بين حكومتين جديدتين...عبد الناصر النجار

السبت 13 أبريل 2019 06:32 م / بتوقيت القدس +2GMT
بين حكومتين جديدتين...عبد الناصر النجار


انتهت الانتخابات الإسرائيلية وجاءت نتائجها طبيعية لمجتمع عنصري، ومن تعلّق بأوهام حدوث تغيير أو حصول مفاجأة فقد كان حالماً لا يرى الواقع.
الانتخابات الإسرائيلية كانت تنافساً بين اليمين المتطرف واليمين الأكثر تطرفاً، أما ما كان يسمى "اليسار الإسرائيلي" فقد ولى تأثيره دون رجعة. 
التنافس كان بين جهة تتحدث عن فصل عنصري واقتلاع بملء الفم وأخرى تحمل الأفكار نفسها وإن كانت تبطنها.
الجنرال بني غانتس ارتكز إلى شعار رئيس في حملته الانتخابية وهو "أعدت غزة إلى العصر الحجري" متبجحاً بالقتل والدمار اللذين ألحقهما بالقطاع خلال توليه رئاسة الأركان، وعلى الرغم من ذلك فإن الناخب الإسرائيلي فضّل نتنياهو الفاسد على تجمع الجنرالات.
نتنياهو سيواصل نهجه القديم القائم على: لا دولة فلسطينية، ولا قدس ولا لاجئين... والأقلية العربية التي تعيش في (يهودا والسامرة) "الضفة الغربية" يمكن المساعدة في تحسين أوضاعها الاقتصادية، ومنحها حكماً ذاتياً لإدارة شؤونها الداخلية كخدمات البلديات وشؤون الصحة والتعليم. أما السماء والأرض والحدود فخطوط حمر لا تنازل عنها. 
هذا هو نتنياهو الواضح، سر أبيه الأكثر عنصرية، الذي ما زال مخلصاً لوصاياه، خاصة أن الأب لم يكن يعترف حتى بوجود الشعب الفلسطيني وكان يدعو علناً إلى التطهير العرقي وترحيل الفلسطينيين.
الحكومة الإسرائيلية الجديدة التي سيعيد نتنياهو تشكيلها عنصرية متزمتة، وستكون رهينة للمستوطنين على قاعدة الاستمرار في توسيع المستوطنات وزيادة عددها، وفي نهاية المطاف ضمها على غرار القدس المحتلة وهضبة الجولان المحتلة.
المواطن الفلسطيني على اقتناع تام بأن دولة الاحتلال التوسعية الاستيطانية ليست بحاجة إلى السلام وإنما إلى الاستسلام دون شروط.. يساعدها في ذلك التغيرات المتسارعة في المنطقة وحراك الإدارة الأميركية التي تمنح بسخاء ما لا تملك لمن لا يستحق. وبالتالي، فإن أي حديث عن مفاوضات أصبح خارج النص للمواطن الفلسطيني، الذي لا يزال يذكر قول رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحق شامير عندما أجبر على الجلوس على طاولة المفاوضات: "سنظل نفاوض مائة عام".
نتنياهو اليوم منتش بانتصاراته المتتالية آخرها انتخابات الكنيست وقبلها هدايا ترامب المتلاحقة ثم هدية روسيا بتسليمه رفات الجندي المفقود، وليس انتهاء بزياراته عواصم عربية وإسلامية علناً وسط ترحيب لم يحلم به. وبالتالي لماذا يتنازل ولمن؟؟
أما صفقة القرن فلن تطرح قبل أن يطّلع عليها نتنياهو بشكل كامل ويعطي موافقته المبدئية عليها.. قد تكون هناك بعض البنود التي لا تروق له ولكنها لن تتعارض مع رؤية اليمين الإسرائيلي لما يسمى الحل السياسي.
في ظل هذا الواقع الصعب والمعقد جاء تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة التي أمامها مجموعة لا حصر لها من التحديات التي من الصعب إيجاد حلول لها، ولكن بالحد الأدنى يمكنها إدارتها والصمود في مواجهة بعضها.
على المستوى الاقتصادي وهو الأهم بالنسبة للمواطن الفلسطيني الآن، فإن الضغوط المالية ستطول ربما أشهراً قادمة إلى ما بعد ولادة صفقة القرن التي تعتقد واشنطن أن الضغط المالي قد يجبر الفلسطينيين على التعامل معها.
من جهتها، ستواصل سلطات الاحتلال خصم رواتب الشهداء والأسرى من المستحقات الفلسطينية لزيادة الضغط، بعد تشريع هذا الخصم، إلا إذا أعادت الكنيست تعديل القانون وهو أمر مستبعد مع تركيبتها الجديدة، فيما تصر السلطة على تسلم المبلغ كاملاً أو ليظل عند سلطات الاحتلال، لأن مجرد القبول بالخصم ستلحقه قضايا أخرى لسرقة الأموال الفلسطينية، ولنا في قضية تعويض العملاء القتلة عبرة، وكثير من القضايا التي رفعها إسرائيليون للحصول على تعويضات من أموالنا تحت مسميات مختلفة في أروقة المحاكم، وعليه فإن رواتب الموظفين ستظل في إطار 40-60% شهرياً، مع سياسة تقشف صعبة إلى حين ميسرة.
على المستوى السياسي، فإن الأمور في غاية التعقيد، لأن سلطات الاحتلال على قاب قوسين أو أدنى من ضم المستوطنات وأجزاء من مناطق ج، وربما بموافقة أميركية على اعتبار أن ذلك جزء من الحل. والمفاوضات الميتة منذ سنوات أصبح من المطلوب دفنها لأنها باتت وراء الأحداث المستجدة بسنة ضوئية.
صفقة القرن هي التحدي الكبير أمام الحكومة الجديدة في ظل ضغوط أميركية وإقليمية، ومن الواضح أن ذخيرة الحكومة هي الشعب الفلسطيني الذي قال كلمته منذ بدأت التسريبات عن الصفقة "لن تمر"، ولن تستطيع قوة في هذا العالم تركيع شعب الجبارين.. والمطلوب هو تعلم الحكومة الجديدة من أخطاء الماضي وإعطاء الشعب فرصة لإعادة بناء الثقة المهتزة.
على الصعيد الداخلي، تظل المصالحة وإنهاء الانقسام الحلقة الأصعب، لذا لا بد من تغيير شامل للنهج السابق الذي فشل في إنهاء الانقسام، ولا بد من التفكير بحلول خلاقة قابلة للقسمة على جميع الأطراف، كي تتمكن الحكومة الوليدة من صد كل المؤامرات التي تحاك للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة في الداخل والخارج.