الكنداكة الوجه الأنصع لموجة الربيع الثانية...د. عبير عبد الرحمن ثابت

السبت 13 أبريل 2019 12:34 ص / بتوقيت القدس +2GMT
الكنداكة الوجه الأنصع لموجة الربيع الثانية...د. عبير عبد الرحمن ثابت


من قال أن الربيع العربي قد لفظ أنفاسه الأخيرة وغرق فى بحر دماء الشام، لم يدرك حقائق التاريخ التى رسختها الجغرافيا عبر آلاف السنيين فى منطقة تأبى ورغم كل عوامل التفرقة والتشظي الطبيعية والصناعية إلا أن تتلاحم مجددا بأفراحها النادرة وأوجاعها الدائمة. 

اليوم وبعد قرابة عقد من الزمن على الشرارة الأولى التى تفتحت فيها أول أزهار الربيع فى تونس الخضراء؛ ها نحن أمام موجة ثانية منه تبدو أكثر وهجا وقوة من الموجة الأولى كونها اكتسبت خبرة ومناعة من سابقاتها فى نسختها الجديدة؛ والتى ظهرت على حين غرة فى أرض الملكات المحاربات الكنداكات فى حضارة النوبة فى السودان، وما لبثت حتى انتقلت إلى أرض المليون شهيد؛ وما هى إلا أسابيع معدودة وسقط رأس النظام فى كل من الجزائر والسودان تباعا.

وثمة وجه مختلف آخر للربيع العربى فى نسخته الجديدة مثلته بوضوح كنداكة السودان طالبة الهندسة المعمارية آلاء صالح؛ وهى تقود جموع الجماهير السودانية وتهتف بشعاراتها الحضارية التى يعجز فلاسفة عن صياغتها بكل هذه الدلالات والعمق الحضارى الذى يربط الماضى السودانى الحضارى العريق بآمال المستقبل الحضارى المضئ المرجو، رافضا  ومختصرا ومسقطا للحظة تاريخية معتمة فى مسيرة شعب وأمة عظيمة لتتحول صورتها وهى تعتلى سقف سيارة بزيها الأبيض المعبر عن حضارية ونقاء وسلمية الحراك الشعبي السودانى إلى الكنداكة أيقونة الربيع العربي فى السودان.

إننا اليوم أمام تطور ثقافي جمعي لشعوب أدركت جيدا أنها أقوى بإرادتها الموحدة من قوة القمع للأنظمة الدكتاتورية الفاشية بكل ما تمتلك من قوة قمعية، وهذا التغيير فى الثقافة الجمعية إنما هو نابع من تطور ثقافي حضارى جمعى لأمة بأسرها نضجت وتنضج فكريا فى غفلة من حكامها الغارقين فى الماضي بكل آلياته السياسية التقليدية الفاشية؛  فتخلفت الأنظمة وتقدمت الشعوب فكريا وثقافيا على حكامها؛ فكانت هى الأقوى والأقدر وأصبح معادلة الحكم متباينة، فكيف يحكم من هو أقل ثقافة من هم أكثر ثقافة وتطور؛ وهذا هو مقتل الأنظمة الدكتاتورية الفاشية عندما تتغير المعادلة الثقافية بين الحاكم والمحكوم.

وها نحن اليوم نرى النسخة الثانية من الربيع العربى فى كل من الجزائر والسودان؛ وقد خلت من أولئك الذين يرتدون رداء العقيدة الاسلامية ليستروا به خواءهم الفكرى وقصورهم الحضارى الانساني؛ وفشلهم فى الفهم الحقيقي لمقاصد العقيدة الاسلامية السامية التى تلتقى بشكل طبيعي مع تطور المفاهيم الانسانية الحضارية؛ وتقصيرهم وقصورهم على تجديدها وتنقيتها من الأدران التاريخية التى ألحقها أمثالهم بها عبر التاريخ، ومن الواضح أن غياب تجار العقيدة الاسلامية عن المشهد كان ردة فعل شعبية واضحة لإدراك خطورتهم بحكم التجارب السابقة؛ وأنهم ليسوا إلا وجه آخر مستتر من تلك الأنظمة الدكتاتورية الفاشية المتخفى باسم الدين والتى لازالت تقبع فى الماضى.

ويتخوف الكثيرون من محاولة الالتفاف على نسخة الربيع العربى فى كلا من السودان والجزائر؛ ولكن هذه المحاولات لن تفلح وذلك لسبب بسيط أن تلك الأنظمة تعيد نفس المحاولات السابقة التى جربتها الأنظمة فى النسخة الأولى من الربيع وبنفس الأدوات تقريبا وتتوقع أن تنجح  فى كسر هذه الموجة؛ ولكنها عبثا تحاول وحتى وإن استطاعت فعل ذلك،  فهذا لن يكون إلا بمثابة تأجيل للقدر الطبيعي إلى حين من الزمن فى انتظار الموجة الثالثة والرابعة حتى تعود المتباينة إلى سيرتها الأولى .

نسخة الربيع العربي الحالية هى إصدار جديد من إصدارات ستتعاقب؛ ولن تتوقف عن الصدور بنسخ أكثر قوة مستفيدة من المناعة الطبيعية التى تكتسبها تلك الشعوب من النسخ السابقة، إنها معادلة منطقية متوازنة لشعب حر تطور ثقافيا وفكريا؛ شعب يستجيب القدر لطموحاته وتنجلى قتامة الليل لأحلامه.

أستاذ علوم سياسية