ما بعد الانتخابات الإسرائيلية..مهند عبد الحميد

الثلاثاء 16 أبريل 2019 12:53 م / بتوقيت القدس +2GMT
ما بعد الانتخابات الإسرائيلية..مهند عبد الحميد


جاءت نتيجة انتخابات الكنيست الإسرائيلية منسجمة مع السياسات والتحولات داخل المجتمع الإسرائيلي وعلاقاته الداخلية والخارجية، ومنسجمة مع دعم إدارة ترامب المطلق للتطرف الإسرائيلي، ومنسجمة مع الدعاية الانتخابية المفرطة في تنكرها وعدائها للحقوق الفلسطينية. الخطر الذي يتهدد الشعب الفلسطيني لا يقتصر على نتائج الانتخابات، بل يمتد إلى ما بعدها، وتحديدا احتمال الإعلان عن ضم المستوطنات وإعلان السيادة على الضفة الغربية، وهذا ما بدأ يمهد له بومبيو، بالقول إن ضم المستوطنات لا يتعارض مع صفقة القرن، وإن الصفقة لا تتضمن إقامة دولة فلسطينية. 
الاختبار لم يقتصر على الشعب الإسرائيلي الذي اختار ائتلافا متطرفا معاديا للحل السياسي الذي يقبل به الشعب الفلسطيني، بل يمتد إلى اختبار السياسات العربية الرسمية التي لم تفعل شيئا لإعاقة الاندفاعة الإسرائيلية الأميركية، بل وجرى تعريفها بأنها مؤيدة للاندفاعة من قبل قادتها ترامب ونتنياهو وفريقهما، دون رد أو نفي أو برهان معاكس لذلك. 
الاتحاد الأوروبي لم تكن مواقفه بهذا المستوى من الضعف واللامبالاة إزاء الاندفاعة الأميركية الإسرائيلية كما هي عليه الآن. وكأنه تعايش مع سياسة ترامب بدعوى انتظار ما ستتمخض عنه صفقة القرن. 
علينا الاعتراف بالانغلاق في كل الجبهات ما عدا جبهة أصحاب المبادئ التي تنتصر دائما للضحايا وترفض المعتدين مهما كان جبروتهم وابتزازهم وتهديدهم. 
نموذج جنوب إفريقيا التي قلصت تمثيلها الدبلوماسي في إسرائيل، ومواقف إيرلندا وعدد من دول أميركا اللاتينية، فضلا عن المقاطعين لإسرائيل في المجالات الاقتصادية والثقافية والفنية والرياضية.  
والاعتراف بالانغلاق يبدأ بتحديد المسؤوليات ومن المسؤول؟ المسؤول رقم 1: حلف نتنياهو ترامب، تواطؤ ولا مبالاة دول عربية، تراجع الحماس الأوروبي، صمت وعجز الأمين العام للأمم المتحدة والمؤسسات الدولية أمام الغطرسة والانتهاكات الأميركية الإسرائيلية.  
المسؤول رقم 2: السياسات الفلسطينية التي راهنت على حلول سياسية واقتصادية وباءت جميعها بالفشل الذريع. 
كان الرهان على الإدارات الأميركية المتعاقبة خطأ فادحا يدفع الشعب الفلسطيني ثمنا متزايدا وهو الآن يبلغ الذروة. 
كان من المنطقي إخفاق الرهان على النظامين الدولي والعربي بسبب غياب استخدام المصالح.  لقد جرى الاقتناع بوجود مصلحة فلسطينية مع النظامين عنوانها المساعدة في إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. هذا التقدير تبين أنه أحادي الجانب.
كان يجب طرح السؤال بصيغة أخرى: ما هي مصلحة النظامين الدولي والعربي ومراكزهما المُقرِرَة، في إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية؟ مقابل ما تقدمه إسرائيل لهما من ثمن لاستمرار احتلالها للأراضي الفلسطينية وإحباط قيام الدولة. الجواب طوال الوقت كانت المصالح الأميركية في مأمن وتتجذر مقابل حماية الأنظمة العربية ثمنا لذلك، ولم يطرح إنهاء الاحتلال وحل القضية الفلسطينية في الحسبة كجزء تبادل المصالح.  
ومصالح الأوروبيين في المنطقة العربية أيضا في مأمن ولا ترتبط  بإنهاء الاحتلال وبإيجاد حل للقضية الفلسطينية. 
ونجحت إسرائيل بإعادة صياغة علاقاتها مع روسيا والصين والهند ودول إفريقية ودول من أميركا اللاتينية بالاستناد لمصالح متبادلة مع تحييد قضية الاحتلال والقضية الفلسطينية. 
