الحراك الشعبي: مأزق «حماس» في الذهاب للعنف..أشرف العجرمي

الأربعاء 20 مارس 2019 10:17 ص / بتوقيت القدس +2GMT
الحراك الشعبي: مأزق «حماس» في الذهاب للعنف..أشرف العجرمي


الحراك الشعبي السلمي الذي بدأ قبل ستة أيام في قطاع غزة ضد الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي يعاني منها المواطنون في هذا الجزء من الوطن، هو تعبير عن وصول الأمور إلى حد لا يطاق ولم تعد الجماهير تحتمله أو تطيقه، وربما كانت الضرائب الباهظة التي فرضتها حركة حماس على المواطنين هي الشعرة التي قصمت ظهر البعير. لكن الموضوع أعمق من ذلك بكثير خصوصاً بعد فشل محاولات المصالحة واستعادة الوحدة الوطنية وإنهاء مظاهر الانقسام الذي هو سبب رئيس في التدهور الكبير في مختلف المجالات الحياتية، وانحدار الوضع الفلسطيني إلى مأزق بالغ الشدة والخطورة. وهو صرخة حية من الشعب لكل القيادات الفلسطينية بأن تعمل على إنقاذ الوطن والمواطن من الدمار الذي يلحق بكل شيء.
بدلاً من أن ترى "حماس" في هذا الحراك الشعبي غير المؤطر وغير المؤدلج والذي نبع من نشطاء كمبادرة خاصة غير مسيسة، نظرت إليه باعتباره خطراً على حكمها وربما على وجودها، واختارت أن تقمع الناس وتعادي حراكهم السلمي المشروع، وهي بذلك ترتكب خطأً مصيرياً وجوهرياً. فالقوة لا يمكن أن تكون الحل في مواجهة الجماهير الغاضبة التي تبحث عن حقوقها الأساسية. وبالذات تحت عنوان "بدنا نعيش". فالمطالب لم تكن سياسية ولم تكن هناك مطالبات بإسقاط سلطة "حماس" أو استبدالها، على الرغم من أن الحل بالضرورة يكمن في البحث عن آليات جديدة للسلطة والحكم. وهنا لم تأخذ "حماس" التجارب السابقة وخاصة في مجتمعات كمجتمعنا وعلى مقربة منا، حيث لم تنجح القوة في وقف حركة الشعب طالما هذه الحركة سلمية وواسعة النطاق. كما أنها لم تستفد من تجربة شعبنا نفسه في الانتفاضة الأولى عندما قاوم البطش والقوة الغاشمة وسياسة تكسير العظام التي نفذها الجيش الإسرائيلي بأوامر من اسحق رابين بالمزيد من الصمود والمواجهات والعناد.
لا أعتقد أن "حماس" تريد أن يقارن شعبنا قمعها لمتظاهريه بالقمع الإسرائيلي فهي جزء من هذا الشعب وعناصرها التي تقمع المناضلين هم إخوة وأقرباء وأصدقاء وجيران لمن يقمعونهم. ولكن شدة القمع وعمليات التكسير واستخدام أشكال شديدة العنف ضد الناس العزل يجبر الشعب على المقارنة وهي ليست جيدة في كل حال وليست في صالح "حماس" أو أي أحد في الساحة الفلسطينية. ولا ينفع "حماس" أن تتهم السلطة بالتآمر وتحريك الناس وأن تتحدث عن مؤامرات أمنية وإعلامية تقوم بها الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة. فهذه الأجهزة لم تنجح في فعل شيء ضد "حماس"، وهي أيضاً لا تحظى بشعبية كبيرة لدى المواطنين. وأكثر من ذلك فالقمع الحمساوي طال الكل الفلسطيني ومن كل التنظيمات بمن فيهم من هم شركاء لـ"حماس" في الكثير من الأمور. ولا يعقل أن يُتهم نشطاء الجبهة الشعبية وتيار محمد دحلان والصحافيون والعاملون في المؤسسات الحقوقية بأنهم يأتمرون بأوامر الأجهزة الأمنية وينفذون مخططات ترسمها.
القمع الدموي للمتظاهرين يفاقم أزمة "حماس" ويفسخ المجتمع وينذر بعواقب وخيمة على النسيج الاجتماعي وقد يقود إلى حرب أهلية مدمرة، لن تسلم منها "حماس" ولا قادتها وكوادرها وأعضاؤها. فتجاوز الخطوط الحمر ليس في صالح "حماس" ويتناقض تماماً مع خطابها وشعاراتها، وبالذات في وقت تسعى فيه للتفاهم مع العدو والحصول على بعض المكاسب مقابل وقت إطلاق النار ووقف المواجهات على الحدود. فكيف يمكن لفصيل يدعي المقاومة والدفاع عن الناس أن يقوم هو بقمع هؤلاء ويحطمهم ويعرضهم للخطر.
هناك طريقان متوازيان لحل الوضع القائم في غزة. الأول هو الاستجابة لمطالب الناس العادلة والبدء فوراً في تخفيف الضائقة الاقتصادية بإلغاء الضرائب الجديدة وتخفيض أسعار السلع واعتماد مبدأ العدالة في توزيع المساعدات التي تصل إلى قطاع غزة وإقناع الناس بأن "حماس" لا تميز بين المواطنين خصوصاً وأن المساعدات تصل إلى غزة وليست حكراً على "حماس". فرؤية المواطنين لأعضاء الحركة وقياداتها خارج إطار الضائقة والعوز هو مؤذ تماماً ويضر بصورتها ويفقد كل شعاراتها ومواقفها أي مضمون فعلي. والثاني هو الذهاب نحو الوحدة الوطنية وهنا لسنا بحاجة إلى أي اتفاق جديد فقط نحتاج إلى تطبيق الاتفاقات القائمة وآخرها اتفاق 2017 الذي يتضمن آليات وخطوات تفصيلية لتحقيق الوحدة.
ولا يمكن حل مشكلات القطاع الكبرى دون رفع الحصار الجائر المفروض على غزة وإعادة الإعمار وتنفيذ مشاريع كبرى في مجالات البنية التحتية والاقتصادية المختلفة التي تؤدي إلى توفير فرص عمل كبيرة للعاطلين عن العمل وتفكيك الأزمات الواحدة تلو الأخرى. وهذا كله لا يتحقق إلا بإنجاز الوحدة الوطنية وتوحيد شقي الوطن تحت سلطة واحدة معترف بها دولياً وقادرة على توفير الدعم للشعب. وهذا يتطلب التخلص من وهم أن الاتفاقات التي تعقدها مع إسرائيل يمكنها أن تؤدي إلى رفع الحصار وحل مشكلة غزة. فإسرائيل كما يقول نتنياهو وكما هو ثابت بعد تجربة طويلة مع حكومة الاحتلال ليست معنية سوى بتحقيق الأمن الإسرائيلي بأقل الأثمان وتكريس الانقسام الفلسطيني ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة.