الإسلاميون في مشهد الحكم والسياسة:تركيا وقفة تأمل!! د. أحمد يوسف

الإثنين 29 أبريل 2019 12:31 م / بتوقيت القدس +2GMT
الإسلاميون في مشهد الحكم والسياسة:تركيا وقفة تأمل!! د. أحمد يوسف


ستظل تجربة حزب العدالة والتنمية التركي مثاراً للإعجاب والتساؤل، حيث إنها تعكس مسيرةً من النجاحات والإنجاز الوطني منذ العام 2002، وهو ما يجعلها محل دراسة وتأمل، إذ أنها كانت نموذجاً متميزاً وملهماً في الحكم تعلق به الإسلاميون في بلادنا العربية، وحظي بتقدير الجميع منهم، حتى أن بعضاً من تلك الحركات في دول المغرب العربي أطلقت على واجهات عملها السياسي أسماءً مشابهة، تعبيراً عن قناعاتها بالتجربة التركية، ومحاولة لاقتفاء آثارها، والسير على نهجها في إدارة شؤون الحكم والسياسة.

لقد نجح الحزب تحت قيادة رجب طيب أردوغان في الخروج بالبلاد من حالة المديونية العالية والتبعية للغرب إلى دولة تعتز بتاريخها وإرثها الإسلامي، وتتصدر مشهد القيادة في العالم العربي والإسلامي، الأمر الذي منح الإسلاميين في المنطقة الثقة والأمل بإمكانية تحقيق التغيير والإصلاح الذي انتظرته الأمة طويلاً.

 ومع انطلاق ثورات الربيع العربي وانتشارها عام 2011 في العديد من دول المنطقة، وتمكنها من اسقاط النظم الدكتاتورية في تونس وليبيا ومصر، ثم الانتقال إلى دول أخرى كسوريا واليمن، وكذلك إرهاصات الحراك والتفاعل معها في الدول الملكية كالمغرب والأردن والبحرين، مع أشكال الدعم السياسي والإعلامي الذي تلقته من تركيا أردوغان تعاظمت فرص الإسلاميين برؤية أنفسهم في مشهد الحكم والسياسة، ومحاولة تقديم نماذج مشابهة للنموذج التركي في الحكم، وبذلك يتحقق حلمهم الذي طالما بشروا به بأن "الإسلام هو الحل".

لاعتبارات كثيرة داخلية وخارجية تعثرت تلك الثورات، وانتكس الإسلاميون وتراجعت حظوظهم في الحكم أو فرص البقاء فيه، بل إن حالهم أصبح يرثى له، وعاد بعضهم إلى المربع الأول من الانكماش والسرية، كما أخذ البعض الآخر في تقليب يديه - أسفاً- بعدما أضاع فرصة طال انتظارها لأكثر من ثمانية عقود، وفي لحظة ترآءت له فيها ملامح التمكين والنصر المبين.

الإسلاميون في تركيا: بداية وإطلالة مشجعة

عرفت تركيا في بداية السبعينيات حين قصدتها للدراسة الجامعية، حيث لم يكن للإسلاميين -آنذاك – حضور ملحوظ، وكانت الاتجاهات العلمانية من ليبراليين ويساريين وقوميين يمثلون أهم القوى الفاعلة في المشهدين السياسي والإعلامي والثقافي في تركيا، أما الإسلاميون فكانوا غائبين أو مغَّيبين، ولا أثر لأي مظاهر دينية إلا في مشاهدات لبعض شيوخ وأتباع الجماعات من أصحاب الطرق الصوفية.

في عام 1969، أسس نجم الدين أربكان حركة "مللي قوروش"؛ أي "الرأي الوطني"، كأول تنظيم إسلامي تركي على منهجية وفكر حركة الإخوان المسلمين، والذي سبق له أن تعرف على فكرها وبعض قياداتها خلال سنوات دراسته العليا في ألمانيا.

في ظل الصراعات المحتدمة بين الليبراليين واليساريين، كان التيار الإسلامي يتنامى بعيداً عن الأنظار، ولكن البروفسور أربكان كانت له رؤية ثاقبة وخارطة طريق كي تستعيد تركيا مكانتها الإسلامية، وأن تأخذ مكانتها تحت الشمس كدولة مركزية في المنطقة، لديها المكانة والنفوذ والقدرة لقيادة الأمتين العربية والإسلامية، والنهوض بهما من حالة التخلف والتبعية والدوران الذليل في فلك الدول الغربية إلى مصاف الدولة/ الأمة التي لها هيبة ومكان.

