جوال jawwal

حطام الرؤساء والدول في المطافح السورية..نسيم الخوري

الأحد 16 سبتمبر 2018 12:28 م / بتوقيت القدس +2GMT



الجواب في سؤال أهمّ طرحه جاك شيراك، في 3 أيلول 2005، على 25 وزير خارجية أوروبياً في لوكسمبورغ يناقشون انضمام تركيا إلى أوروبا: "من يضمن ألاّ تتحوّل المنطقة بأسرها إلى الأصولية إذا رفض الأوروبيون الاعتراف بتركيّا؟
الربط المحكم إذاً بين تركيّا والأصوليّة.
وعليه نفهم سقوط معظم النظريات الرائجة حول إيران وتركيا بصفتهما دولتين إقليميتين عظميتين تتكاملان مع أميركا، لا لأنّ ترامب أسقطها فحسب، بل لأنّ المصالح الإستراتيجية المشتركة لهذه البلدان الثلاثة تعثّرت وتتعقّد في سورية الملتهبة على حافّة الرماد. كبيرة غدت المتغيّرات السورية بعد تقدّم موسكو وتمركز انتباهها على الشرق الأوسط. كانت الأوهام الأميركية القديمة تتطلّع إلى الإحياء المستعصي للقيم المشتركة التي قرّبت الدولتين من الغرب، لكنها تبعثرت وصارت في أمكنة أخرى حيث أميركا أوّلاً.
سقطت ملامح مثلّث القوة الأوّل المرسوم والمنتظر للقرن 21 قبل ترامب في البيت الأبيض. تنوء إيران وتركيا وتتساويان تحت الضغوطات الأميركية والشركات العالمية المتعددة الجنسيات بانتظار الأعنف. تسقط العملتان التركية والإيرانية تباعاً بشكلٍ مخيف، وتسقط الصواريخ في نقطة اللقاء الدموية الأخيرة بين الأحلاف الجدد، ويسقط الأتراك في قلق "الجمرة الخبيثة" إلى الجمر الظاهر في الآفاق، كما تسقط اللغة العربيّة من فوق جدران إسطنبول في حملات إزالة اللافتات المرفوعة بالعربيّة من النازحين السوريين في إسطنبول وبإشارة من أردوغان إلى رؤساء البلديات.
عندما ننظر في المقابل وبموضوعية إلى حطام العالم العربي والإسلامي بعد انحسار "الربيع العربي"، نرى أنّ المثلّث الجديد الموعود الذي جهدت وتجهد أميركا تاريخيّاً لنصبه لم ترتسم ملامحه بعد أو تتّضح إلا في ضلعين متصاهرين/منصهرين "إسرائيل" وأميركا كسرا عزّة القدس والعرب والمسلمين وعقّدتا التحدّيات وعظّمتا النفور، إذ أخرجتا فلسطين من تاريخ دموي مطّاطي خبيث في ادّعاء السلام كان من نتائجه انصياعات وإخضاعات وتحدّيات لفلسطين والعرب والمسلمين وصفقات عصرية تتجاوز العصور. قد يستحيل توفير الضلع الثالث الجاهز لمصالح الغرب كما إبان الحرب الباردة التي لم تنتج شرق أوسط مستقرّاً.
ألم تكن تركيا البارحة فوق اللسان الأميركي وفي عقله وخططه باعتبارها الدولة المسلمة التي تتقن لغة المسلمين والأكثر ديمقراطية في العالم؟ ألم يتمّ تقدّيمها بكلّ الوسائل غير المشروعة بكونها البقعة التي تجعل الإسلام والحرية يزدهران جنباً إلى جنب؟ ألم يتحفنا الأميركي أيضاً بأنّ القلب الديمقراطي لا ينبض، بحماسة، على غرار تركيا إلا في دولة مسلمة واحدة بالشرق الأوسط، هي إيران، الدولة الوحيدة التي قد تبرز المنافس لتركيا، بل وحتى تتفوّق عليها على صعيد الحريات السياسية؟
لأنّ المقولة عينها تتكرّر اليوم، إذ من تحت الطبقة السميكة في حكم رجال الدين بإيران، تنتظر أميركا الضاغطة مجتمعاً مدنياً مزدهراً. ولأنّ هناك مراهنات واستعادة لمقولات إنّه ما من جيل في العالم يفهم الديمقراطية أفضل ممّا كان يفهمها الشباب الإيراني والتركي أو يتمنّاها بأكبر قدرٍ ممكن من الحرارة، ولربّما تشكل حميتهم جزءاً من جسر القيم الذي كان وسيعود يربط بين إيران وتركيا والولايات المتحدة الأميركية في المستقبل. جادل في هذا الحيّز الوعر الكاتب ستيفن كينزر أنموذجاً عبر 300 صفحة في كتابه" العودة إلى الصفر"، إيران تركيا ومستقبل أميركا، 2012، لكنّ الواقع غير ذلك.
يبدو أنّ تلك التشابكات والإخفاقات والتعقيدات قائمة في ألغاز الانتماء والقوة والمطافح المنصوبة في العقول الدمشقية التي تجعل الرؤساء والدول تنزلق وتتعثر في الأرض السورية.
هل تنتظر أميركا إيران وتركيا أم أنّ أميركا وروسيا ينتظرانهما في إدلب السورية؟
تنتظر تركيّا أوّلاً لأنّ العقل الأميركي كان يستدرك بالترويج لها مشكلتين جوهريتين في مقاربته للدور الإسلامي التركي القيادي ومدى تقبّل هذه التركيا من العرب والمسلمين:
1- إرث أتاتورك العصري والعلماني الذي جعل تركيا ذات وجه أوروبي يحتاج إلى التبديل والتغيير والتنقيح. ولو كان أتاتورك حاضراً لما تردّد في الموافقة لأن تعيد تركيا تحديد دورها في عالم القرن الحادي والعشرين المختلف. تلك كانت المراهنة الأميركية لكنها غير صائبة قطعاً لأنّ أردوغان لم يكن ولا كان أميركيّاً ليطبّق ببساطة ما حفظه رؤساء البيت الأبيض من أنّ في أميركا ثقافة عريقة تقتضي إعادة تفسير أفكار آبائهم المؤسّسين الأوائل لأميركا، مثل: واشنطن وجيفرسون وهاملتون وأدامز وفرانكلين، بهدف تقديمها لأجيالهم وشعوبهم عبر العصور الحديثة بعد تكييفها مع ظروف مستجدات الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي المتغير بتقدّم الزمان والتجارب والاستثمار الواسع في السياسات والإستراتيجيات المتجددة.
2- تحذير أميركي من العرب والمسلمين الذين لن يمنحوا تركيا دوراً قيادياً إسلامياً لأنّ معظمهم مدموغون بتاريخ قاس عندما كانوا جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، وكان عليهم ما تمرّد المغرب ولبنان، النضال الهائل للاستقلال. ما زال هذا التاريخ حاضراً يوقظ مخاوفهم من تركيا/أردوغان التي لم تعمل في سياساتها المعاصرة إلاّ على عدم تطمينهم.
مجدداً وتكراراً سيضيّع الكثير من الدول الإقليمية والعالمية مواقعها وأقدامها في الحطام فلا تحسن الخروج من شبكات المطافح المنصوبة هناك.