حذار من انتحار المقاومة .. ماجد عبد الهادي

الأربعاء 20 مارس 2019 11:35 م / بتوقيت القدس +2GMT
حذار من انتحار المقاومة .. ماجد عبد الهادي




تغصّ الروح بضحك كالبكاء، لدى سماع أو مشاهدة المتحدثين باسم حركة حماس، يجاهدون لتقديم أجوبة على أسئلة مذيعي القنوات الفضائية، بشأن قمع المظاهرات الشعبية الاحتجاجية في قطاع غزة، فلا يستطيعون غير تكرار النطق بعباراتٍ لجوجةٍ متلعثمة، سبق أن استخدمها، حرفياً، المتحدثون باسم الأنظمة الديكتاتورية العربية الفاسدة، في محاولاتهم اليائسة التي نعرفها جميعاً، لتبرير قتل الناس، واعتقالهم، وتعذيبهم، بالكلام البائس عن وجود أيدٍ خفية تستغل حراك الشارع، وعن تخريب متظاهرين الممتلكات العامة، وما إلى ذلك من اتهامات، لا يجوز، في حال من الأحوال، أن تستخدمها سلطة شرعية دفاعاً عن سلوك جندها، حين يعتدون على حقوق مواطنيها، فما بالك بحركة مقاومة، ترفع شعارات تخليصهم، وتحرير وطنهم، من نير الاحتلال.
"بدنا نعيش"، قال المتظاهرون في شعار حراكهم الذي أعقب فرض ضرائب جديدة، وما من أحد يستطيع لومهم، بعدما صبروا على حصارٍ مديد، يشارك فيه الأعداء الأعداء، والإخوة الأعداء، والأشقاء الأقربون، وتخللته حروبٌ طاحنة، فقدوا فيها الألوف من ذويهم، وتهدمت مئات من بيوتهم ومنشآتهم الحيوية، غير أن رد "سلطة حماس" عليهم، باستخدامها العنف المفرط ضد من طاولته هراواتها، وملاحقتها عشرات منهم إلى بيوتهم، واقتيادهم من بين أهليهم، لتعذيبهم بوحشية، وإهانتهم ببذيء الكلام، في مراكز التوقيف، ووراء جدران السجون، كان فاجعاً، إلى حد يثير الحزن العميق، لا على هؤلاء الضحايا فحسب، بل أيضاً على إحلال صورةٍ مشينةٍ كهذه، في أذهان الناس، وعلى شاشات التلفزة، ومواقع الإنترنت، وصفحات الصحف، محل صورة مشرفة طالما رسمتها "كتائب الشهيد عز الدين القسام" بدم خيرة شباب فلسطين، في أيام تصديها البطولي للغزوات الهمجية الإسرائيلية.
"سلطة محمود عباس" استغلت حراك الشارع، وحاولت التلاعب به، من أجل إشاعة الفوضى، تقول الحجة الأهم التي تقدمها "حماس"، وتعرض معها توثيقاً لما قالت إنها مكالمات هاتفية بين مدير المخابرات الفلسطينية في رام الله، ماجد فرج، ونشطاء في الحراك الشعبي، يرتبطون به، أو يعملون لحسابه، لكنها تتغافل عن تورّط أجهزتها الأمنية في البطش بمناضلين من فصائل أخرى، وحقوقيين من منظماتٍ إنسانية، وصحافيين كانوا يغطّون الأحداث، كما تنسى، وهذا هو الأهم، أن ممارستها دور السلطة واقعياً يمنح قوى المعارضة بداهة (وحركة فتح، في حال غزة ليست إلا واحدة منها) حق استثمار أي ظرف سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي، بما يخدم موقفها، بعيداً عن تحريم ما تفعل، بوصفه جريمة ضد المقاومة.
ليس ذلك تبريراً، ولا تفهماً لتعبيرات الانقسام العبثي بين فصيلين، ما عادا يتورّعان عن اقتراف المحرّمات، في صراعهما على سلطة حكم ذاتي محدود، ولا سلطة فعلية لها، تحت الاحتلال الإسرائيلي، بقدر ما هو محاولة للتجاوز، اضطراراً، على التركيبة السياسية المشوّهة، والتذكير بأبجديات اللعبة الديمقراطية التي تعطي كل القوى، بما فيها "فتح"، حق معارضة حكم "حماس" في غزة، مثلما تعطي كل القوى أيضاً، بما فيها "حماس"، حق معارضة حكم فتح في الضفة الغربية، طالما لم يصل تعبير أي منهما عن موقفه، في كلا الجناحين المهيضين للوطن، درجة انتهاك القوانين والأعراف المتفق عليها.
وثمّة هنا رسالة إلى صاحب القرار في "حماس": أنت، ببساطة، من اخترت ازدواجية السلطة والمقاومة، وأنت من عليك حل التناقضات المعقدة الناشئة بينهما، بدلاً من تحميل وزرها على كاهل مواطنيك، وإلا فإن إقدام رجالك على ضرب واعتقال وتعذيب وإهانة من يحتجون على إجراءات سلطتك، بتهمة أنهم يعادون سلاح مقاومتك، سواء كانوا من حركة فتح أو الجبهة الشعبية، أو الجهاد الإسلامي، أو غيرها من الفصائل الوطنية، والمنظمات الحقوقية، سيجعلك تبدو كأنك اخترت انتحار الثانية من أجل بقاء الأولى، أو كأنك تدفعها إلى رفع شعار "بدنا نموت" رداً على شعار "بدنا نعيش".. فحذار.