تمكن أربكان من تأسيس أول حزب سياسي باسم "النظام الوطني"، وبعد حله شكل حزب "السلامة الوطني"، والذي شارك به في الانتخابات التي جرت في السبعينيات، وتمكن الحزب من الفوز بخمسة مقاعد والدخول في حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري عام 1974م. استمر أربكان في مشهد الحكم والسياسة لحوالي 35 سنة، ولكن التوجهات التي كان يمثلها تعرضت لأكثر من خمسة انقلابات كانت تنتهي بحلّ المؤسسة العسكرية للحزب، وتقييد حركية التيار الإسلامي بزعامة أربكان، وهذا ما دفع أردوغان وبعض قيادات هذا التيار الإسلامي للخروج من الحزب وتأسيس حزب جديد بآليات ومنهجية سياسية مغايرة، والمشاركة في الانتخابات التي جرت في فبراير عام 2002تحت اسم العدالة والتنمية وتحقيق نجاح باهر في البرلمان، وتشكيل الحكومة بأغلبية مطلقة منذ ذلك الحين وإلى الآن تقريباً.

الإسلاميون وتركيا أردوغان: وقفة تأمل

منذ العام 2002، والنظام السياسي في تركيا يتحكم فيه الإسلاميون من حزب العدالة والتنمية، وقد تمكنوا من قيادة البلاد وتحقيق الأمن والاستقرار والازدهار فيها، إلا أن هناك ظروفاً داخلية وعوامل خارجية بدأت تهز أركان هذا الأمان وتدق ناقوس الخطر، وخاصة بعد المحاولة الانقلابية في يوليو 2015، والتي قام بها بعض جنرالات العسكر بالتواطؤ مع (جماعة الخدمة) وزعيمها "فتح الله غولن"؛ الحليف السابق لأردوغان!!

نعم؛ ما زال حزب العدالة والتنمية يتقدم الصفوف في الشارع والبرلمان، ولكنَّ نذر الانتخابات البلدية الأخيرة في 31 مارس 2019، والخسارة الصادمة للحزب في بلديتي إستانبول وأنقرة، أخذت تلقي بظلالها على مستقبل صدارة التيار الإسلامي في تركيا، ممثلاً بحزب العدالة والتنمية على رأس مشهد الحكم والسياسة. من هنا، بدأت تتعالى الأصوات المطالبة بإجراء المراجعات، بهدف الوقوف على الأخطاء ومعالجتها، ومعرفة أين الخلل؟ قبل أن تغرق السفينة، وتضيع معها ثمار أكثر من 16 عاماً من سنوات التمكين والنجاح.

أحمد داود أوغلو: رسالة النصيحة 

اليوم، وفي سياق المراجعات لتجربة حزب العدالة والتنمية، والتي اهتزت نتائجه مؤخراً، بعث د. أحمد داود أوغلو؛ المفكر والفيلسوف ورئيس الحكومة السابق، رسالة مطولة في سياق النصيحة إلى زعيم الحزب ورئيس الدولة رجب طيب أردوغان، وكانت "رسالة النصيحة" تلك تتضمن قراءاته لأسباب حالة التراجع التي يمر بها الحزب، وقد حاول أحمد داود أوغلو  في تلك الرسالة أو البيان من خلال ملاحظاته وانتقاداته لسياسات الحزب وقياداته وضع النقاط على الحروف، وكشف الخلل في ميزان الرؤية ومؤشر الحسابات، مستعرضاً الكيفية التي أضاع فيها الحزب البوصلة، وأين كانت مواطن العثرات وتراكم الأخطاء في العديد من الملفات، مثل: الملف الاقتصادي وملف الحريات والأمن، كما وجه أيضاً الكثير من الملاحظات لحزب العدالة والتنمية الذي تحدث عنه باستخدام مصطلح (حزبنا)، وخصوصاً تحالفات الحزب الأخيرة واندماج الحزب ومؤسساته بالمجتمع، والتداخل في الصلاحيات بين رئاسة الحزب ورئاسة الجمهورية، وانتقد طريقة تعامل قيادة الحزب الحالية مع القيادات التي قادت مسيرة الكفاح من أجل وصول الحزب إلى المرتبة التي بلغها خلال السنوات التي تلت تأسيسه عام 2001.

