتا الحالتين هم جزء من الدولة، لهم كامل حقوق المواطنة فيها، مع تخصيص بإضافات للتمييز الإيجابي بهدف احترام جوانب اختلافهم مع الأغلبية.
ما تحاول إسرائيل أن تقوم به، وقد ابتدأ ذلك منذ كامب ديفيد الأولى عام 1978، ويبدو أن صفقة القرن ستأتي تتويجاً لهذه المحاولات، هو أن تعطي للفلسطينيين ما لا تملك الحق بإعطائهم إياه: الحكم الذاتي. فالأرض التي استحوذت عليها إسرائيل في حرب العام 1967 هي أرض محتلة، وفقاً للقانون الدولي والمجتمع الدولي. لم تقم إسرائيل بضم هذه الأرض (عدا ما قامت به من ضم غير مشروع للقدس)، ولم تمنح الفلسطينيين المواطنة الإسرائيلية. لذلك فإن الأرض المحتلة عام 1967، ومن عليها، ليسا جزءاً من الدولة التي يمكنها لاحقاً، لو أنها قامت بالضم مسبقاً، أن تصل معهم إلى تفاهم واتفاق، وليس إرغامهم، على قبول صيغة الحكم الذاتي.
ما تسعى إسرائيل له هو تحقيق إقصاء الفلسطينيين من النظام السياسي، ومن الدولة، حتى وهي تُصّر على الاحتفاظ بالسيطرة على أرضهم وعليهم ، لذلك هي تخترع نوعاً جديداً من الحكم الذاتي الذي يمكن أن يُدعى: الحكم الذاتي خارج نطاق الإقليم (Extra-territorial)، الذي تريد أن تُرغم الفلسطينيين على قبوله. هذا النوع المستحدث من الحكم الذاتي الذي يأتي خارج نطاق إقليم الدولة وسيادتها، تريد إسرائيل أن تمنحه لأفراد ليسوا مواطنين لديها؛ وذلك بهدف تحقيق فصل قانوني لهم عنها (Legal transfer) حتى مع استمرار خضوعهم لسيطرتها، وذلك بعدما تعذّر عليها تحقيق فصلهم الفيزيائي عنها (physical transfer)، وذلك بطردهم خارج المكان.
لا يحق لإسرائيل أن تطرح على الفلسطينيين حكماً ذاتياً. إن هي أرادت ذلك عليها أن تقوم أولاً بضم كل الأرض المحتلة وإعطاء الفلسطينيين جميعاً المواطنة كاملة الحقوق، وليس القيام بضم انتقائي للأجزاء قليلة السكان من هذه الأرض، وإخراج المتبقي كثيف السكان الفلسطينيين منها خارج نطاق الدولة، مع الاحتفاظ في نفس الوقت بالسيطرة الدائمة عليه. بعد الضم، وليس قبله، تستطيع إسرائيل أن تتفاوض مع الفلسطينيين، لمنحهم حكماً ذاتياً إن أرادوا ذلك. ما عدا ذلك سيكون تجنّياً على الحقوق الوطنية الفلسطينية الأصيلة، وعلى القانون الدولي.
يمكن للإرغام أن يفرض أمراً واقعاً، ولكن لا يمكن للإرغام أن يحقق تسوية.

لمن يرغب بالاستزادة حول الموضوع يرجى مراجعة مقالتيّ:
• «الحكم الذاتي: دراسة حول المفهوم والنموذج»، المستقبل العربي، العدد 478، السنة 41 (كانون الأول 2018): ص 109-130.
• «إسرائيل والحكم الذاتي لفلسطين: المفهوم وصلاحية النموذج،» مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 114 (ربيع 2018)، ص 49-65.