مع أن هذه الدول كانت ومازالت في معظمها مؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني. 
وسبق لها أن مارست ضغوطا على دولة الاحتلال، إلا أن اتفاق المصالح بينها وبين إسرائيل أدى إلى تحييدها واكتفائها بالتأييد والتصويت في الهيئات الدولية لصالح فلسطين. 
التطور الجديد هو الاختراق الإسرائيلي للنظام العربي ضمن لغة المصالح، فقد أوجد الطرفان مصالح مشتركة تحت عنوان «الخطر الإيراني» ومحاربة الإرهاب الذي يهدد أنظمة عربية، وكان ذلك مقابل وضع قضية الاحتلال في موقع «ليس ذي صلة» بالنسبة للطرفين. ومقابل عدم الرد  العملي على صفقة ترامب التي تكرس الاحتلال وتصفي القضية الفلسطينية.  
بحسب لغة المصالح المتحررة من كل اعتبار، وتحديدا المتحررة من ردود فعل الشعوب العربية، وبخاصة شعوب تلك البلدان التي فتحت التحالف مع إسرائيل، والمتحررة من ردود شعوب عربية كانت انتفاضاتها السلمية على أبواب تغيير ديمقراطي. 
حقيقة الأمر، أن الطرف الأساسي الذي تلتقي مصالحه مع مصالح الشعب الفلسطيني هو الشعوب العربية. 
التقاء مصلحة الشعب الفلسطيني في إنهاء الاحتلال، مع مصلحة الشعوب العربية في الخلاص من أنظمة مستبدة وأنظمة مستبدة تابعة والإفلات من علاقات التبعية الاقتصادية والأمنية ومن القواعد العسكرية ومن السيطرة على الأسواق. لقد حال التدخل المحموم ضد الثورات العربية، بما في ذلك لعب ورقة الإرهاب وتنظيماته التي استخدمت في إعادة بناء الاستبداد وعلاقات التبعية، حال انتصار العسكر والثورات المضادة دون التقاء مصلحة الشعب الفلسطيني مع مصالح الشعوب العربية على قضية التحرر من الاحتلال وعلاقات التبعية.
السؤال كيف يمكن إعادة بناء الوضع الفلسطيني ما بعد الفشل الذي جسدته انتخابات الكنيست الأخيرة؟ ثمة فرق بين استخراج مواقف مؤيدة للحقوق الفلسطينية من باب رفع العتب والمجاملات، وبين إعادة بناء مشروع الخلاص من الاحتلال على الكم الهائل من التأييد بلا رصيد، على الأقوال من غير أفعال. 
لا ينبغي استمرار خطاب الحل الذي سيأتي من جهات أثبتت بالدليل القطعي أن أقوالها وبياناتها لا تتعدى حدود العزاء والمواساة ورفع العتب. 
لا يوجد حل سياسي في ظل العلاقات الدولية والإقليمية القائمة. يوجد فقط حل صفقة القرن الذي لا بديل عن إفشاله. 
والإفشال يبدأ بعدم توفير غطاء فلسطيني له قائم ومحتمل. يبدو أن حركة حماس تتساوق عبر اتفاق الهدنة مع صفقة القرن. 
التساوق يأتي عبر تثبيت فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وهذا يستدعي استعادة قطاع غزة أولا، استعادة مليوني فلسطيني، تستخدم معاناتهم الإنسانية في تمرير الفصل. هذا البند مفترض أن يطرح كأولوية فلسطينية، وفي البداية مطلوب حل الشيفرة التي تستخدمها حماس، هل بقاء سيطرة حماس مع وجود دعم من السلطة هو المطلوب. بمعنى دعم بقاء سلطة حماس الذي يحتل أولوية في أجندتها. ولا يوجد بند رقم 2 كالانتخابات مثلا. تأسيسا على قول القيادي غازي حمد «إن إجراءات السلطة هي التي دفعت حماس إلى إبرام الهدنة مع إسرائيل»..  
هل استمرار توزيع الموازنة بين الضفة والقطاع والذهاب إلى الانتخابات التي ستقرر نهاية المرحلة أمر ملائم مقابل تراجع حماس عن الشق السياسي والاقتصادي في اتفاق الهدنة واقتصارها على الشق الأمني. نعم لا بد من شراء الوحدة وتركها وديعة لدى الشعب الذي سيقرر لمن يعطي صوته في الانتخابات. 
Mohanned_t@yahoo.com