وقد جاءت رسالته المطولة بتاريخ 22 أبريل 2019 تحت عنوان "استنتاجات وتوصيات حول نتائج انتخابات 31 مارس والظروف السياسية الراهنة"، كجرس إنظار لقرع آذان قيادات الحزب وكوادره، وضرورة المراجعة الجادة لمعالجة الأخطاء، وأهمية التصحيح والتحرك السريع كي يتمكن الحزب من استعادة حاضنته الشعبية الواسعة، قبل أن يحدث المزيد من الكوارث والانهيارات في الانتخابات البرلمانية القادمة في عام 2023، ولا ينفع حينها "ولات حين مندم!!".

بدأ د. أحمد داود أوغلو رسالته بالقول: "إننا نمر اليوم في مرحلة تاريخية تشهد التحولات الأكثر كثافة في تاريخ البشرية، ويزداد فيها زخم التواصل والتفاعل بين المجتمعات بصورة فائقة، ويمكن فيها تفعيل الفرص والمخاطر الكبيرة بنفس السوية وفي وقت واحد.. إن قيمة أي لحظة تاريخية معينة تكمن في زخم تدفق الأحداث فيها. ففي الفترة القادمة، سوف يظهر التمايز الأساسي بين أولئك الذين يديرون هذا الزخم من خلال فهم قيمة اللحظة التاريخية، وأولئك الذين ينجرون داخل هذا التدفق عبر الابتعاد عن القيمة الحقيقية للحظة التاريخية. إن البلدان التي تحدد رؤية تتفق مع طبيعة اللحظة التاريخية، من خلال نهج متماسك يتجاوز التوترات الداخلية، ستكتسب قوة ستحدد مستقبلها لعقود أو حتى لقرون قادمة، بينما البلدان التي تستهلك طاقاتها في توترات داخلية مفرغة، ستمثل فيما بعد الفئات السلبية في مسيرة التاريخ، فالأزمات الأخيرة التي تجري على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، إنما هي آلام الولادة من رحم التاريخ".

وأضاف: "في السنوات الأولى، ومع قدوم حزبنا إلى السلطة برؤية تفهم متطلبات المرحلة الزمنية التي كنا نمر بها وقيم الأمة، أظهر بلدنا أداءً التقط فيه زخم التدفق التاريخي بعد أن عشنا تحولًا ديمقراطيًا عزز ثقتنا بأنفسنا، ومخططًا لتنمية اقتصادية صاعدة، وتأثيرًا دوليًا يتوسع في أرجاء الأرض.. لكن التوترات الداخلية التي بلغت ذروتها مع محاولة الانقلاب الغادر في 15 يوليو، قامت بجر بلادنا من موقف يتمتع برؤية وتقدمية إلى موقف متراجع ودفاعي.. وحزبنا الذي يعد اللاعب السياسي الوحيد الذي يمكنه إدارة هذه المرحلة برمتها، عندما بدأ باستهلاك طاقته في مشاكله الداخلية، بسبب تحريضات وتلاعبات تتجاهل الإرادة الوطنية من قبل بعض البؤر التي كان لها دور رائد في عمليات التآمر هذه، اهتز انسجامنا الداخلي وضعفت قدرتنا على إنتاج وتطبيق الرؤى الاستراتيجية".

وحذر د. داود أوغلو من مغبة ما هو قادم، بالقول: "إذا لم يتم استخلاص الرسائل المهمة من التغييرات التي ظهرت في توجهات شعبنا، واتخاذ الخطوات الواجب القيام بها بحزم، فإن مرحلة صعبة تنتظرنا نحن كحزب العدالة والتنمية، وتنتظر بلدنا تركيا أيضاً. وفي هذا السياق، يتعين علينا مواجهة حقيقة التراجع في الدعم الشعبي لحزبنا وتقييم ذلك بطريقة حكيمة... وبالنظر بعمق نحو الماضي، فإن هذه الحركة شُيّدت بجهود الأجيال السابقة، وعلى آمال الأجيال القادمة في المستقبل، فلا ينبغي التضحية بها من أجل النفوس المغرورة والحسابات الضيقة، إننا مدينون كثيرًا للأجيال الماضية التي أسست الأرضية التي بني عليها حزبنا، وإلى الأبطال المجهولين الذين يحملون حزبنا على الأكتاف اليوم".

وأشار داود أوغلو في رسالة النصيحة إلى أن هناك خمسة عناصر أساسية تجعل الحركات والأحزاب السياسية الفاعل المهيمن على مشهد التاريخ، وهي:

أولاً؛ منظومة مبادئ وقيم داخلية متناسقة.

ثانياً؛ خطاب متوافق مع روح منظومة القيم هذه.

ثالثاً؛ شبكة من العلاقات الاجتماعية منفتحة على جميع شرائح المجتمع.

رابعاً؛ هيكل تنظيمي قوي يدير هذه الشبكة بفعالية.

خامساً؛ فكر حر وعقل تشاركي يتيحان إمكانية تطوير سياسات متوافقة مع روح العصر.

وأضاف موضحاً: "إن سرَّ تميز حزبنا عن الأحزاب الأخرى طوال تاريخنا السياسي والسبب الأساسي لبقائنا في السلطة لفترة طويلة، مخفي في هذه الميزات، ولكنَّ الأحداث التي حدثت في السنوات الأخيرة أظهرت أن هناك ضعفاً خطيراً بالالتزام بهذه العناصر الأساسية وهو يتوسع، والأخطاء والفوضى الملحوظة من كل جانب خلال عملية الانتخابات المحلية الأخيرة وبعدها، هي في الواقع ليست إلا انعكاسات لهذا الخلل، حيث إن العمل السياسي يقوم على منظومة أخلاقية في الأساس. وتاريخياً كان من أهم الأسس التي قام عليها حزبنا، لكنها تضررت بسبب الخطاب الذي أصبح قائماً على الشعارات وإظهار التمسك بالقيم والمبادئ والتصرف بعكس ذلك، ما جعل المواطنين يفقدون الثقة في خطابنا".

وذكَّر بنقطة مهمة تستوجب الالتفات إليها وأخذها بقوة، قائلاً: "لقد نسي البعض أن العمل السياسي وقيادة البلاد هي منوطة بشخص من يتولى القيادة دون تدخل من عائلته أو الدائرة المحيطة به في صنع القرار. كما أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وتجييش من يقومون من خلالها بترويج الافتراءات، وتشويه أي منافس على الساحة، ومحو اعتبار مَن كانوا رفاق كفاح في مسيرة الحزب هو بمثابة انعدام الوفاء لمن بذلوا الكثير من أجل نجاح الحزب.. لقد أثّر الابتعاد الحاصل عن القيم والمبادئ الأساسية بشكل مباشر على خطابنا السياسي أيضًا. في الأعوام الأخيرة، حلّ خطابٌ بصبغة دولتية وأمنية وقائم على الأمر الواقع وعلى هواجس البقاء المطلقة، بدلًا من خطاب حزبنا السياسي الواثق بنفسه ومستقبله، والذي يُركز على الإنسان، ويقوم على حقوق الإنسان والحرية والإصلاح الشامل".

وأشار د. داود أوغلو إلى ركيزة أساسية لنجاح العمل الحزبي، بالقول: "إن من أبرز المبادئ التأسيسية لحزبنا، هي الاعتماد على “العقل المشترك”. لقد نال حزبنا تقدير شعبنا عبر اجتيازه العديد من الأزمات الصعبة بفضل آليات الشورى المؤسساتية والعقل المشترك. لكن وللأسف، فإن هيئات وآليات الشورى التي تساهم في تجسيد العقل المشترك لدى حزب العدالة والتنمية، إما أنه تمَّ إقصاؤها بشكل كامل أو أنها فقدت وظيفتها بسبب احتكار المصادقة عليها من قبل رأي واحد ومعيّن"!!

وختم د. داود أوغلو رسالة النصيحة بالقول: "لا يمكن التضحية ببلدنا وحزبنا الذي تأسس بدموع شعبنا، وجهوده، وأفكاره ومشاعره، في سبيل فئة وقعت أسيرة لأطماعها الشخصية وباتت تتبع مصالحها الذاتية. في هذا الإطار، يتوجّب وبأقرب وقت، تعزيز البنية المؤسساتية لحزبنا، وتفعيل آليات الشورى والعقل المشترك وعودة تشكيلاتنا الحزبية إلى وظيفتها الأساسية وإعادة تأسيس روابطنا مع الشعب مرة أخرى على أرضية من الثقة والتواضع.

باختصار: في هذه الرسالة الكثير من الملاحظات والانتقادات التي تنطبق على حالتنا الفلسطينية في حركة حماس، كما أن ما ورد فيها من نصائح وتوجيهات تخص الإسلاميين جميعاً، وهذا ما سنتناوله في المقال القادم.